من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
محمد أسعد الحسيني نجله محمد أسعد ذلك الأديب الأرشد
لهم أوجه غر وأيد كريمةومعرفة عد وألسنة ند
وأردية خضر وملك مطاوعومركوزة سمر ومقربة جرد
رأيته وهو في السن في العشرة الأولى، وهو كالقمر لم يعتره أفولا. السعود في غرته لائحة، والورود من جبهته فائحة. في طلعته بشائر السعادة منقوشة، وفي جبينه مخايل السيادة مفروشة.
كنت إذا طالعت في سطور وجهه أرى نيشان السمو فيه ظاهر.
وإذا تمثلت معاني حركاته يلوح لي من تلك المعاني عنوان النمو وآثار المفاخر. ثم لما بعدت عن تلك العهاد، وأبعدتني الركائب عن مدينة السلام بغداد. وعدت إليها بعد سنين، والقلب في تلك المعاهد رهين. فوجدت ذلك النسيم قد هب، والطفل الصغير قد شب. وقد بقل خطه وارتاش، ودبت في عروقه مياه الظرافة والانتعاش، وغدا باهر ذكاء وأدب، قد أظهر لأهل الكمال من كماله العجب. قد جمع في الأدب سجلا وفي المعارف صكا، فله عليهما الختم الذي لم يقبل كشطا ولا حكا.
فسجل أدبه أنواع المعارف والفنون، وصك إذعانه يبهر العقول ويحير الظنون، تسابق في مضمار الفضل فكان سبّاق ذلك الميدان، واقتدى بأسلافه الكرام فغدا مشار الأكابر والأعيان.
تصدر لصدارة المجد فكان في ذلك مرجع الصدور. واعتصر كروم البلاغة من عناقيد الرياسة فسقى رحيق النشاط وشراب السرور. خوط بان أزهى من الورد بأنواع الفصاحة مثمر، وهلال كمال أبهى من البدر بصنوف الكمالات مقمر. فهو الأسعد الذي رقي إلى هام المجد والتقط درر المعارف. والأمجد الذي صعد إلى أقصى أعلام الحل والعقد. فغدا حول بيت المحامد واللطائف طائف، خاض في تلك الصبوة بحور المعارف، واستخرج لآلئ الأصداف، فكان غواص بحور المعالي الذي تقف عند ساحله كبار الأشراف. تواخى مع الفخر فرقي إلى ذروة المجد وهامات المعال. وسلك أخيه فخر الدين في سلك الأدب فأقمر بعد أن كان هلال. فرأيت أخاه المذكور هذا وهو في الأحضان. ثم لما عاودت كما ذكرت فوجدته قد انتظم في سمط الشبان. وآثار النجابة عليه تلوح وتظهر، وعلامات السعادة من أناقته تبان وتبصر. والشبل في المخبر مثل الأسد.
لهم علي أيادي كرم وإحسان قد طوقت منى الجيد. فلا زال بيتهم مدى الزمان كل يوم من المعارف في مزيد.
السيد خليل البصير ومن أبناء عمهم السيد خليل البصير
ضرير ولكن بالفضائل بصير، فهو البصير وأي بصير، لم يقبل في الكمال نظير. أما الفضائل فهو بحرها الطامي. وأما الكمالات فهو فلكها الرفيع السامي. استقل في الأدب بالنقض والإبرام، وأوضح سبل المعارف إلى معالم الافهام. تهادته الأيام تهادي النسيم للروض البليل. وافتقرت إلى جنابه افتقار المحرور للمقيل. فانه ممن عارض الوشل بالمطر، وفاخر الليل بالقمر. وطلع في الحدباء طلوع الشمس وأحيا بأنفاسه الطيبة أموات الأدب في الرمس. فحارت بأدبه الافهام، وبعدت عن درك كماله الأوهام، فإنه شخص الأدب عيانا، وأقام على ذلك بينة وبرهانا.
