تجاوز إلى المحتوى

من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)

ياسين المفتي ياسين المفتي بن محمود

مفتي البيان، ومرجع الأعيان. الذي فاق سحنون وسحبان.

قد تطوق من الفضل طوقا وفاق أهل المعارف إدراكا وذوقا. أفتى في بلدنا سنين، وغدا للفضائل منبعا ومعين. اشتمل عليه الفضل اشتمالا، فحاز مكارم ونال كمالا. فهو الطيب الأعراق. الذي حاكى الشموس بالإشراق.

فها هو نهر أعشب المجد حولهوها هو بحر زاخر بالمعارف

لبس في الفضائل أنواع الحلل، وباهى بمجده الشمس فضلا عن زحل. فاعتصر الفضل من عنقود الثريا وسما. وهطل بما أودعه

الله من أسرار البلاغة وهمى. فهو السباق الذي ملأ بالمجد الآفاق، ورقى هام الفضل بطريق الاستحقاق. فوالده محمود هو المقدم وهذا هو التالي. وكلاهما بدرا سماء الفضل وفلك المعالي ومحمود هو شيخ جدنا مراد، فانه قد قرا عليه ومن فضائله استفاد.

فلهما في الكمالات آثار رشاد، ترشدك إلى تلك المعالم والعهاد، وتدلك على سوق فضلهم الذي ماله كساد. فهما في البيان، فرسان رهان.

غيوث كمال كلما غاض واحدهمى واحد يهزو بكل سحاب

ولهذا التالي في النظم كلام، يحاكى الغيث عند الانسجام.

قد أودعت هذا الكتاب من نظمه ما يحاكي الشموس، ويوضع على الأعين فضلا عن الرءوس.

فمن نظمه في مدح الصدر الأعظم والعالم الأفخم السابق ذكره مصطفى باشا الكوبرلي ﵀ وهي:

بشرى لك يا أمور بانتظاممذ قام بك موفق الأحكام
طوبى لك يا زمان باعتدالإذ نلت على بأرشد الحكام
لا ريب لمقتديه باهتداءمع نيل منى بغاية الأسقام
قد آثره الإله فيما يرضىعلم عمل شريعة الإسلام
سيف قلم كذا سداد الثغرعدل كرم حماية الآطام
يا من يدع الأنام في تمهيديا من يخيف الأسود في الآجام
يا من نشر العلوم في الآفاقيا من خذل العداة بالآرام
يا من هو في الوغى لنا ملاذيا من هو ذو الفقار باصطدام
أهتم بجري ما اقتضاه الحالوالدهر يقول حبذا من عام
قد كان له الأوان بانتظاركي يوفي مرتجيه في الذمام
ما قيل لنا الأمور بارتهانتنفك أذن بجرية الأقلام
ما طال لنا السكوت مع ملالأغنى لنا عن إطالة الكلام
نرجو نظراً بأيمن الأوقاتكي تبرا لنا مكالم الآلام
ندعو له كي يدوم لا يزاليطفي به عنا سورة الظلام
نسأل له أن يصيب ما يرومينجا به من إزاحة الأقلام
يحفظه لنا الإله مع نجليهتصفو لهما نجابة الأفهام
ندعو لهما زيادة في العمرمع نيلهما مراتب الإكرام

ومنها في ختامها:

نقرى بدر سنا له دعاءنتلو به في بداية وفي اختتام

مع هذا النثر

المعروض لدى الساحة العلية، والمنهي إلى الباحة السنية البهية. هو انه بينما كنا مترقبين للتلطف والأخبار، وننتظر مع كثرة الملال للتعطف والانسرار، ومتوقعاً لحلول الشفعة والاعتبار. إذ نسمت نسمة على خلاف المعتاد، بحيث اهتم لنا من سمعها في أقصى البلاد. فاعتقدنا إنها غاية الادبار، وبتلاء لنا من الملك الجبار، وجزمنا بأنها متتبعة للأنعام التام، ومستجلبة لوفور اليسر بلا كلام مستشهداً بالكلام القديم من الملك العلام، إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، حيث أنزلها على رسوله امتنانا وبشرا. لا سيما

إذ وردت لنا الأخبار، بانحصار الأمور فيمن كانت له بالانتظار والذي افتخارنا بالانتساب إليه، وتوقيرنا نشا من وقوفنا إليه. فوجب على كل من سمع أن يقول الحمد لله إذ هو نعمة عظمى على الملة الإسلامية والأمة. فحمدنا الله تعالى وحصل لنا السرور، وايقنا بفوزنا ونيل الحضور. فالموجود والمتوقع، والمسئول والمتضرع، أن يقرن ما عرضناه بالعفو والقبول، ويدرج ما اغتثنا به في شدة المصائب لدين الأصول. إذ هو بناء على ما اعتدنا إليه عليه من التلطف والإحسان، واجترأنا عليه من كثرة أخذه بأيدينا من أول الزمان. لا زال للمستغيثين معينا، وللملهوفين ظهيرا ونصيرا ومعينا.

