تجاوز إلى المحتوى

من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)

السيد علي خاتمة السادة ومنهم الأديب النجيب السيد علي

هذا الشاب ابن بنت الرسول، والمهند الذي لم يعتره فلول.

غصن غرست نبعته في ساحة السيادة، برق تألق من شاطئ المجد فأشرق في تلول الكرم فأضاء وهاده. تردى ببرود المعالي فاتخذ السماحة ديدنا والكمال عادة. وانتشى في ذورة الفصاحة فملك من الأدب زمامه وتملك من الفضائل قياده. توارث الفضائل عن

آبائه الكرام، فكانت النجابة حصته المخصوصة. واستحص الفضائل من أجداده الفخام، فكانت الرياسة لسهامه منصوصة.

قد ورث المجد كابرا عن كابر، فترجلت له الرجال. وانهل أدبه كالغيث الماطر، فحطت لديه الرحال. فهو الآن بدر سماء المعالي وقطبها المشيد، والبحر الطامي الزاخر الذي ما عليه مزيد.

وأرى النجابة لا يكون تمامهالنجيب قوم ليس بابن نجيب
للشاعر البحتري، من قصيدة «كم بالكثيب من اعتراض كثيب»

زرع الأدب في ساحة وجوده، فنبتت من المعارف أصنافا.

وأثمرت بأنواع اللطائف فتضاعفت سنابلها مئات وآلافا. فهو الآن سجل علم بأنواع الكمالات محفوظ. وصندوق فهم من كل الجهات ملحوظ. صاغ في الأدب جواهر حلي حلت جيد الدهر تلك النوادر، وذهبت تيجان فضائل اختطفتها يد الدهر فجعلتها لجيدها العاطل محاسن ومفاخر. غرف من بحر الأدب ما شاء، قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء. بنى بروج مجد حاكى السماء بارتفاعه، وشيد حصون فضل شاكل الجوزاء بامتناعه. خلع عليه الكمال برد العز والشرف، فهنته شواويش الأدب من كل طرف.

متعود ليس المعال تخالهفي الفضل بدراً والكمال شموسا

سطع فلم تتحمل بروج الحدباء حمل ضيائه، وانهل فأعيا أرضها عن ارتشاف قطر سمائه. فلفظته يد الغربة الى دار السلام

واختصت بارتشاف ذلك الثغر الشهدي المذاق ومطالعة ذلك الوجه البسام. فنزل على ابن عمه السيد عبد الله ذلك العلم المشهور، واللواء الزاهر الذي على عاتق الخافقين منشور. فقرا على ذلك العلم واستفاد، فملأ بفضله تلك المعالم والعهاد. فاكتسب من فضله أنواعا، ومن أدبه إكيلة واصواعا، حتى مد إلى ذرى الفضائل باعا والى معاهد الكمال قدما وذراعا.

ثم ثنى عنان القراءة على العالم العلامة والحبر الفهامة، صبغة الله بن إبراهيم بن حيدر، فحاز من العلم ما هو كالشهد ومن الأدب ما هو كالسكر المكرر. منحه بالفوائد التامة، وأجازه بالإجازة العامة.

وكنت أحب الاجتماع به، لما شاهدت منه من أدبه. لأراه بعد صغره في دائرة الكمال، وكيف بدر بعد أن كان هلال.

فاتفقت لنا رحلة إلى تلك المدينة، فرأيت الفضل مذهبه والعفة دينه. وذلك بعد حين من الدهر، فأشرق علي إشراق القمر عند البدر. فلقيته وقد جر على المجرة أذيالا. فقلت جل الواهب العلي وتبارك وتعالى، هكذا فيلكن الأديب الكامل وإلا فلالا. ما غادر صغيرة من المعارف ولا كبيرة إلا وحازها، وعرف حقيقتها على التحقيق وأصولها ومجازها. قد نظمها في سلك فهمه نظم الدراري والدرر، وأدرجها في درج علمه فما باهى بها ولا افتخر.

فقليلها وكثيرها عنده معدودة معهودة، وهي بانواعها المجملة

والمفصلة في جرابه مشدودة. وكان الاجتماع به اقصر من ليالي الوصال، وأخصر من معانقة الغيد الحسان عند معاطاة الدل والدلال. قد مرت كما يمر الطيف، فوا أسفا عليها ووا حيف. وها هو الآن نزيل بيت الفخر، وقطب ذلك القطر، كل أوقاته التي يعدها سدى، فهي في الحقيقة رشد لأرباب الكمال وهدى. فبقيت على ذلك الشوق المديد، والتوق الذي ما عليه مزيد. إلى أن ألوى عنان العزم إلى الوطن ثانيا، فقدر الله لنا به الاجتماع ثانيا.

فأطفينا بذلك غلة الشوق الملم الضافي، واكتسبنا في معاشرته سائغ الحب الهني الصافي. واستفدنا ممن أدبه الذي حواه أتم الإفادة، وأنشدنا من نظمه ما يفيد المجد وينيل السعادة.

فأما نظمه العربي فهو الزكي العاطر، وأما نثره الغريب الحكمى فهو الغمام المريع المتقاطر. فتناول من نظمه سجلا وصكا، وخذ حقا ودع من قال إفكا.

فمن نظمه العالي المستهزئ باللآلي قوله:

سال الدموع وفاضت بالبكا المقلفمذ تذكرت الأوطان والطلل
يا حاديا هاديا أسرع بنا فلقدبان التجلد إذ بانت لنا النزل
سقياً ليوم اللقاكم فيه من فرحيغدو فيبقى ومن هم فيرتحل
وكم يواسي قريحاً بعد أن يئستمنه الأساة فما السلوان والأمل
وكم يملي أخا وجد بلثم لمىوباجتماع متى لا زال ينفصل
وكم يبلّ غليلا بل يروي صدىمن بعد أن كادت الأنفاس تشتعل
وكم يسر كئيبا نازحاً فإذاما لاح برق ترى عينيه تنهمل
وكم يسكن من ناري هوى وجوىلولاه كادت بأوج الشمس تتصل
أجل وينشر ميت الهجر إذ قطعتمنه الأماني وحالت حوله الأجل
ويجمع الشائق المسكين بكرة أنضجت له العيس والأقتاب والسبل
أكرم بليلة وصل قد تساحق منضيق الخناق حلي الجيد والحلل
وكدت من شدة الأشواق وهي معيأن اطلب القرب منها لي وابتهل
لا أنسى ما أنسى إذ جداً تعانقنيتقول أسرفت في الهجران يا رجل
فقلت بالله خلي العتب عنك عسىوصل به بحديث الانس نشتغل
أمست تذم الليالي ثم تحمدهالما على الوصل والهجران تشتمل
تقول لا دَرَّ دَرُّ الدهر ديدنهطوراً يسر وأخرى ساءه الخصل
إقباله نوبٌ إدباره كربأعماله نصب دولاته دول
لا زال يرفع ذا خفض ويخفض ذارفع ونصب فتلقى حاله بدل

ومن نظمه قوله:

لست أنساها إذ تميل من الأنس لدينا وتستكن نفورا
كلما رمت زورها فتأبتوأجابت بزخرف القول زورا

وله:

غلب النعاس جفونه فتراه منألم السهاد يميل كالغصن النقي
حلو المفاصل أشنب فكأنمامن ريقه عسال قامته سقي

وقوله أيضا (من الدوبيت):

أهواك اذا ما لمع البرق وبانأوغرد طائر على الأيك وبان
قف ليلة وصلنا قليلا حتىتحكي زمن الصدود واذهب بأمان

النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيت السادة الفخرية

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.