وكل حيا للمجد فهو سحابهوكل رحى للفضل فهو لها قطب
ألف بأدبه الفنون الشوارد، واستملى الفواضل عن عطارد. فآثاره تفصح عن سعة باعه، وتحريراته تنبئ عن طول ذراعه. فإنها لا تعمى الأبصار وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. مطر واستبرق، وأثمر وأورق، فعلا جنابه، وحمد غمامه وضبابه. وعذبت
مصادره وموارده، وعلت محاضره ومشاهده. فهو بارق عارض الادب، كريم الجد والحسب. مالك الافضال والمعالي، مستخدم الأحرار والموالي. قد بلغت معاليه السماء، وجلت مكارمه أسرة الظلماء. فطلع للكمال طلوع سهيل، وأشرق بجماله النهار والليل.
فها هو بحر أدب تشعبت أنهاره. وروض فضل تلونت أزهاره.
قد اظهر من أدبه ألوان، زين بها جيد الزمان.
وله نظم أرق من النسيم في الليل. وأروق من تقاطر الغمام والسيل ونثر كالنجوم في ضيائها، والثريا في سمائها. وقد اخذ بها مجامع القلوب وملكها، وفي سلك سمط الخدام سلكها. وقد اثبت منها ما هو كالجواهر، في أعناق الجآذر.
فمن نظمه قوله:
كفى الله أهل الموصل الشر إذ أتىعدو لهم من جانب الشرق ناهض
أجل ملوك العجم نادر اسمهظلوم غشوم للمواثيق ناقض
سبى نسوة السكان في البيد والقرىبظلم وكل بالمهالك خائض
وساق أناعيم الرساتيق كلهافما في الضياع اليوم بكر وفارض
فحاصرنا ستين يوما مهيجاحروباً وفي الجمعات ماتت فرائض
فحاربه الدستور والى ديارناحسين بعون الله وهو يناهض
فألقي رعب في قلوب جنودهفبانوا وكل نحو مثواه راكض
فلما أزال الله عنا شعوبهمبتوفيقه أرخت زال الروافض
وقوله مخمساً:
نأى الغزال الذي في القلب موضعهيا ليت شعري أي الروض مرتعه
ناديته بانكساري إذ أودعهيا راحلا وجميل الصبر يتبعه
هل من سبيل إلى لقياك يتفقنار المحبة في الأحشاء حامية
والعين كالنهر طول الدهر هاميةيا من به رتبتي في العشق سامية
ما أنصفتك جفوني وهي داميةولا وفى لك قلبي وهو يحترق
وله مصدرا ومعجزا لهذين البيتين.
يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجاممن يفرج كربات المساكين
واصبر على محن الأيام ذا جلدودار وقتك من حين إلى حين
ولا تعاند إذا أصبحت في كدرمن النوائب واستقبله في اللين
هيهات هيهات أن تصفو بلا كدرفإنما أنت من ماء ومن طين
والبيتين لابن نباتة وقد تبعه الصفدي في ذلك فقال:
دع الإخوان إن لم تلق منهمصفاء واستعن واستغن بالله
أليس المرء من ماء وطينوأي صفا لهاتيك الجبلّه
وفي معنى بيت ابن نباتة في انتظار الفرج، قال النبي ﷺ: افضل أعمال أمتي انتظار الفرج.
قال جالينوس: الهم فناء القلب، والغم مرضه. ثم قال الغم بما فات، والهم بما هو آت. ومن الغم يعرض النوم، ومن الهم يعرض السهر، لأن في الهم فكرا بما سيكون والغم لا فكر فيه.
حكى بزر جمهر، وهو من أجل حكماء الفرس، إنه لما حبسه انوشروان عند غضبه عليه في بيت ذي ظلمة وضيق،
وصفده بالحديد وألبسه الخشن من الصوف، وأمر أن لا يزاد على قرصين في كل يوم خبز من شعير، وكف ملح، ودورق ماء، وأن تحصى ألفاظه فتنقل إليه. فأقام بزر جمهر شهورا لا يسمع منه لفظ. فقال انوشروان: ادخلوا عليه بعض أصحابه، ليستأنس بهم، ويفاتحوه بالكلام، واسمعوا ما يجري بينهم، وعرفونيه.
فدخل عليه جماعة من المحتفين به، وقالوا: أيها الحكيم نراك في هذا الضيق والحديد والصوف والشدة التي دفعت إليها، ومع ذلك فان سجية وجهك، وصحة جسمك على حالهما لم يتغيرا. ما السبب في ذلك؟ قال: لأني عملت جوارشا من ستة أخلاط اخذ منه كل يوم شيئا، فهو الذي أبقاني على ما ترون. قالوا صفه لنا فيوشك أن نبتلى بمثل بلواك فنستعمله.