وله ﵀ في هذه التهنية:

كفاني منك نيلا في ارتقاكامراتب قد ورثت بها أباكا
فطوبى للزمان وطيب عيشخصوصاً إذ نصبت به لواكا
وبشرى للأمور بنيل حقوعدل فيه مقتفياً أخاكا
وقرت أعين من كل خيرأديب كامل يرجو حماكا
لقد هنيت بالعلياء طراًفكيف ولا يليق بها سواكا
وطابت نفس من ترجو علواويثني عزمه نحو ابتغاكا
فها هو حاصل من غير مطلولا نكد يشوب ولا جفاكا
فمهما تبذل الآراء جهداًفما بلغت مآرب في ثناكا
فنالت اثر ظلمتها ضياءأنارته المطالع من لقاكا
فلا زالت بك الأيام تزهووتوري ما توارى من سناكا
فتذهب عن قلوب ما اعتراهاوتصفو للتمحص في دعاكا
متى ما قد دهدتني نائباتفما لي ملجأ إلا علاكا
فللضراء جمعا أنت ذخرمجيب كل مضطر دعاكا
فضاق الصدر مني من بلاءلعلي قبل موتي أن أراكا
لتجبر كل منكسري وتبريجراحاتي فيا أهلا لذاكا
فلا العافون خاب لهم سؤالولا الراجون شذ لهم نداكا
كذاهم في الدعا أبداً ونرجوبان الله يبقيكم لذاكا

والقصيدة هذه منسوجة على عروض قصيدة القاضي الأرجاني التي مطلعها:

عدتك الحادثات إلى عداكافما للناس معنى ما عداكا
ولا برح المصادق والمعاديإذا ما ناب نائبة فداكا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «عداك الحادثات إلى عداكا»
فأنت سننت للناس المعاليوإن لم يبلغوا فيها مداكا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «عداك الحادثات إلى عداكا»
إذا نظر الملوك إليك يومارأوك لأمر ملكهم ملاكا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «عداك الحادثات إلى عداكا»
فإن يك ملكهم أمسى سماءفرأيك لم يزل فيهم سماكا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «عداك الحادثات إلى عداكا»
خلقت من العلى والمجد حتىتضمنت الفضائل بردتاكا
فلو كان العلى والمجد شخصايراه الناظرون لكنت ذاكا

ومنها يقول:

أحن إلى السرى وعلي قيدمن التعويق يمنعني الحراكا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «عداك الحادثات إلى عداكا»
فحل عقال نضو من رجانيسر بي من دياركم ابتراكا
فلا زال الزمان بكل حاليطيعك صرفه فيمن عصاكا
رأيتك في يد الإقبال سيفافلو سامتك كف ما انتضاكا
ولا لقاك من ترجوه يأسافانك لست تؤيس من رجاكا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «عداك الحادثات إلى عداكا»

وهذا نثر صاحب الترجمة مع قصيدة.

لقد رضت فكري لكي آتي بما يليق، بتهنية من هو بالتبجيل حقيق. فإذا الطبع مني قد أنكد، ونار الفكر قد انخمد. لما ألاقي من النوائب، وأقاسي من المصائب. وطالما بقيت في وادي التحير، وبان بين الإخوان مابي من التغير. زعما باني قد نسيت ومن صفحة الخاطر قد محيت. فإذا الفطانة أزعجتني، والدراية أيقظتني بأن الغيرة المصطفوية، والأخلاق المحمدية، هل تبقيك في محن البلية. أما علمت بأن الإعانة مقتضاها، والأخذ بالأيدي مبتداها ومنتهاها. فتجرأ بأن يغوص في بحر معانيه، ويفوز في ساحة معاليه. فربما يغترف نبذة من لآلئه، ويقتطف قبضة من روضة مدائنه. فإذا القعر فيه عميق لا يدرك غوره، والمكان سحيق لا يقطف نوره. فاقتطفنا من الساحل ما هو اللائق، وأخذنا من الباحة ما هو الرائق. عسى أن يصير باعثا للشفقة والحمية، لدى ذي البهجة السنية، لا زالت

مسبغة بالسعادة الأبدية، وفائزة بالنعم السرمدية. فالمرجو المتوقع، والمأمول والمتضرع. أن ينظر إليه بعين الشفقة والقبول. ويسامح عن قصوراته لدى الوصول. فانه موجب لا زالة الأتراح، وتبديل الكروب بالانشراح.

