تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

محمد بن حسن بن علي بن محمد، المعروف بالحر

أغر، له الكلم الغر، حر، له النظم الحر.

إنِّي أرى ألفاظَه الغُرَّاعطَّلتِ الياقوتَ والدُّرَّا
له الكلامُ الحرُّ وهْو الذيألفاظُه تستعبدُ الحُرَّا

وهو أحد هدايا الجبل، وأجل من انعجن باللأدب وانجبل.

وله الشعر الذي جمل به الأدب وزانه، وزين مقاطيع الشعر وأوزانه.

أطلعه أرق من خصر أهيف يتلفت، وأشهى من مقبل شادنٍ عليه القلوب تتفتت.

وقد أثبت له منه ما يطرب بأناشيده المطربة المطرية، ويرقص الأعراف بأغاريده المغربة المغرية.

فمن ذلك قوله:

لاح وجهٌ من رَبْع ليلى جميلُورقابُ الرِّكاب والرَّكْبُ مِيلُ
بعد ما كاد أن يُلمَّ بنا اليأْسُ فزاد الرجاءُ والتَّأميلُ
فظننَّا الحبيبَ لاح وقلناذلك ما تشتهي القلوبُ فمِيلُوا
ذلك السُّؤْلُ والهوى والامانيللبرايا والقصدُ والمأمولُ
حدِّثونا فذا حديثٌ صحيحٌحسَنٌ مُجْمَلٌ رواه جميلُ
كل دَمع فرضٌ على كل عينٍوعلى العِيسِ وخْدُها والذَّمِيلُ
ثم مِلْنا إلى ربيعٍ رَبُوعٍنحوها أنفسُ الجمادِ تميل
وكأن السُّهادَ للقوم كُحْلٌوكأن الطريق للنَّوْم مِيلُ
بِيَ نقْصٌ من الكمال ومنهمللمحبِّ التَّتْمِيمُ والتكميلُ
كل حيٍّ في ذلك الحيِّ نَشْوانُ هوىً وهْو عاملٌ مَعْمولُ
عمَّهم يا ابنَ عمِّ مِن ألَمِ الحبِّعمومٌ من الهوى وشُمولُ
كل شخصٍ منهم بدا قلتُ هذامُستمالٌ في الحب بل يَسْتميلُ
كل مَن مات في الهوى أكْسبوهشُهرةً ليس يعتريها خُمولُ
مَن رآهم في النوم أو يَقْظَةٍ هامَ وأضْحى ودمعُه مَهمولُ
جنَّةٌ قد تجمَّعت في هَواهاشهواتُ النفوس والمأمولُ
كم بتلك المَحاملِ اسْتأْسرُوا قلْباً غدا وهْو في الحِمال حَمِيلُ
حَملوه وحمَّلوه البَلايافي الهوى فهْو حاملٌ محمولُ
بُعدوا بالحمُول عنَّا فلم تُبْقِ احْتمالاً للقُرْب تلك الحُمولُ

وقوله، وهو من أجود شعره:

رأيتُ غريبَ الحسن قد حُفَّ بالقَنافلاحتْ أماراتُ السعادةِ والشُّومِ
وكلَّمني غِيدُ الحِمى وحُماتُهبقْسمين مظنونٍ لدينا ومعلومِ
فيا قوم رفْقاً بالفتى وهو ضيفكُموما ضيفُ أمثالِ الكرام بمحرومِ
ويا ابْنةَ عمِّ الحُورِ وابنةِ عمَّةِ الْبدورِ أختَ النورِ بنتَ أخي الرِّيمِ
كلامُك كَلْمٌ للفؤادِ ولذةٌفرفقاً بصبٍّ من كلامِكِ مكْلومِ

هذه الأبيات تستحق أن تكتب بالنور، على صحائف وجنات الحور.

لولا لفظة الشوم في ضربها، فكان الأحرى أن تعزل من دربها.