قال: الخلط الأول الثقة بالله ﷿. والخلط الثاني ان كل مقدر كائن. والخلط الثالث الصبر خير ما استعمله الممتحن.
والخلط الرابع إذا لم اصبر فأي شيء أعمل. والخلط الخامس يمكن أن أكون في شر مما أنا فيه. والخلط السادس من ساعة إلى ساعة فرج.
وعلى هذا قول بعضهم:
اصبر على حلو الزمان ومرهواعلم بأن الله بالغ أمره
فالصدر من يلقى الخطوب بصدرهوبصبره وبحمده وبشكره
والحر سيف والذنوب بصفوهصدأ وصيقله نوائب دهره
ليس الحوادث غير أعمال امرىيجزى به من خيره أو شره
فلئن أصبت بما أصبت فلا تقلأوذيت من زيد الزمان وعمره
واثبت فكم أمر امضك عسرهليلا فبشرك الصباح بيسره
ولكم على يأس أتى فرج الفتىمن غيب سر لا يمر بفكره
فاضرع إلى الله الكريم ولا تسلبشراً فليس سواه كاشف ضره
واعجب لنظمي والهموم شواغليلهين عن نظم الكلام ونثره
وتبعه ابن نباتة فقال:
لا تخش من غم كغيم عارضفلسوف يسفر عن إضاءة بدره
إن تمس عن عباس حالك راوياًفكأنني بك راوياً عن بشره
ولقد تمر الحادثات على الفتىوتزول حتى ما تمر بفكره
هون عليك فرب أمر هائلدفعت قواه بدافع لم تدره
ولرب ليل بالهموم كدملصابرته حتى ظفرت بفجره
ولصاحب الترجمة مخمسا:
قد بان قلبي الذي الأشواق ديدنهبحيث لم ير بل لم يدر موطنه
لما جهلت مكانا صار يسكنهسألتها عن فؤادي أين مسكنه
لأنه ضاع مني يوم مسراهافوجهت وجهها نحوي وقد سمعت
ما قلته وعلى ما رمته اطلعتوفي جواب سؤالي رأفة شرعت
قالت لدينا قلوب جمة جمعتفأيها أنت تعني قلت أشقاها
ويقرب من معنى هذه الأبيات قول الباخرزي:
قالت وقد فتشت عنها كل منلاقيته من حاضر أو بادي
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوهترني فقلت لها وأين فؤادي
ويقرب منه قول ابن سبسب:
هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرتوأهوى لنفسي أن تهب جنوب
يقولون لو عربت قلبك لا رعوىفقلت وهل للعاشقين قلوب
وقريب منه أيضا قول الشهاب الخفاجي:
يقولون لي لم تبق للصلح موضعاوقد هجروا من غير ذنب فمن لحا
صدقتم وأنتم للفؤاد سليتمومالي قلب غيره يطلب الصلحا
وفيه أيضا قوله:
قد ودعوا قلبي سر الهوىخافوا من الواشي على حبي
فانتهبوا لبي ولم يقنعواباللب حتى أخذوا قلبي
ولصاحب الترجمة في الاقتباس:
ونسوة لمنني في حب ذي كحلرشا يفوح شميم المسك من فيه
فقلت منهن للائي فتن به«فذلكن الذي لمتنني فيه»
وقوله فيه:
لست أهوى سواكم اليوم حتىأطلب الموت في هواكم حثيثا
ما لقومي الذين قد عنفوني«لا يكادون يفقهون حديثا»
ومن نظمه قوله:
زار فؤادي عائداً طرفهكلاهما في الدهر مضنى قديم
فقلت إذ أبصرت حاليهمامستعجبا عاد السقيم السقيم
وقد أرسل إليه الحاج خليل خداده هذين البيتين:
لا تحسبوا أن البعاد مكدرصفو الخليل عن الخليل وأنسه
لكن حوادث في الزمان تراكمتفالمرء فيها قد سها عن نفسه
فأجابه بقوله:
إنا نسلم أنه يسهو الفتىفي حادثات زماننا عن نفسه