وفي هذا الباب أي التهاني أحسن ما ورد فيه قول الصاحب بن عباد لما أتت له البشارة في سبط أبي الحسن عباد. فقال الصاحب:

الحمد لله حمداً دائماً أبداإذ صار سبط رسول الله لي ولدا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «الحمد لله حمدا دائما أبدا»

فقال أبو محمد الخازن قصيدة أبدع فيها غاية الإبداع على وزن ذلك البيت ورويه وهي:

بشرى لقد أنجز الإقبال ما وعداوكوكب المجد في أفق العلى صعدا
وقد تفرع في أرض الوزارة عنروح الرسالة غصن مورق رشدا
لله ما أنت شمس للعلى ولدتنجما وغابة عز أطلعت أسدا
وعنصر من رسول الله أوشجهكريم عنصر إسماعيل فاتحدا
وبضعة من أمير المؤمنين زكتأصلاً وفرعاً وصحت لحمة وسدى
ومثل هذي السعادات القوية لايحوزها غيره دانت له أبدا
يا دهر حقّ بأن تزهو بمولدهفمثله منذ كان الدهر ما ولدا
تعجبوا من هلال العيد يطلع فيشعبان أمر عجيب قط ما عهدا
فمن موال موالي الحمد مبتهلاومخلص يستديم الشكر مجتهدا
وكادت الغادة الهيفاء من طربتعطى مبشرها الإرهاف والغيدا
فلا رعى الله نفساً لم تسر بهاولا وقاها وغشاها رداء ردى
وذي ضغائن طارت روحه شفقاًمنه وطاحت شظايا نفسه قددا
علماً بأن الحسام الصاحبي غدامجرداً والشهاب الفاطمي بدا
وأنه سد شعباً كان منصدعابه وأمرع شعباً كان محتصدا
وارفع المجد أعيانا وأسعدهمجد يناسب فيه الوالد الولدا
فليهنئ الصاحب المولود ولترد السعود تجلو عليه الفارس النجدا
لم يتخذ ولداً إلا مبالغةفي صدق توحيد من لم يتخذ ولدا
وخذ إليك عروساً بنت ليلتهامن خادم مخلص وداً ومعتقدا
أهديتها عفو طبعي وانتحيت بهاسحراً وإن كنت لم أنفث لها عقدا
وازنت ما قلته شكراً لربك إذجاء المبشر بيتاً سار واطردا
الحمد لله حمداً دائماً أبداإذ صار سبط رسول الله لي ولدا
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «الحمد لله حمدا دائما أبدا»

ولصاحب الترجمة في مدح شيخ الإسلام:

قد لاق بان يفوق فينا العصريمتاز بأهله ويأتي النصر
إذ حل به الفيض وجل القدرانسر به القلب وجال الصدر
لا انفك مطاعا واليه الأمريرتاح به الحال ويصفو الدهر
لا غرو أمامنا إذا تباهىما فات نكاية قفاه الحبر
لا ريب لأهله بأن ينالواعدلا سعة به تأتى الفخر
إذ تتبعك الرجال بانقيادمع نيلهم المراد زاد الهجر
تستسقى حبيك بلا ثناءسحبا سكبا وقد تلاه القطر
لا ينصدعن من به ولو تتالىهل ينفد بالغرام منه البحر
امتد بنا السكون بانهمالاثر العمل فقل منا الصبر
تجلى بسناك كل من تجلىفضلا أدبا قد اعتراه الستر
قد نال نداك كل من يرجوهلا يهدمه المن ويبرى الكسر
توري بغناك كلما توارىرفقا كرما قد اقتضاه الذكر
ندعو لك بالخلوص كل آنما دام بقاك ما احتباك القهر
سمعاً ليراعك لكي يشيرما اعتاد به ندى عداه القسر
تجزى نعما به ونعم العقبىممن فلق الصبح وضاء الفجر

ومع هذا نثر أيضا وهو

بينما العبد مشغول بالأدعية لدوام الدولة العلية، والنصر والظفر للعساكر الإسلامية إذ وردت الأخبار، وشاع في الأمصار، انتهاء الغزاء من الأبرار. وذلك بعد بذل جهد تام، وسعي في الجهاد لتحصيل المرام. فلا شك انه مع صرف المقدور، لدى المولى مقبول ومبرور. ولا ريب بأن المسلمين بالنصر موعودون، وإنهم على الأعداء غالبون، ولفتح البلاد ميسرون. ولكن الأمور مرهونة لأوقاتها، والحاجات معقودة بساعاتها. فعزمت على أن أثني بما يصل إليه فكري القاصر، وأمدح بما انتهى إليه الخاطر الفاتر. وإن لم أقدر على البلوغ إلى أدنى ما فيه، بل لا أكاد أصل إلى ما يدانيه، كما قال:

ملك مقسط وأكرم من يمشي ومن دون ما لديه الثناء

إلا أنه جرأني، وأمدني وجسرني، وألح بي ما أنا عليه،

والعرض إلى ما بين يديه، وإن كان المخالف لما هو المعتاد اليه، وتجاوز عن حدنا فيما عزمنا وملنا إليه، اشتهاره بأكرم الخصائل.