وله:

وغانيةٍ شكلِ العروس بوجههايقيم عليه لَحْظُها كلَّ برهانِ
يبيِّن خَدَّاها لنا بإشارةٍإلى رابعِ الأشْكال أوضحَ تِبيانِ
بسالِفِها معْ حاجِبَيْها بدتْ لنابراهينُ أشكال تُشير إلى الثانِي
وحاجبُها للحسنِ شكلٌ مُتمِّمٌفياليْته مَقْرونُ حُسْنٍ بإحْسانِ

وأنشدني لنفسه، السيد محمد بن حيدر المكي، في مثل هذا التوجيه:

تبدَّى نقِيُّ الخدِّ يزْهو بحُمرةٍمُقارنةٍ فيه البياضَ بإتْقانِ
فقلتُ انْبساطاً إذ غدا القبْضُ خارجاًفلذلك من أشْكالنا كلُّ لَحيانِي

وأكثر ما يتداول فيه هذه الأبيات:

تعلَّمتُ خطَّ الرملِ لما هجرتمُلعلِّي أرى فيه دليلاً على الوصلِ
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «تعلمت خط الرمل لما هجرتم»
فأعجبني فيه بياضٌ وحمرةٌرأيتُهما في وَجْنةٍ سلبتْ عقلِي
وقالوا طريقٌ قلت يا ربِّ للِّقاوقالا اجتماعٌ قلت ياربِّ للشَّملِ
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «تعلمت خط الرمل لما هجرتم»
وقد صرتُ فيكم مثلَ مجنون عامرٍفلا تعجبوا أنِّي أخطُّ على الرملِ

ومن جيد شعره قوله:

فضلُ الفتى بالبذْلِ والإحسانِوالجُود خيرُ الوصفِ للإنسانِ
أوَليس إبراهيمُ لما أصبحتْأموالُه وَقْفاً على الضِّيفانِ
حتى إذا أفْنى اللُّهَى أخَذ ابْنَهفسخاً به للذَّبْح والقُربانِ
ثم ابْتغى النُّمرود إحْراقاً لهفسخاً بمُهْجته على النِّيرانِ
بالمالِ جاد وبابْنِه وبنفسِهوبقلبه للواحد الدَّيَّانِ
أضْحى خليلَ الله ﷻناهِيك فضلاً خُلَّةُ الرحمنِ
صحَّ الحديثُ به فيالَكِ رُتبةتعلو بأَخْمَصِها على التِّيجانِ

أصل هذا حديث قدسي، رواه أبو الحسن المسعودي في أخبار الزمان.

قال: إن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇: " إنك لما سلَّمت مالك لضيفان، وولدك للقربان، ونفسك للنيران، وقلبك للرحمن اتخذناك خليلا ".

وقوله:

قد كنتُ أستْنِشق من مَطْلكمْعَرْفَ شَذَا خيْبَةِ آمالِي
فالآن قد بان بتصْريحكمْأنِّى لنِيرانِ الجفا صالِي
إنِّي رأيت اليأسَ عِزّاً وفيكلِّ رجاءٍ نوعُ إذلالِ
رَجاؤكمْ غُلٌّ وها أنتمُأطلقتمُ عنِّيَ أغْلالِي
والمالُ ظلٌّ هائلٌ زائلٌلا دَرَّ دَرُّ الجامعِ المالِ
في مذهب المجدِ ودِين العُلىسِيَّانِ إكْثاري وإقْلالِي

وقوله:

حجبوا عنِّيَ الحبيبَ وحالُوادونه واستمرَّ ذاك الحجابُ
ضربُوا بيْننا بسُورٍ منيعٍمُحكمٍ ما لذلك السورِ بابُ
باطنٌ فيه رحمةٌ لكِن الظاَّهرُ لي منه نِقْمةٌ وعذابُ

ومن مقطعاته قوله:

قد ظننتُ النجاةَ والفوزَ في الحبِّبأن ألْثِم الثَّنايا العِذابَا
فبِتَرْكي والاحْتياط وتْعويلِي على الظنِّ ذقتُ هذا العذابَا

وقوله مورِّيا بلقبه:

قلتُ لما لَجأْتُ في هَجْوِ دهرٍبذَل الجُهدَ في احتفاظِ الجَهُولِ
كيف لا أشتكِي صُروفَ زمانٍترك الحرَّ في زَوايا الخُمولِ

قلت: للشعراء المتقدمين أشعارٌ كثيرة، تتعلَّق بأسمائهم وألقابهم، من ذلك قول السراج الوراق:

بُنَيَّ اقْتدَى بالكتاب العزيزِفزاد سروراً وزدتُ ابْتهاجَا
فما قال لي أُفُّ في عمرِهلكوْني أباً ولكوْني سِراجَا

والذي أكثر من هذا حد الإكثار الشهاب الخفاجيّ، فمن ذلك قوله:

قالوا نراك سقطْتَ من رُتَبٍأترى الزمانَ بمثل ذا غلِطَا
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة
قلتُ الشياطينُ اللئامُ عَلَوْاًولذا الشهابُ من العُلى سقطَا
للشاعر شهاب الدين الخفاجي، اقرأ القصيدة

وله:

يراكمْ بعْين الشوقِ قلبي على النَّوَىفيحسدُه طَرْفٌ فتنْهلُّ أدمعِي
للشاعر كاظم العاملي، اقرأ القصيدة
ويحسد قلبي مَسْمَعِي عند ذكْركمْفتذْكُو حراراتُ الجوى بين أضْلَعِي
للشاعر كاظم العاملي، اقرأ القصيدة

ومن معمَّياته قوله، في اسم علي:

اُفْدِيه وافِىَّ المحاسنِ بارِعاًيعْلو عن الإنْشادِ والإنْشاءِ
يا مِحْنتي فلقد تعرَّض لَحْظُهوعِذارُه من قبلها لشَقائِي

وقوله فيه أيضاً:

بفؤادي أفْدِي حبيبى وإن عَنَّيفؤادي بالوجْدِ والتعذيبِ
مِن مُحَيَّاه يلمع النورُ يامَنلام هلاَّ شاهدتَ نُورَ الحبيبِ

وقوله في اسم خالد:

أطْمَعني يومَ الِّلقاء في المُنىثم انْثنى بالصدِّ والاجْتنابْ
ولاح في وجْنِته حمرةٌحسِبْتُها ماءً فبانتْ سَرابْ

وقوله في اسم عثمان:

وظَبْيٍ صال في العشاقِ يسْطُوبألْحاظٍ أثارتْ نارَ حربِى
أصاب بعيْنه قلبي بسهمٍهنالك بعدَها ودَّعتُ قلبِي

وقوله في اسم أحمد:

أفْدِيه فرداً مالَه من مُشْبِهِيسْطو علىَّ بحُسْنِه وبعُجْيِهِ
داءُ السَّقامِ أضَرَّبي في حبِّههل من مُجرَّدِ رأفَةٍ من قلبِهِ

وقوله في اسم عمر:

زار الحبيبُ وكان شَطَّعلى النوَى منه المَزارْ
كَرْبٌ مَحتْه يدُ الِّلقاكالليل أعْقبَه النهارْ

وقوله في اسم عليّ:

لا تلُمْنِي إن هِمْتُ وَجْداً بمنفاق الورَى في جمالِه والكمالِ
جاء فَرْداً في كلِّ وَصْفٍ بديعٍوترقَّى ففاق أَوْجَ المعالِي

وقوله في اسم حسن:

طال اشْتياقي إلى ظَبْيٍ فُتِنتُ بهوزاد في حبِّه وَجْدى وبَلْبالِي
حبٌّ بلا آخرٍ ضِمْنَ الفؤادِ رَقَىوراح ينْهَى عن الإفْراطِ عُذَّالِي

وله أحجية في شراريف:

يا واحداً في فضَلِه يا من يُلاذُ بظِّله عند اشْتباه الأجْوِبَهْ
بيِّنْ لنا أحجيةً قد أشكلتْما مثل قولي ابْتاع أرْضاً مُخْصِبَهْ

وله في بانياس:

يا مَن عُلُوُّ الورى لديْهِفي درجاتِ العلى هُبوطُ
أبِنْ جوابي فَدَتْك نفْسِيما مثلُ قولي بدَا قُنوطُ

وله في برغال:

أيا مَن عَلَا فوق أوْجِ العُلىوفاق الأنامَ بفضلٍ مُبينْ
أبِنْ لي جوابي فأنت الإِمامُ ما مثلُ قولي طعامٌ ثمينْ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول في ذكر محاسن شعراء دمشق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.