لكن نقول بدفع شر عدوناذا اليوم خير عندنا من أمسه
وله مصدراً ومعجزاً:
قيل لا تنظرن لوجه جميلفهو في الحشر يورث الحسرات
وامنع العين أن ترى ما اشتهتهإنما ذاك يذهب الحسنات
قلت ذاك الجمال لما تبدىكثرت دهشتي وقل ثباتي
وبدت حالة هنالك حتىغفل الكاتبان عن سيئاتي
وكنت قد صدرته وعجزته في زمن الصبا:
قيل لا تنظرن لوجه جميلذي سناء مطرز بالنبات
لا ولا ترقبن لوجه صقيلإنما ذاك يذهب الحسنات
قلت ذاك الجمال لما تبدىوغدا مشرقاً بكل الجهات
وعلا حسنه على كل حسنشغل الكاتبان عن سيئاتي
وأتم منه معنى وربطا تصدير كاتب الديوان لوالي الموصل أمين باشا يونس:
قيل لا تنظرن لوجه جميلواستمع قول ناصح بثبات
وتجنب وقوع ذلك واعلمإنما ذاك يذهب الحسنات
قلت ذاك الجمال لما تبدىومحا الذات باتحاد الصفات
وتجلى بوحدة الحسن حتىغفل الكاتبان عن سيئاتي
ولصاحب الترجمة مخمساً:
لي سادات اصطفيت هواهمجعلت مهجتي فدا مصطفاهم
لا يخيب الذي يروم لقاهميتلقون من يؤم حماهم
بوجوه من التقى نيراتتاه في عشقها ذوو العقل تيها
إنما الفوز والفلاح لديهاسابقوا أيها العفاة إليها
يا لها أوجه يلوح عليهاكل يوم دلائل الخيرات
وقد أرسل إليه الحاج خليل عند انقطاع الامطار وتواليها بعد ما قنطت الناس هذه الأبيات:
يا خافضا رفع الظنون وناصباعلم اليقين ولا يكون مشككا
من بعد ما قنط الورى من رحمةفانظر إلى آثار رحمة ربكا
فأجاب وأجاد:
يا من يذكر خلهكرم الكريم ونعمته
هذا قديما دأبهيعفو وينشر رحمته
السيد حسن النقيب الأديب البليغ اللسن السيد النجيب حسن
قوم إذا حضروا النداء تميزوابعلو مرتبة ونور جبين
الوارثين المجد عن آبائهموالحاملين العلم عن سحنون
شيخ الأدب، الراقي لأعلى الرتب. ذو الكلام الرائق، والكمال المتناسق، والمجد الراسب، والهطل المتعاقب. والحسن المطوي للحسب، والطراز المذهب للأدب. الذي تستفيد منه العيون بهجة، والألسن فصاحة ولهجة. قد رتبه الكمال أحسن ترتيب، وذهبه الشرف أروق تذهيب، وبوبه الفضل أغرب تبويب. فلله دره ما أحقه بصدر الكمال. وأسبقه إلى مراتب الفضل والمعال.
يورث الخلب نوراً، والفؤاد بهجة وسرورا. ملك أزمة القريض،
فكان للنظم بحره الطويل العريض. ظهرت في طلعته مخايل السعادة الموروثة القديمة، فنبتت في ساحته المكارم الأنيقة الكريمة. قد انقض على جنود الأدب، انقضاض النجوم الثواقب فملك أكرم المحامد واستملك أفخم المناقب. فكان له في الأدب الربع العامر، والسبب الوافي الغامر. قد تقنع بالفضل قناع الشمس بالغمام. وأسكر أرباب الأدب بشراب فصاحته، سكر العقول بالمدام. وأدار في البلاغة كئوس، تخجل الشموس، فكأنه العبير في منافحة الأنوار، والهلال في مصافحة الأقمار، له من النظم ما هو كالأسمار، لجميع الأمصار، يغنى عن اللجين والنضار. قد أتيت منه بالرائق الأنيق، الذي يغني عن الشراب والرحيق.