من الحلم والانصاف، واتصافه بأحب الشمائل، من العفو والإسعاف. وانتشار لطفه ومرحمته في جميع الاطراف. لا سيما على الداعين لدوام دولته المتخلفين بالعفاف. فالمرجو المتوقع.

والمسئول والمتضرع، ان يطابق المتوسل للمأمول، ويقرن السؤال والمعروض بالإجابة والقبول. لنشتغل بالدعاء مع خلو البال، بالتخضع والابتهال. لان يصونه المولى من الأهوال في جميع الأمور والأحوال.

وله وقد أرسلها إلى محمود بن غراب البغدادي وهي:

تقارب الحدباء والزوراءأورثنا مودة الآباء
وكونها دار السلام وصفاآثرها بالخصلة السراء
فهي التي لم يأتها مصابإلا نجا من ازمة ضراء
لا زال من يسكنها في رفقمنتهج الشريعة الغراء
فليقتد برسمهم سواهمإذ وشحوا بصائب الآراء
والممتطي بمجدهم تراهمستحكماً في خذلة الأعداء
طوبى لهم فانهم في صفرلا ينغوي بزلة الإغواء
فمجدهم بين الورى مشهورمداول الأمثل بالأرجاء
خصالهم مرضية بالطبعوفضلهم في الرتبة العلياء
كفى لهم فخراً بأن المجدمنتسب كنسبة الأنباء
كذلك العافون حيث أغنواعن سؤلهم من شدة الاعياء
لا سيما المحمود في أفعالههمته تعلو على الجوزاء
فاحمد الأوصاف في أشكالهأفقههم بصيغة الأسماء
وسائر الأخوة كل منهممتصف بشهرة الإيفاء
وظاهر اللفظ خفي المعنىترومه الأفهام بالإصغاء
وعالم الأسباب بالتنزيلمحمد الأكمل بالأنباء
والوالد القدوة للأنامأسلكهم طريقة الأحياء
خليلهم تحيا به المعانيوالنحو فيهم صفوة الفراء
والخضر منهم رايق الخصالأنفع من في البقعة الغبراء
كذا الجعيدي نفعه قد شاعامشتهر بقوة الذكاء
والخادم للمرتضى عليمندب إزاحة الشحناء
والأخ منهم سعيه مشكورتحيا به فيافة القفراء
وخادم الأعظم مقتداناأظهرهم للشكر بالنعماء
والمفتى فيهم قد حوى العلومامجتنب التقليد والرياء
وسادة منهم لنا أصولمنفذو المنثور بالإمضاء
ومسلك الوالي سلوك عاليموثق الأحكام بالإجراء
مشيد النظام أحمد قهراسطوته مالئة الهيجاء
وقائم بأمره حسينتجاهه نزاهة الفيحاء
وضابط الدفتر والحسابعشرته تغني عن الغذاء
والمقتدي بأبه مشهوربنقده للكتب في الإملاء
أولادهم سر أبيهم فيهممغن عن التعداد في الاثناء

وهذا النثر أيضا:

وبعد فإني رضت فكري وهو دقيق، لكي آتي بالشكر ما يليق فإذا هو ببحر الإحسان غريق. لا يقدر على التكلم بأدنى كلام.

فضلا أن يخاطب مثل هؤلاء الأعلام.

أمطر علي سحاب جودك أثرةوانظر إلي برحمة لا أغرق

لكن لما تطاول الانغمار، وانتشر التفقد منهم والاستفسار.

صار إلى النجاة والتشبث سبيل. وللنطق مع ما فيه من الضعف دليل. فذكرت بعض ما ينبئ عن قصور البضاعة لعدم كوننا من أهل تلك الصناعة، ورقمت ما حويناه من بعض ما سمعناه، في ذلك النادي، المفيض للأيادي، وبعض ما التقطناه من نثار ذلك الوادي، المغيث للصادي. فالمرجو والمسئول، والمتوقع والمأمول. أن يعد ما سبق من النقصان. ويقترن المجموع بالعفو والغفران. ولتعتقدوا أني منذ حصل الفراق، في أمنية التلاق، لكثرة الاشتياق. لكن الأمور مرهونة لأوقاتها، والمتولد في الساعات يترقب بتقضي آناتها. فأينما كنت افتخاري بتلقيكم إياي بالقبول وحيث ما نلت فإنه من يمنكم فترجيكم لي الحصول.

محبك حيثما اتجهت ركابيوضيفك حيث كنت من البلاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

مع إن الفطانة من كثرة الألطاف العلية، والدراية من تتالي التكريمات السنية كانت بان تتردد وتتوقف عن التراسل، ولو مع التكلف والتعسف الداعي إلى التواصل بناء على إنها صارت مصداقا لما قال المعري:

لو احتصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الحصر

إلا أن الغيرة الهاشمية، والانخراط في سلك الشريعة المحمدية، اهتمت لدفع العار الذي ورد بإسناده إلينا الأخيار. إذ هو شيء لا يقبله الأراذل، فكيف هو بمن قد صرف عمره بخدمة الأفاضل. واعتمدت على أن قبول العذر مقتضى سجاياهم، والإقالة عن العثرات دأبهم وفذلكة لقضاياهم. وتجرأت على الإقدام على البعث للاعتذار، وتشوقت لانتظار السرور التام إلى المباهاة والافتخار.

