تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الشيخ خضر بن عطاء الله الموصلي الشامي

رحلة تضني إليه الرواحل. وتطوي للقياه المراحل. باعه في الفضل مديد. وسهمه في أهداف العلم سديد. لا تدرك في السبق غايته. ولا تتأخر عند ازدحام الآراء رايته. عض العلم بضرس قاطع. وأنار ظلم الجهل بنور من صبحه ساطع. وكان قد انتقل من بلده إلى البلد الحرام. فقطن به منتظماً في سلك علمائه الكرام. وبه ألف كتابه الذي سماه الاسعاف. بشرح أبيات القاضي والكشاف. وهو كتاب لم تكتحل عين الدهر له بنظير. ولا احتوى على مثل أزهار ألفاظه وثمار معانيه روض نضير. وقد دبج في ديباجته يذكر شريف مكة وسلطانها وحامي حوزة قطانها وقصادها الميمون السكنات والحركات الشريف حسن بن أبي نمي بن بركات فأجازه عليه من المال ألف دينار ومن الاقبال ما أصابه أفق أمله وأنار ولم يزل مقيماً في ذلك الحرم وأردا مناهل الفضل والكرم حتى نشاء ظلم وزير الشريف المذكور وهو الذي روع الأجنة في الأحشاء والأفراخ في الوكور ستبيح جيران بيت الله العتيق الشقي المعروف بابن عتيق فكان من مخازيه الشنيعة وفعلاته التي قبح بها صنيعه أن دعي المشار إليه إلى شهادة زور على اغتصاب شيء من متاع الدنيا المنزور فلم يجبه إلى ما دعا ولا صدقه فيما ادعى فنصب له العداوة والبغضاء وتجاوز على التجاوز والاغضاء حتى كان لا يلقبه إلا بالنصراني ولا يراه إلا بعين الآثم الجاني ولم يزل يدب له الضراء ويريد له البأساء والضراء إلى أن رماه عند الشريف ببهتانه وجرى على عادته في ظلمه وعدوانه وسعى إليه بأنه لا يزال ينسب إلى هذه الدولة المظالم وياتفك لها ما يتبرا منه مؤتفك ظالم ويكتب بذلك إلى أمراء الأروام وهو مقبول عند أولئك الأقوام ومتى لم يتلاف أمره. شب نار التلاف جمره وحسن له أجلاه عن البلد الحرام قبل أن يؤول قدحه إلى الاضرام فأذن له الشريف في اجلائه فشمر له عن ساعد بلائه والزمه بالخروج في الحال وأمره لوقته بالارتحال ولم يمهله لينقل له. أو يرى ما عليه وما له. فخرج متوجهاً إلى مدينة الرسول. وقد ترنق ورد حياته المعسول. وما أبعد عن مكة مرحلتين حتى استولى الوزير الشقي على داره. وأظهر صولة قهره واقتداره. واصطفى جميع ما فيها قبل الفوات. ونادى عليه في الأسواق كما ينادي على تركة الأموات فبلغ الشيخ الخبر في أثناء الطريق فأصبح وهو في يم الهم غريق ففاجأه أجله قبل وصوله إلي المدينة ولاقاه من أولاه دنيا ودينه وأطلق من قيد هذه الدار المحفوفة بالارزاء والاكدار وذلك في سنة سبع وألف ومن شعره قوله مادحاً الشريف حسن سلطان الحرمين وأودعها ديباجة كتابه الاسعاف

بدر الملوك أمير المؤمنين أبوعلى الحسن السامي به شام
خليفة الله من دارت بنصرتهوما يشاء من الأفلاك أجرام
في كل ناد له صيت يهيم بهفي كل واد عداه خشية هاموا
لو سابق الدهر لاستدراك غايتهلرد مما حواه الدهر أعوام
قل للخوارج موتوا في ضلالتكمفإنما الدين عند الله اسلام
هذا ابن بنت رسول الله طاعتهفرض وفيه لأنف الدهر ارغام
يطيعه من أطاع الله متقياًومن عصاه عليه النص الزام
وفي أولى الأمر قول الله حجتناوهم ائمتنا بالحق قد قاموا
يا حجة الله والحبل المتين ومنفي غير مرضاته الطاعات آثام
أن يمل نابغة الجن القريض فليفي نظم مدحك من جبريل الهام
فها كهادرة بل بحر فائدةلدى العقول ببذل الروح تستام
تبقى وتذهب أشعار ملفقةكغرة في جباه الدهر أوشام
واسلم ودم في سرور ثم في دعةما قام بالروح بل بالله أجسام

وأنشد للمعري في ترجمته من كتابه المذكور

تقضى صاحب التوارة موسىوأوقع بالخسار من افتراها
وقال رجاله وحي أتاهوقال الآخرون بل افتراها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «قران المشتري زحلا يرجى»
وما حجي إلى أحجار بيتكؤوس الخمر تشرب في ذراها
إذا رجع الحكيم إلى حجاهتهاون بالشرائع وازدراها

قال فأجبته أنا وقلت

وحال الله من أعمى لعينيبصيرته تناهت في هماها
يقول إذا الحكيم رعى حجاهتلاعب بالشرائع وازدراها
فما هذا الخبيث إذاً حكيمولكن ليس يدري ما طحاها

وما أحسن قوله في آخر كتابه المذكور مؤرخاً عام تمامه وهو غاية في الانسجام

وليك ذا الأخير من كتابيوما قصدته من انتحابي
من شرحي الموسوم بالاسعافشواهد القاضي مع الكشاف
تم بعون الله مع اسعافهومحض امدادي من ألطافه
وجوده الغمر الذي عم الأمموفضله العم المسمى بالكرم
وسعد من قد ألفت سطورهلأجله وانتظمت نحوره
ورصعت خطبته باسمهوحليت إذ جعلت برسمه
من قد تحلت باسمه المنابروافتخرت بذكره الدفاتر
من عمرت بعدله البقاعوارتفع الشقاق والتراع
وما بقى للبوم في بلادهمن سكن فهج مع أولاده
والأسد في زمانه مع النعمرابضة والذئب يرعى والغنم
ومن بقى في عصره من جائريصول ظالماً سوى الجاذر
من زوال الفتنة حتى ما بقىمنها سوى الذي يسر الخدق
من ذلت الملوك والقياصرهلعزه بل الأسود الكاسره
ومن أقول في مديحه ومنومن ومن إلى انقضاء ذا الزمن
لا برحت سدته الشريفةجامعة للنكت اللطيفه
حاوية لسائر المعارفحائزة لسائر اللطائف
محط أهل العلم والآدابوكعبة القصاد والطلاب
بجده النبيّ ثم آلهوصحبه وتابعي منواله
واتفق الفراغ يوم عاشروقت الغروب من ربيع الآخر
على يد المفتقر الاواهمنشئه خضر بن عطاء الله
وسائر الأتباع والأصحابمؤرخاً قد انتهى كتابي

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.