منه ما مدح به حضرة المرحوم والي بغداد أحمد باشا:
باينت زينب والأهلين والولداوشوقهم ليس عني زائلا أبدا
أمست تودعني والدمع منسجموالقلب مضطرم والصبر قد بعدا
تقول يا صاح أين العزم فاحصةوأي أمر بذا أضحاك منشردا
أهانك الدهر أيضا وهو ديدنهبأبناء حيدر من حين الزمان بدا
أم سامك العصر فقرا لو يسام بهأبناؤه لأضاعوا الرأي والرشدا
أم ليس هذا ولا ذا بل شغفت بمنينسيك إحسانه الأوطان والبلدا
أبن السفارة والأهلون في محنوسوء حال وعيش أورث النكدا
هل جائز أن تدعنا في ضرورتناوما لنا كافل نرجوه مستندا
إن كان عزمك يا هذا لنحو فتىنرجو بساحته الافلاح والصفدا
فلتسر حملتنا مستسعدين بهمستبشرين بحال يوجب الرغدا
أجبتها ولسان الحال معتقلوالدمع منهطل والذهن قد فقدا
لا زال ممتحناً دهري فيوقعنيفي كل رزء يزيح الصبر والجلدا
إني أريد لأسري شاكيا زمنيوما اعتلاني بؤس الدور مطردا
لدى المشير الذي لا زال مؤتمناًمن في حماه عن اللوام والحسدا
لو رام ذا الدهر بطشاً في توابعهلا يستطيع حياء منه ما قصدا
من بحر أعطافه لو سال جدولهانحو امرئ غاض عنه السوء طول مدى
أصحابه بلغوا كل السعود بهيا ليتني تابعاً في سنة السعدا
أعتاب دولته نيل المرام بهامن رام آرامه في تربها وجدا
كأنها في أديم الأرض افتتحتبوب السماء فنبغي نحوها المددا
كم سائل فاز فيها كل مطلبهوعاد مشروح صدر قد شفى كبدا
لعل يعطف في حالي وينجدنيمن غمرة أزهقت روحي كذا الجسدا
يا آصف العصر دستور الأوان وياصدر الزمان ويا نعم الفتى عضدا
فهو الوزير الذي إن أمه أحدمستصغرا في حضيض الهون قد صفدا
أقامه بأيادي العز ممتطياأوج السما وذرى الأفلاك ممتهدا
لو شاهد الحاتم الطائي سماحتهونال من فضله الطامي الأنام يدا
ودام يبذل ذاك الفضل مبتغيانشور جدواه لاستوفى وما نفدا
من نال إحسانه لا يشتكي ألماإلا تزايد حساداً وقهر عدا
يا اكرم الناس يا من ليس سائلهمخيباً زادك المولى غنى وندى
عمت مواهبه الأقطار قاطبةساهمتها للورى عدلا ومقتصدا
وظل في ذمة الإحسان مطلبناأسرعت مسترجياً للعطف مصطفدا
عطفا على هالك جار الزمان بهوقد أتى مستجيراً فيك معتمدا
يا أحمد الخلفا يا نخبة السلفايا مرجع الشرفا يا خير ملتحدا (كذا
أوصافكم وأياديكم إذا أحدأطرى بها ليس يستقصي وان جهدا
فالحتم في ذمتي تعقيب مدحكمأزكى الدعاء بجد القلب ينتشدا (كذا
استودع الله صدراً لو يماثلهفي حسنه البدر فوق الشمس لاستندا
أشبه الشمس بالإشراق طلعتهلو لم يكن لفظها أثنى كما وردا
لا تزعمن هلالا ما يبين علىذيل السماء جديداً نحو ما عهدا
أيضاً هو البدر لكن في تقابلهوجه الخليفة أمس ذا بلا حسدا
ندعو آله البرايا أن يمكنكمفي مسند العز والإجلال منفردا
نطع الخلافة لا زالت مشرفةمن لثم أرجلكم مغبوطة أبدا
أمدك الله إجلالا بلا أمددامت صل الكاشح اللاحي وتب يدا
أدامك الله طول الدهر قاطبةوما يلي بعده مستغرق الأمدا (كذا
ومن شعره مصدرا ومعجزا لخمرية أبي نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءواترك فآخره بغض وشحناء
وذر دواء التي أمر الشفاء بهاوداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتهاولا يلم بها بأس وضراء
ان سر منها خمود الطبع لا عجبإن مسها حجر مسته سراء
من كف ذات حرفي زي ذي ذكرتغنيك عن أمرد عن بكر حسناء (كذا