وقد يقبل العذر الخفي تكرمافما بال عذري واقعاً وهو واضح

فأجابه ذلك الفاضل على رويّه فقال:

قدم الكتاب بأوضح الأنباءمن نحوكم في أفصح الإنشاء
قد عطر الأكوان ريا عرفهوشذا الأريج شذاه في الزوراء
لما أتى من نحوكم متيمماًمتيامنا من أيمن الحدباء
فجلا غمام الغم في إقبالهكالشمس تجلو حندس الظلماء
يزهو بعين الناظرين نضارةكالزهر في ترف وحسن صفاء
النور من نواره متظاهركالبدر لاح بليلة ليلاء
وبه استنار الأفق لما أن بدافأضاء منه الكون باللألاء
وحوى الفصاحة والبلاغة كلهاوخلا من الايطاء والإقواء
يروي حديثا فيه يروي ذا صدىعنكم ويطفي غلة الأحشاء
رقت وراقت منكم فقراتهفعلا على النسرين والعواء
بان البيان بأوضح التبيان فيمعنى معانيه بديع ثناء
من موصل وصل البشير مبشراًعلماً لما فيه من السجواء
قبلته لما فضضت ختامهفوجدته كالدرة العصماء
من ماجد طلق البنان مهذبذلق اللسان سلالة العلماء
العالم النحرير بالتحرير والتصديق والتصوير والإنشاء
الآخذ التراك والدراك للمعقول والمنقول في الأنباء
علامة نسابة فهامةفي علمه والنقل والإملاء
حاز الكمال وجاز في أبوابهمتوشحاً بالعلم والآراء
مردي الردى مفني العدى مجلي الصدابحر الندى ونتيجة الكرماء
ليث الشرى علم السرى بادي القرىعالي الذرى في ذورة الفضلاء
مفني الظلوم بعزمة من بأسهمقني العلوم موفق الفتواء
ياسين طه حافظ لك حارسعن أعين الأعداء والرقباء
قلت المناقب والمراتب والعلىإرثا من الأجداد والآباء
فرفعت ما نصب العداة ببغيهموخفضتهم بالجزم في الأعضاء
لا تلحق الأعداء سبقاً شأوكمانتم وهم كالشمس والحرباء
وورثتم الافضال من آبائكموالفضل منتقل إلى الأبناء
عجز اللسان بان يحدد فخركمإذ فخركم من سيد الشفعاء
وفني الزمان وما أحاط بوصفكمأيحيط فان معدم ببقاء
ثم السلام من السلام يخصكمبتعاقب الأطراف والآناء
ويخص يونس بالسلام وما حوىذاك الحمى من حاضر أو نائي
وكذلك الإخوان طراً كلهمأهدوا إليك تحية بدعاء
فالشيخ أحمد والخليل خليلهوالظاهر المشهور بالأسماء
ومحمد تاج المعارف والتقىوأخوه أحمد نائب القراء
ثم الجعيدي ابنه والاعظميوالمرتضى والخضر والإملاء
والشيخ عثمان التقي وضبنهطه وعبد الله بالإثناء
والدفتري علي المعروف بالمعروف والمعدود بالصلحاء
وعلي اغا ذاك المهذب طبعهوأخوه محيي الدين بالإحياء
وكذلك إسماعيل ثم عليّناوحسيننا وجماعة العلماء
شاهين مع طه الإمام محبكمأهدوا السلام لا فخر الفضلاء
يا كامل الأوصاف يا من مجدهسام على القمرين والجوزاء
يا عالماً يا عاملا يا فاضلايا فاصلا للحكم بالإمضاء
خذ بنت فكر من محب نحوكمجاءت تجوب فدافد البيداء
وسمت جباه الحاسدين وقد سمتفي جبهة المريخ باستعلاء
ومنحتكم مني سلاماً وافراًمتواتراً في بكرة وعشاء
بختام مسك فيه ألف تحيةممزوجة في عنبر وكباء
ثم الصلاة على النبي وآلهمع صحبه والسادة الأمناء

ومع هذا النثر:

يا من سطعت شموس الافق من مطلع سنائه، وبزغت بدور الفطنة من شواكل بهائه، طالما حركني سائق الاشتياق، وهزني شمأل الأشواق، إلى الاستطلاع إلى حقيقة الحقائق، والاطلاع على رموز الدقائق. لعلمي أن تنائي الدار لا تلهي المحب عن المحبوب وتباعد الأجسام ليس له مدخل في اتفاق القلوب. فتارة اسند إلى نفسي العجز والتقصير، وطوراً استدل بتزاحم الآراء من الحذر والتحذير. إلى أن وصل هدهد سليمان الزمان، مصاحباً لمنشور الأمن والأمان. فطار من عش القلب طير الأرواح، وتلقى ما فيه من السرور والأفراح. فلم أزل أترنم بقول الشعراء، وانشده جماعة من البلغاء.

على كل عضو فيّ دارت لحاظهكئوس مدام قد ملئن من السحر
ثملت بها وجداً ولم أصح صبوةفها أنا بين الصحو حيران والسكر

فلما أن حصل لي نوع من الإفاقة، قصدت الجواب بتسبب الطاقة، فرأيت قد زاحمتني بمدحك الشعراء، وتجردت لأوصافك البلغاء، فعدلت عن النظم والنثر، وترنمت بيتا من الشعر:

فالدر يزداد حسناً وهو منتظموليس ينقص قدراً غير منتظم
للشاعر البوصيري، من قصيدة «أمن تذكر جيران بذي سلم»

فأنهيك، بارك الله فيك، إن المحب كما تعهده من العهد

الوفاق، خاليا من شواغل الشقاق، لا يفرق بين الصغرى والكبرى من الفراق، ولا يميز التصور من التصديق من شدة الاحتراق، غاية سؤله صحة ذاتكم ونهاية أمله اعتدال أوقاتكم جعلك الله مرفوعا رفع ابتداء، ومنصوبا نصب التمييز على جملة الأعداء.

وخفض من افرد ضميره بالإضافة إليك، وجزم لك بالسعادة من حبي لديك. وأسألك أن لا تخيب ظني فيما أهديته لك في الخلوات. وعرضته بين يديك في أغلب الأوقات. والوصية اللازمة لاخوة المؤمنين، تقوى الله في السراء والضراء مع جماعة من المسلمين. وعليكم سلام الله وبركاته، ولمن حوى مجلسكم تحياته.

بقيت بقاء الدهر يا كهف أهلهوهذا دعاء للبرية شامل
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة

ومن لطائف المكاتبات ما كتب ابو اسحاق الصابي، وهو معتقل في السجن إلى أبي الفرج الملقب بالببغاء وكان كل

واحد منها يتمنى لقاء صاحبه ويراسله ويئوده فاتفق أن أبا الفرج قدم مرة بغداد، وأبو اسحق معتقل فلم يصبر عنه، وزاره في محبسه ثم انصرف عنه ولم يعاوده، فكتب اليه ابو اسحاق من السجن:

أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولم تزليزيدك صرف الدهر حظاً إذا نقص
مضى زمن تستام وصلي غاليافأرخصته والبيع غال ومرتخص
وآنستني في محبسي بزيارةشفت كمداً من صاحب لك قد خلص
ولكنها كانت كحسوة طائرفواقا كما يستفرص السارق الفرص
وأحسبك استوحشت من طول مجلسيوأوجست خوفاً من تذكرك القفص
كذا الكرز اللماح ينجو بنفسهإذا عاين الأشراك تنصب للقنص
فحوشيت يا قس الطيور بلاغةإذا أنشد المنظوم أو درس القصص
من المنسر الأشغى ومن حزة المدىومن بندق الرامي ومن قصة المقص
ومن صعدة فيها من الدبق لهذملفرسانكم عند الطراد بها فقص
فهذي دواهي الطير وقيت شرهاإذا الدهر من أحداثه جرّع الغصص

فأجابه أبو الفرج مع رسوله بقوله:

أيا ماجداً مذ يمم المجد ما نكصوبدر تمام مذ تكامل ما نقص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
ستخلص من هذا السرار وأيماهلال توارى بالسرار فما خلص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
برأفة تاج الملة الملك الذيلسؤدده في خطة المشتري حصص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
تقنصت بالألطاف شكري ولم أكنعلمت بأن الحر باللطف يقتنص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
وصادفت أدنى فرصة فانتهزتهابلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
أتتني القوافي الباهرات تحمل البدائع من مستحسن الجد والرخص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
فقابلت زهر الروض منها ولم أرعوأحرزت در البحر منها ولم أغص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
فان كنت بالببغاء قدما ملقبافكم لقب بالجور لا العدل مخترص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»
وبعد فما أخشى تقنص جارحوقلبك لي وكر ورأيك لي قفص
للشاعر الببغاء، من قصيدة «أيا ماجدا مذ يمم المجد ما نكص»

فانتهت هذه الأبيات والجواب إلى عضد الدولة فاعجب بها واستظرفها، وكان ذلك أحد أسباب اطلاق أبي إسحاق من اعتقاله ثم اتصلت بينهما المودة والمكاتبة.

ونظير هذه المكاتبة ما كتب الشيخ صلاح الدين الصفدي إلى ابن نباتة معاتبا له ومضمنا من قصيدة امرئ القيس وهي:

أفي كل يوم منك عتب يسوءنيكجلمود صخر حطه السيل من عل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
وترمي على طول المدى متجنيابسهميك في أعشار قلب مقتل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
فأمسى بليل طال جنح ظلامهعلي بأنواع الهموم ليبتلي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
وأغدو كأن القلب من وقدة الجوىإذا جاش فيه حميه غلي مرجل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
تطير شظاياه بصدر كانمابارجائه القصوى انابيش عنصل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
وسالت دموعي من همومي ولوعتيعلى النحر حتى بل دمعي محملي
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
إذا عاين الأصحاب مابي من الجوىيقولون لا تهلك أسى وتجمل
ترفق ولا تجزع على فائت الوفافما عند رسم دارس من معول
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
ولي فيك ود باقي (كذا) قد شددتهبأمراس كتان إلى صم جندل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
ولي خطرات فيك منها جوانحيصبحن سلافا من رحيق مفلفل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
كأن أمانيها كئوس مدامةغدا ونمير الماء غير محلل
سلوت غوايات الشبيبة والصباوليس فؤادي عن هواها بمنسل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
وأجلو محيا الود فيك لأهلهمتى ما ترق العين فيك تسهل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
فكر على جيش الخيانة عائدابمنجرد قيد الاوابد هيكل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
تجد خفرات الأنس منى كواعباترائبها مصقولة كالسجنجل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»
وخل الجفا وارجع إلى معهد الوفاوان كنت قد أزمعت صرمي فاجمل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أفي كل يوم منك عتب يسوءني»

فأجابه الشيخ جمال الدين ابن نباتة متهكما في المطلع بما لا يخفى بقوله:

فطمت ولائي ثم أقبلت عاتباًأفاطم مهلا بعض هذا التدلل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
بروحي ألفاظ تعرض عتبهاتعرض أثناء الوشاح المفصل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
فأحييت وداً كان كالرسم عاتيابسقط اللوى بين الدخول فحومل
تعفي رياح العذر منك رقومهالما نسجتها من جنوب وشمأل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
نعم قوضت منك المودة وانقضتفيا عجبا من رحلها المتحمل
أمولاي لا تسلك من الظلم والجفابباطن خبت ذي قفاف عقنقل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
ولا تنس مني صحبة تصدع الدجىبصبح وما الإصباح منك بأمثل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
صحبتك لا ألوي على صاحب عطابجيد معم في العشيرة مخول
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
وحاولت من إدناء ودك ما نأىفأنزلت منه العصم من كل منزل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
بقلب إلى وجدي به سوط سابقوإرخاء سرحان وتقريب تتفل
فكم خدمة عجلتها وسجيةتمتعت من لهو بها غير معجل
وكم أسطر مني ومنك كأنهاعذارى دوار في ملاء مذيل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
وكم ناصح كذبت دعواه إذ غدتعلي وآلت حلفة لم تحلل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
ولحية لاح غاضها ضحكا علىأثيث كقنو النخلة المتعثكل
ترى بعر الآرام في عرصاتهاوقيعانها كأنه حب فلفل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
نزعت سلوي ساحباً عن صبابتيعلى أثرنا أذيال مرط مرحل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
وقلت خليل ينشد الود همهألا أيها الليل الطويل ألا انجل
إلى أن تبدى عذره متمطياوأردف أعجازاً وناء بكلكل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
ولا طفته في حالتيه ولم أقلفسلي ثيابي من ثيابك تنسل
ويقرع سمعي من معاريض لفظهمداك عروس أو صلابة حنظل
وعدنا لود يملأ القلب عودهبشحم كهداب الدمقس المفتل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
أعدت صلاح الدين عهد مودةبكل مغار الفتل شدت بيذيل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»
فدونك عتب اللفظ ليس بفاحشإذا هي نصته ولا بمعطل
وعادات حب هن أشهر فيك منقفانبك من ذكرى حبيب ومنزل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا»

ومن ظريف المكاتبات ما كتب فخر الدين ابن مكانس إلى بدر الدين البشتكي على طريق المداعبة وكان قد دار دولاب الهمائل:

دورة البدر في سواقي الهمائلتركت أدمع العيون هوامل
آه من للرياض نور أديبمظهر في كلامه سحر بابل
فاق سعياً على بني عجل في الجود وأغنى عن الولي الهاطل
قد أعار الجناس منه تواروأنت تورياته وهو كامل
يا سعيداً أثرى من النظم والنثر فأنسى الورى زمان الفاضل
قد سقيت الرياض يا شيخ بالدر فها غصنها من السكر مايل
لم تجد من نباتة لم تجدهافابنها بالثنا عليك يواصل
وابن قابوس كان طالع فيخدمتك اليوم بالأوامر نازل
وغدا بالظلال كل أديبفي هجير الرمضا بفضلك قائل
وبروحي عيون نرجس دوحتغزل الحسن بالندى وتغازل
أنت سقيتها بشعرك زهراوبعثت المياه فيها خلاخل
كم غصون أينعتها فعليهاهاج للطير والمحب بلابل
أنت في الحالتين تصريفك الأحدب أو كيمياء ذهنك واصل
أنت لو لم تكن بحور علومما جرت في الرياض منك جداول
كنت عندي أجل قدراً وقد درت من الثور للوجود الخامل
وغدا قس بين لفظك والروض على الحالتين عندك باقل
أنت يا بدر فقت بدر الدياجىفلهذا تبدو وذلك آفل
يا خليا إنه الشجون فان لمتك عيني كدمع عيني سائل
فالأديب المحب يشكو هواهللأديب المحب عند النوازل
أنا مغرى بحب أحور ألمىبفتى يزدري بغصن الخمائل
من بني الترك قده اللدن واللحظ كلا الفاتنين أصبح ذابل
أعين الزهر والغصون تراهاشاخصات إذا مشى وموائل
لا تقل لي الأعراب تحكيه لحناما ترى للأعراب هذي العوامل
ماسى عجبا وقصده يقتل الخلق دلالا وللدلال دلائل
لا تلم في عذاره هتك شيبيأنا قد بعت آجلي بالعاجل
ولئن كنت عاقلا إن لي منصبوتي في الهوى عن العقل عاقل
ولعمري أنت الذكي ولكنأنت والله عن غرامي غافل
هاك حالي شرحته فأغثنيإن تكن يا أخي لهمي حامل
واطرح عتبها فعيش المحبين مجون والعيش كالظل زائل
دمت يا جامع المحاسن والشمل ولا زال غيث فضلك شامل
أنت بدر أم أنت شمس فأناقد رأيناك غرة في الأصائل
وكفيت الحرام يا أشرف القوم ومن جوده ينسي الباخل

فأجابه الشيخ بدر الدين البشتكي:

هذه وصفة وإلا بلابلحركت في القلوب منا بلابل
حرت ما بين لفظها والمعانيأين زهر الربى وزهر الخمائل
أقسم البدر ما لنظم الدراريمثل نظم أزرى بسحبان وائل
أين فعل المدام أين الأغانيأين لحظ المها وصنعة بابل
ما لنظم الحباب بين الندامىحسن هذا القريض بين الأفاضل
طالعات أبياته كنجومتركت في العدى بيوتي نوازل
قل لمن قاسه بشعر سواههل تساوي بالله حقا وباطل
إن هذى لكيمياء معانمالها غير حسن رأيك واصل
أيها الفاضل الذي لو رآهابن هاني أنساه روح الفاضل
ولعمري أنا البعيد وقد كاتبتني بالولا وضدي خامل
كل من فاق في مقال وفعلوهو يفديك من مجد وهازل
أشرقت رتبة الوزارة كالشمس بهم فاعجبوا لها في الأصايل
ولهم بعد ذا وحقك فخرماله في زمانه من مماثل
ما جد قد قصرت روحي عليهحين نادى علاه هل من مطاول
قد طوى حاتماً ربيع نداهفجنيت في وصفه وهو قابل
لست أنسى مداعبات تقضتبيننا في الرياض فوق الخمائل
درت قدما دواون الشعر حتىكدت من دورها أرى في سلاسل
ثم ناظرت في المياه أبا ثور لعمري وذاك خير مماثل
أنا بدر حللت في برج ثوروتنزلت مذ رأيت المنازل
فابن قابوس لو أتاه جداليكان يملي من الدموع الجداول
أو صريع الدلا لكان يناديمن يساجله ماجداً فليساجل
أو يعد نفسه صريع الغوانيبلحاق نادوه يا غير عاقل
ونداماي سادة قد تحلىدهرنا منهم وقد كان عاطل
أنا في ظلهم وفي مدح علياهم على الحالتين أكرم قائل
كلما جارت الكؤوس عليهملم يميلوا إلا إلى قد عادل
وغرير اللحاظ أسمر ألمىفوّق اللحظ ما تعدى المقاتل
عامل قده على الميل عنيصدق القائلون في القد عامل
هازئ في اعتداله بغصونلا قصيراً جداً ولا متطاول
لم أطل نظرة إلى جسمه الغضلئلا يلفى بذلك ذابل
وإذا ما العيون أثرن فيهليت شعري فكيف حال الغلايل
كلما قلت وجهه نسخة الحسن ينادي يا بدر هل من مقابل
مبدع في الطباق قد خف خصراًوغدا طود ردفه متثاقل
كم حملنا فيه الملام وكم بات من الفخر داجي الليل حامل
يا وزيراً وعالماً وأديباًوخليعا ينسى الخليع وفاضل
دمت في ارغد السرور بإخوانك أكرم بهم وظلك شامل
وبقيتم بقاء نجم الثرياونجوم الأعدا لديكم أوافل
وتكلفت بالمدائح فيكمداعيا والالتزام بالحج كامل

النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيت السادة الفخرية

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.