يميل في حبها صنفان يا عجبالها محبان لوطي وزناء
قامت بإبريقها والليل معتكربحيث لو كان بيض قيل سوداء
كأنها كوكب أنواره سطعتفظل من وجهها في البيت لألاء
فأرسلت من فم الإبريق صافيةتروي صفا وجهها من كف خضباء (كذا
تسبى الهموم بجهر والحجا بخفاكأنما أخذها للعقل إغفاء
رقت عن الماء حتى ما يلائمهاماء العذيب صفاء بل خليطاء
ان قلت روح فما أخطى تماثلهلطافة وخفي عن شكلها الماء
فلو مزجت بها نوراً لمازجهاوصار منها بتلك الحال إجراء
وها على الفور تغدو جلب حابلةحتى تولد أنوار وأضواء
دارت على فتية دار الزمان لهموالدهر طاع لهم في الشان كسراء
وما يخافون من بأس ومن خطرفما يصيبهم إلا بما شاءوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةوقاعة ثويت فيها الاخلاء
أجري دموعي عليهم لا على بقعكانت تحل بها هند وأسماء
وقل لمن يدعي في الحب توسعةكلا فدعواك تزوير واغراء
لو كنت صبا لما أصبحت مكتئباًحفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
وممن صدر وعجز هذه الأبيات أحد المترجمين فيما بعد الحاج قاسم الجليلي رحمة الله عليه وهو:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءواترك فديتك ما طب الأطباء
تنفس الصبح قم للكأس مبتدراًوداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتهاولا يمازجها هم ولا داء
كالروح تجري بمجرى الدم نشأتهاإن مسها حجر مسته سراء
من كف ذات حر في زي ذي ذكرإسقفة من بنات الروم عذراء
إن أقبلت ملكت أو أدبرت فتكتلها محبان لوطي وزناء
قامت بإبريقها والليل معتكروالكأس في يدها نجلاء حوراء
وأسفرت عن محياها ذوائبهافظل من وجهها في البيت لألاء
وأرسلت من فم الإبريق صافيةمن عكس وجنتها في الكأس حمراء
لها دبيب بلطف غير مزعجةكأنما أخذها للعقل إخفاء
فقل لمن يدعي في الحب توسعةظللت عما به فاز الأحباء
ظننت علمك يغني عن مداركهاحسبت شيئاً وغابت عنك أشياء
وكنت قد صدرته وعجزته وهو:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءواترك فذلك تنكيد واغواء
أدر كئوس الطلا يا صاح في عجلوداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتهاولا يرى الهم من في فيه صفراء
عتيقة الدن للأفراح جالبةإن مسها حجر مسته سراء
من كف ذات حرفي زي ذي ذكركالسمر إن خطرت حسناء سمراء
وردية الخد تسبي قلب عاشقهالها محبان لوطي وزناء
قامت بإبريقها والليل معتكرفما شعرنا بها هيفاء عذراء
فأسفرت شعرها عن ليل طرتهافظل من وجهها في البيت لألاء
فأرسلت من فم الإبريق صافيةتحكي بريق الثنايا الغر شمطاء
ولو دعت خمرة من خدها عصرتكأنما أخذها للعقل إخفاء
رقت عن الماء حتى ما يلائمهاطبعا فحاكت لذا غيث وأنواء
رقت وراقت فلم تحك محاسنهالطافة وخفي عن شكلها الماء
فلو مزجت بها نوراً لمازجهاولم تر في جوار الحان صهباء
دارت على فتية ذل الزمان لهمفهم بذلك أموات وأحياء
فما يغرنك ما يبدون من سكرفما تصيبهم إلا بما شاءوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةترقى إليها بنو الآمال علياء (كذا
ولا على بقعة خضراء زاهيةكانت تحل بها هند وأسماء
فقل لمن يدعي في الحب توسعةعين المحب عن المحبوب عمياء
رجوت وصلا ولم تخش الفراق إذاحسبت شيئاً وغابت عنك اشياء
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع