تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

ذكر بني القاسم الأئمة

دعاة هذا الإقليم ورعاته، الذين حفظوه بعون الله من نكباته وروعاته.

وهم الحسن، والحسين، ومحمد، وأحمد، وإسماعيل، الإخوة البدور، الذين أقروا العيون وشرحوا الصدور.

الراسخون علوماً، الباذخون حلوماً.

سَمَوْا للمَعالي وهمْ صِبْيةٌوسادُوا وجادُو وهم في المُهودْ
ونالُوا بجِدِّهمُ جَدَّهُمْفإن الجدودَ عُلاً للجُدودْ

تبحبحت أطرافهم في روضة الرسالة، وتهدلت أغصانهم على نبعة البسالة.

وقد سخر الله لهم الفصاحة حتى انقادت في أعنتهم، ووهبهم البراعة حتى عرفت في أجنتهم.

فأكبرهم: الحسن الحسن الروية والروا، الذي وسع جوده عامة الورى.

فاستعاروا في مدحه الزهر من لفظه والبرد من صنعائه، متخيرين المسك من ثنائه، وعرف القول من دعائه.

لئن حاز جُوداً لا تفارقُه يَدٌفقد حاز شُكراً لا يُفارقُه فَمُ

وهو الذي مهد البلاد، وأحكم أمر الطارف في مجدهم والتلاد.

بجدٍ لو تعرف إليه الجماد لنطق متكلما، أو تظلم إليه النهار من الليل لم يدع شيئاً مظلما.

وفضلٍ استعد له واعتد، ورأيٍ امتد به ساعده واشتد.

يهز للمدح عطفا، وينساب مع الماء رقةً ولطفا.

ومع هذا فهو في الحرب الليث الهصور، والشجاع الكرار فلا يحوم حوله التراخي والقصور.

إذا مضت في الأعداء بواتره، تقدمتها في الظفر بوادره.

أنهضه الله بطاعته، وزاد في قوته واستطاعته.

فاستخلص اليمن من قومٍ فتكوا فيه وعاثوا، وطغوا على أهله حتى استغاثوا من شرهم فلم يغاثوا.

وقبض على أناسٍ كانوا ممن توغل في حربه، ثم أطلقهم محتسباً بالعفو عنهم عند ربه.

وذلك بعد حروبٍ كاد يعلق بشرها ذمامه، ويرشق إليه منها حمامه.

حتى استقام له الأمر، وخمد ذلك الجمر.

وتم له من المراد ما اقتراحه، ومن الزناد ما اقتدحه.

فتمهدت له أخياف الهمم، وخضعت له عوالي القمم.

فقام الناس إلى مشايعته، والتفيؤ بظل متابعته.

فعاملهم أحسن معاملة، وأعطاهم محاملةً عوض مجاملة.

ولما بان هدوه، وبان حاسده وعدوه.

عمد إلى الجبل المسمى بضوران، فاختط به مدينةً أبدعها مساكناً وأوطانا، ودبجها رياضاً وغيطانا.

واتخذ بها مساجد يتقرب بها المتقرب، ورباطاتٍ يأوي إلى ساحتها المتغرب.

فوقعت في ذلك الموضع موقع العروس من منصتها، واقتطعت من الأفق السامي بمقدار حصتها.

وله غيرها مما يدل على رأيه الصائب، وقوة فكره التي يفل به جيش المصائب.

وكل ذلك يشهد له بأنه أخذ الأمر بزمامه، وناداه الصواب من خلفه كما ناداه من أمامه.

وبالجملة فهو حظ الزمن، والملك الذي تم به يمن اليمن.

وأما أخوه: الحسين فهو صنوه في الإخا، وعديله في الشدة والرخا.

كوكب رياسته الزهرا، التي جمل بها أولاده الزهرا، وأطلع في سماء سنائها، ورياض علائها، زهراً مضيئةً وزهرا.

شموس السعادة من وجهه مشرقة، وعيون طوارق الغي عنه مطرقة.

وكان له لفظٌ نشر به من الوشي الصنعائي حللاً وأبرادا، وخطٌّ أهدى للشمس من ضيائه إشراقاً ورادا.

وآثار أقلامه لوائح بوادي، لم يتنحنح بمثلها شادٍ بمفازةٍ أو حادٍ بوادي.

فمن شعره قوله في الغزل:

مولايَ جُدْ بوِصالِ صَبٍ مُدْنَفٍوتَلافِه قبل التَّلافِ بمَوْقفِ
وارحمْ فُدِيتَ قتيلَ سيفٍ مُرْهَفٍمن مُقلَتيْكَ طعين قَدٍ مُرْهَفِ
فامْنُنْ بحقِّك يا حبيبُ بزَوْرةٍتُحْيي بها القلبَ القَرِيحَ فيشْتَفِي
أعَلمْتَ أن الصَّدَّ أتْلف مُهجتِيوالصدُّ للعشَّاقِ أعظمُ مُتْلِفِ
عجباً لِعطْفِك كيف رُنِّح وانْثَنىمُتأوِّداً وعليَّ لم يتعطَّفِ
أنا عبدُك المَلْهوفُ فارْثَ لذِلَّتيوارْفُق فَدَيْتُك بي لطُولِ تلَهُّفِي
عرَّفْتني بهوَاك ثم هجرْتنِييا ليْتني بهوَاك لم أتعرَّفِ
يا مُهجتِي ذُوبي ويا رُوحِي اذءهبيمن صَدِّه عنِّي ويا عينُ اذْرِفِي
هل من مُعينٍ لي على طُولِ البُكاأو راحِمي أو ناصرِي أو مُنْصِفِي
وإليك عاذِلُ عن مَلامةِ مُغْرَمٍلا يَرْعَوِي عن ما يرومُ ولا يَفِي
حاشايَ أن أسْلُو وأنْسَى عهدَ مَنأحبَبْتُه إنِّي أنا الخِلُّ الوَفِي
قُل ما تشاءُ فإنني يا عاذلِيلا أنْتهِي لا أنْثنِي عن مُتْلِفي
أنا عبدُه لا أكْتفِي عن مالكِيوالعبْد عن مُلاّكِه لا يكْتفِي
يا قلبَه القاسِي أما تَرْثي لمنقاسَى هَواك جَوىً وطولَ تأسُّفِ
اعْطِف على قلبٍ سلبْتَ فؤادَهواسْتبْقِ منه بالنَّبيِّ الأشْرفِ

الإمام محمد بن القاسم الذي قام بالإمامة، وتتوج بتلك العمامة.

وألزمت له الناس هذا التنويه، ولم يحجم نفسه في هذا الأمر عما تنويه.

فأصبح وهو مجتمع الكلمة في اليمن كلها، القائم بأعباء الأمور دقها وجلها.

تكفلت بغنى الراجين منائحه، وأحصيت السيارة ولم تحص مدائحه.

وكان له قوة حدسٍ تكاد ترد النار إلى الزند، وحسن سياسةٍ تثني الناس عليها ثناء النسيم على الرند.

ولما دعاه الداعي الذي لا بد عن إجابته، ورماه قوس القضاء بالسهم الذي لا محيد عن إصابته.

تقسمت الكلمة المجتمعة بين أحمد وإسماعيل الأخوين، ومحمد ابن أخيهما الحسن المتقدم آنفاً فتفرق القوم فرقا، وسلكوا من التشعب طرقا.

وجرت بينهم حروبٌ للظهور قاصمة، ولعرى الحزم فاصمة.

حتى ضاقت اليمن بأهلها ذرعا، وخامرتها النوائب أصلاً وفرعا.

وإسماعيل محتسب في دفع تلك الغمة، متوكل على الله في تلافي أمر الأمة.

وهو عالمٌ أن القلوب معه، والكلمة عليه مجتمعة.

وأن الإمامة تسعى له باتفاق، وتتجاذبه أطرافها من بين تلك الرفاق.

حتى صار علمه يقينا، واستسلم له القوم قائلين: نحن من شيعتك ما بقينا.

علماً منهم أن ما هم فيه أمرٌ محظور، تقدم فيه بتسويل الأنفس حدٌّ محذور.

فأصبح في تلك الدائرة قطبا وهم فلك، وناداه الدهر إن لم تكن لهم الإمامة فلك.

فلقيت به الولاية حظاً، وأدارت كيف شاءت في الرفاهية لحظاً.

واطمأنت أدانيها وقاصيها، وابتهجت أسرتها ونواصيها.

وإسماعيل هذا هو الإمام المجلي، يقتدي به المصلي وغيره في ميدان السباق، وإذا جرى ذكره في البراعة استخدمها له القول بالموجب بنوعي المطابقة والطباق.

ولئن كان من بين أخوته الأقل الأصغر، فيفديه العالم الأكثر من أصغر العالم والأكبر.

فهو أصلٌ نالت به قبائله من الشرف الأرب، كما أن إسماعيل أصلٌ تفرعت منه قبائل العرب.

مد إلى جر المجرة باعا، واتخذ له فوق الأثير منازلاً ورباعا.

لم يدر على مثله لنادٍ نطاق، ولم ير الدهر نظيره ولو شمر عن ساقه ما أطاق.

تهابه النفوس إذا رمقته أبصارها، وتلجأ إليه الرياح إذا أرهقها إعصارها.

فلو دعا السهم في الهواء لرجع من ساعته، أو نادى الدهر الأي لما أمكنه التخلف من طاعته.

يسافر رأيه وهو دانٍ غير نازح، ويمضي تدبيره وهو ثاوٍ غير بارح.

وهو في العلم فردٌ لم يختلف فيه اثنان، وجامعية فنونٍ ذات أصول وأفنان.

وله شعر كقدره فوق أن يقال جليل، وكثير المدح في جنب معاليه قليل.

كما قال القائل:

كلامُ الإمامِ إمامُ الكلامِوفُوه يفُوه بحُرِّ النِّظامِ
مِزاجُ مَعانِيه في نَظْمهامِزاجُ المُدامِ بماءِ الغَمامِ

فمن شعره قوله، من قصيدة أولها:

في المُهجةِ أضْحَى معهدُهُفلذَا في الغَيْبة تشهدُهُ
فتَّانُ الحسنِ مُمَّنعهُفِتْيان الصَّبْوةِ أعْبُدُهُ
معسولُ الثَّغر مُفلَّجُهعَسَّال القَدِّ مُعربِدُهُ
وافَى من بعدِ تجَنُّبِهووفَى بالزَّورةِ موعدُهُ
وسرىَ كالبدرِ فسُرَّ بهِمسلوبُ كَرىً لا يرقُدُهُ

وكتب إلى القاضي محمد بن إبراهيم السحولي:

عجباً ما للأخِلَّهْأعرضُوا من غير عِلَّهْ
وتجافَوا عن كئيبٍهائمِ القلب مُوَلَّهْ
مستهامٍ عذَّبْتهُمن غزالِ الرَّملِ مُقلَهْ
ذُو قَوامٍ مثلُ غصنِ الْبانِ قد حُدَّ برَمْلَهْ
ومُحَيّاً أوْرَث الأنْجُمَ والأقمارَ خَجْلَهْ
عَبْلةُ الساقِ رَداحٌدُونَها في الحُسنِ عَبْلَهْ
غادةٌ عادتُها للصَّبِّ أن تُكثِر مَطْلَهْ
جعلتْ هجْرَ المُعنَّىفي الهوى دِيناً ومِلَّهْ
حرَّمتْ من وصلِه ماخالقُ الخلقِ أحَلَّهْ
وأحلَّتْ قتْلَه واللَّهُ قد حرَّم قتَلهْ
يا تُرَى في أيِّ يومٍيصل المحبوبُ حَبْلَهْ
وبه في طِيبِ عيشٍيجْمَع الرحمنُ شَمْلَهْ
وترى العاذلَ فيهِتاركاً في الحبِّ عَذْلَهْ
ويعودُ الصبُّ للمعْهُودِ من دون تَعِلَّهْ
فهمُ قومٌ سُراةٌأرْيَحِيُّونَ أجلَّهْ
ولهم في القلبِ وُدٌّلا يرُوم الغيرُ نَقْلَهْ
غيرَ أن الدهرَ أبْقَىمنهم يبْلَهُ عَقْلَهْ
صيَّر التشْهيرُ في وصْلهمُ المطلوبَ غَفْلَهْ
سَدَّ دُونَ الضَّاحِك السَّعدِ طريقاً منه سَهْلَهْ
فتناسَوْا عهدَ صَبٍذاهلِ اللُّبِّ مُدَلَّهْ
وجَفَوْه فرسومُ الْوُدِّ منهمْ مُضْمَحِلّهْ
فمتى في الدهرِ نَلْقَىشيْخَه بدرَ الأهِلَّهْ
عَلَّه يشكو إليهسَطْوةَ الدهرِ وفِعْلَهْ
نَجْلُ إبراهيم عِزُّ الدِّين محمودُ الجِبِلَّهْ
أعظمُ الأخْيارِ قِيلاًأكرمُ الأحرارِ خُلَّهْ
أحسنُ الناسِ خِصالاًقاربَ الأكياسُ مِثلَهْ
وهْو للطالبِ عِلْماًعلَمُ زاهٍ وقِبْلَهْ
يا جمالَ الدِّين مَن حازَ خصالَ الفضلِ جُمْلَهْ
هاك نظماً من مُحِبٍلا يرَى غيرَك أهْلَهْ
أوْجَدته فكرةٌ قدكرَّرتْها أيُّ شُعْلهْ
يرْتجِي منك قبولاًلِنظامٍ جاء قَبْلَهْ
مُسبِلاً من دُونِه سِتْراً عن العيْبِ وِكِلَّهْ
دُمْتَ في أرْغَدِ عيشٍراقياً أعْلَى مَحلَّهْ

فأجابه بقوله:

سامِحُوا المملوكَ لِلّهْواصْفَحُوا عن كلِّ زَلَّهْ
عَفْوُكم عنَّا دواءٌنافعٌ من كلِّ عِلَّهْ
والرِّضَا منكم زُلالٌناقِعٌ من كل غُلَّهْ
ووَلاكم لي أمانٌببَراهِينِ الأدلَّهْ
حبُّكم شَرْعِي ودِينِيوهْو عندي خيرُ مِلَّهْ
وهْو لي خُلْق قديمٌوطِباعٌ وجِبِلَّهْ
ولقد مازَج رُوحِيوسوادَ القلبِ حَلَّهْ
مَدَنِيُّ العيشِ إذا الْقلْبُ ثَناه ساه وصلَهْ
لا ولاَ وَلَّهنِي الحبُّبمَن مثْلِيَ وَلَّهْ
قمرُ الحسنِ واللحُسْنِ بدورٌ وأهِلَّهْ
لو رآه البدرُ أعْلاهُ مَحَلاَّ وأجَلَّهْ
ضرب الحسنُ عليهقُبَّةً تزْهُو وكِلَّهْ
ورآه الحُسْنُ قد حازَ بديعَ الحسنِ كُلَّهْ
فوَحَى في الخدِّ خَوفَ الْعينِ حَصَّنْتُك باللهْ
يا لَقومِي في كثيرِ الْحُسْنِ حَظِّي ما أقلَّهْ
يا رسولِي قُل له باللَّهِ إن أحسنتَ قُلْ لَهْ
كَيْ يُقضى الصَّبُّ عُمْراًفعَساهُ ولعَلَّهْ
إن يكنْ لا يرْتجِي الْوَبلَ من الوصلِ فطَلَّهْ
وعلى الحسنِ زكاةٌورَدتْ فيها أدِلَّهْ
وهْو مسكينٌ فمنْعُ الصَّرْفِ فيه مَن أحَلَّهْ
لستُ أشكو الجوْرَ إلاَّللأجلِّ ابنِ الأجِلَّهْ
مَن له كثْرةُ أوْصافِ العُلَى من غير عِلَّهْ
من رقَى في المجدِ والفَخْرِ إلى أعْلَى محلَّهْ
ونَضَا مُنْصُلَ عَزْمٍمُرْهَفَ الحدِّ وسَلَّهْ
وسعَى في طلبِ العَلْياءِ من غير تَعِلَّهْ
وسمَا في نَيْلِه الْفضْلَ إلى أرْفَعِ قُلَّهْ
ما أحلَّ اللهُ شخصاًفي العُلَى حيث أحَلَّهْ
يا سليلَ العِزِّ يا مَنرَدَّ عادِيه المُدلَّهْ
وصَل المملوكَ وَصْلٌمنكمُ أعْلَى محِلهْ
وكساهُ بُرْدَ فخرٍزانَه بين الأخِلَّهْ
عِقْدُ نظمٍ خِلْتُه وَرْداً كساه الصبحُ طَلَّهْ
أو هو الدُّرُّ تهاداهُ الغوانِي للأكِلَّهْ
وتَودُّ الغِيدُ لو أنَّلها منه أشِلَّهْ
بل هو الفضلُ أدام اللَّهُ للعالَم ظِلَّهْ
فيه إعْزازٌ لقَدْرِيولنظْمِي فيه ذِلَّهْ
فاقبلُوا منِّي جواباًجاء في ضَعف وقِلَّهْ
طال تقصيراً ولكنْسامِحُوا المملوكَ لِلّهْ

قوله: لله بحذف الألف بعد اللام، لغة، على ما نقله الإسنوي حكاية عن ابن الصلاح عن الزجاجي، فلا لحن فيه، كما قال البيضاوي.

وفي التيسير أنه لغة جائزة في الوقف دون الوصل، والأفصح إثباتها وإن تملح به المولدون في أشعارهم كثيراً، كقوله:

أيها المستبيحُ قتْلِي خَفِ اللهْوانْهَ عينيك للدِّما مُتحِلَّهْ

ومن شعر الإمام قوله:

وشادنٍ أجْرَى دموعِي دَماًسفْحاً على الخدَّيْن لا يَرْقَا
أخافُ مُسْوَدُّ عِذارِي بهيبْيَضُّ من حُلَّته الزَّرْقَا

وقوله:

يا شادِناً قد فاق في حُسْنِهوعَزَّ عن شِبْهٍ وأمْثالِ
لأنتَ في قلبِي وفي ناظرِيألَذُّ من نَوْمةِ شَوَّالِ

ولده السيد علي

هو تورد في خد الدهر، وبشرٌ في وجه الزهر.

له عيون آثار أزهى من الخدود إذا اعتراها الخجل، ومحاسن أشعار تستوقف صاحب المهم وهو في غاية العجل.

وهناك اللطائف مأمونةً من النظائر والأشباه، لا يعارض في قيامها بجوامعها النظر والاشتباه.

إلى ألفاظٍ كأنها لآلىء في درج، أو كواكب في برج.

ومعانٍ كأنها راحٌ في زجاج، أو روح في جسم معتدل له المزاج.

فمن بدائعها التي تزرى بالعذارى تبرجت في الحلي والحلل، إذا لاحت من وراء سجفها تغبطها على الحسن أقمار الكلل.

قوله من قصيدة يمدح بها أخاه الحسن:

أكذا المُشتاقُ يُؤرِّقُهُتغريدُ الوُرْقِ ويُقلقُهُ
وإذا ما لاحَ على إضَمٍبَرْقٌ أشْجاه تألُّقُهُ
يُخْفِي الأشواقَ فيُظهرِهادمعٌ في الخدِّ يُرقْرِقُهُ
آهٍ يا برقُ أما خَبَرٌعن أهلِ الغَوْرِ تُحقِّقُهُ
فيُزيلُ جوىً لأسيرِ هوىًمُضْنىً قد طال تشوُّقُهُ
رِيمُ الهيجاءِ ورَبْرَبُهاخمريُّ الثَّغرِ مُعتَّقُهُ
ممشُوقُ القَدِّ له كَفَلٌيتشكَّى العِطْفَ مُمَنْطقُهُ
مُغْرىً بالعَذْلِ لعاشقهِوبدِرْعِ الصبرِ يمزِّقُهُ
يا ريمَ السَّفْحِ على مَ تُرَىتُرْضِي الواشِي وتُصدِّقُهُ
رِفْقاً بالصبِّ فإنَّ لهقلباً بهوَاك تعلُّقُهُ
فعسى بالوصلِ تجودُ ولوفي الليلِ خيالُك يطرُقُهُ
أو ما تَرْثي لِشَجٍ قد زادَ بطولِ الهجرِ تحرُّقُهُ
وأراد الصدّ سيُخرجُهمن أسْرِ الحبِّ ويُطْلِقُهُ
فله نفسٌ تأْبَى كرَماًيأْتيهِ النَّقْصُ ويلحقُهُ
ولِذاك سلَتْ بِتذكُّرِهالأخٍ بالمجدِ تخلُّقُهُ
شرَفُ الإسلامِ وبَهْجتُهُوخِتامُ الجُودِ ومُغْدِقُهُ
وعِمادُ المُلكِ ومَفْخَرُهوسَنامُ الدِّين ومَفْرِقُهُ
من دون عُلاه لرائدِهبُرْدُ الجَوْزاء ومَشْرِقُهُ
حِلْمٌ كالطَّوْد لنائلِهجُود كالبحرِ تدفُّقُهُ
اسمعْ مولايَ نظامَ أخٍقد زاد بمدْحِك رَوْنَقُهُ
وُدُّك قد صار يكلِّفُهبِمقالِ الشعرِ ويُنْطِقُهُ
فاحفظْ وُدِّي لا تُصْغ لمايُمْلِي الواشِي ويُنمِّقُهُ

وقوله، من قصيدة أولها:

جَدَّ بي الشوقُ إلى الظَّبْيِ اللَّعُوبِفتصابيْتُ به وقتَ المَشِيبِ
رَشَأٌ مُدْمِنٌ هجرِي لم يزلْقلبيَ المُشتاقُ منه في وُجوبِ
يا أخِلاَّيَ بهاتِيكَ الرُّبَىوأُصَيْحابي بذَيَّاكَ الكَثيبِ
مُذ نأيْتُم قد جَفَا جَفْنِي الكرَىوفؤادي والتَّسَلِّي في حروبِ
خاننِي صبرِي وأوْهَى جَلَدِيحبُّ ذاتِ الدَّلِّ والثغرِ الشَّنِيبِ
آهِ كم أكتُم في القلب الجوَىوإلى مَ الصبرُ عن لُقْيَا الحبيبِ
ترجُ لي يا عاذِلي كَتْمَ الهوَىإنَّ كتْمانَ الهوى داءُ القلوبِ
فاطَّرِحْ لَوْمِي فإنِّي مُغرَمٌوأشِع ما شئتَ عنِّي يا رقيبي
أنا من قومٍ إذا ما غضِبُواأطعموا الأرْماحَ حَبَّاتِ القلوبِ
وهمُ في السّلْمِ كالماء صَفَالصديقٍ وحميمٍ وقريبِ
فهمُ فخْرِي وفيهم قُدوتيوبهم نلْتُ من العَلْيا نصِيبي
وبفضلِ اللهِ ربِّي لم أزلْفي مَراقِي العِزِّ والعيشِ الرَّطِيبِ
ليس لي إلاَّ المَعالِي أرَبٌفعلى كاهِلها صار رُكوبي
إن دعا داعٍ إلى غيرِ العُلَىلا ترانِي لدُعاه من مُجيبِ

وله مضمناً بيت ابن لؤلؤ الذهبي:

صَبٌّ يكاد يذوبُ من حَرِّ الجوَىلولا انْهمالُ جفونِه بالأدْمُعِ
وإذا تنفَّستِ الصَّبا ذكَر الصِّبَاوليالِياً مرَّتْ بوادي الأجْرَعِ
آهٍ على ذاك الزمانِ وطِيبهِحيث الغَضا سكَنِي ومَن أهْوَى معِي
وليالياً مرَّتْ فيا لِلّهِ ماأحْلَى وأملحَها فهل من مَرْجَعِ
أحمامةَ الوادِي بشرقِيِّ الغَضَاإن كنتِ مُسعِدةَ الكئيبِ فرجِّعي
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة
إنَّا تقاسمْنا الغَضا فغُصونُهفي راحَتيْكِ وجَمْرُه في أضْلُعِي
للشاعر حسن القيم الحلي، اقرأ القصيدة

وله، من قصيدة مطلعها:

أيكتُم ما به الصَّبُّ المَشوقُوقد لاحتْ له وَهْناً بُروقُ
وهل يُخفِي الغرامَ أخو وُلوعٍيُؤرِّق جَفْنَه البرقُ الخَفُوقُ
ويسلُو عن أُهَيل الجِزْعِ صَبٌّجرَى من جَفْنِ عيْنَيه العَقِيقُ
إليكَ إليكَ عنِّي يا عَذُولِيفلستُ من الصَّبابةِ أسْتفيقُ
فلي قلبٌ إلى بَاناتِ حُزْوَىطَروبٌ لا يمَلُّ ولا يُفِيقُ
فإن سَمُومَها عندي نسيمٌرَحِيقٌ في رحيقٍ في رحيقِ
فلو ذُقْتَ الهوى وسلكْتَ فيهلما ضَلَّتْ إليه بكَ الطَّرِيقُ
بعيْشِك هل ترى زمَني بِسَلْعٍيعود وذلك العيشُ الأنِيقُ
ويمْنحُني أُصَيْحابِي بوصْلٍويرجع بعد فُرْقتِه الرَّفيقُ
فها قلْبي أسيرٌ في هواهمْوها دمعِي لبَيْنِهمُ طليقُ

وقد عارضه في هذه الأبيات جماعةٌ من أهل اليمن.

وكتب إلى والده هذه القصيدة، يحثه فيها على الجهاد، لما أحصر الركب اليماني، وصد عن مكة، في سنة ثلاث وثمانين وألف:

لَعَمرُك ليس يُدرَك بالتَّوانِيولا بالعجزِ غاياتُ الأمانِي
فما نيلُ المعالِي قَطُّ إلاَّبِبيضِ الهند والسُّمْرِ اللِّدانِ
وحَزْمٍ دونه الشُّمُّ الرَّواسِيوعَزْمٍ لم يكنْ أبداً يُوانِي
ونفسٍ كلَّما جشَأت أرَتْهقرى نَعْمان ميلاً من عُمانِ
تخُوض إلى المَعالي كلَّ هَوْلٍوليس لها عن العَلْياءِ ثَانِ
لها ثقةٌ بربِّ العرشِ حقّاًبه الأقْصَى تَراه وهْو دانِ
أميرَ المؤمنين وخيرَ مَلْكٍتبوَّأَ في العُلَى أعْلَى مكانِ
وتاجَ بَنِي النبيِّ ومُنْتَقاهموأكرمَ مُعْتلٍ ظهرَ الحصانِ
أترْضَى أن نرى في الدهرِ هُوناًويتْبُو رُكنه في ذَا الأوانِ
ويُمنَع وفدُ بيت اللهِ منهويُضحِي الخوفُ فينا كالأمانِ
ويملكُه العُلوجُ ويمْنعوهويُصْرَف عنه ذا الوفدُ اليمانِي
وأنتَ خليفةُ الرحمنِ فيناوأنتَ حُسامُه في ذا الزمانِ
ونحن بنُو البَتُولِ ونَجْل طهوفينا أُنْزِلتْ آيُ القُرانِ
ونحنُ به لَعَمْرُ اللهِ أوْلَىونحن الشائدون به المَبانِي
فلا تركبْ بنا ظهرَ الهُوَيْناولا تجنَحْ إلى ظلِّ الأمانِ
وحولَك من بني المَنصورِ أُسْدٌعلَوْا في المجدِ هامَ الزِّبْرقانِ
ومن أبْناء حَيْدرةٍ كُماةٌلهم في المَكْرُمات أجلُّ شَانِ
وإنَّ لَديْك من عَدْنانَ حقّاًومن قَحْطان فرسانُ الطِّعانِ
ليوثٌ إن دعوتهمُ أجابوابكلِّ سَميْدَعٍ رَحْبِ الجَنانِ
فشاوِرْهم ولاطِفْهُم وأحْسِنْإليهم بالعطاءِ وباللِّسانِ
ولا تجعلْ كتابَك للأعادِيسوى السيفِ المُهنَّدِ والسِّنانِ
فأرْسِلْ نحوَ من نَاواكَ جيشاًأوائلُه بأرضِ القَيْرُوَانِ
تسيرُ جِيادُه في كلِّ قُطْرٍإلى الأعداءِ مِرْ؛ اب العِنانِ
فتعلُو هامَ مَن نَاواكَ قَسْراًوتُرْغِم بالمَواضِي كلَّ شَانِ
فإنَّ اللهَ ربَّك قد توالتْعوائدُه بعاداتٍ حِسانِ
وعَوَّدَك الجميلَ بكلِّ خيرٍوقد شاهدْتَ ذلك بالعِيانِ

السيد الحسين بن الحسن ابن القاسم من تحائف الزمان وحسناته، وكأنه غرة في جبينه أو خالٌ في وجناته.

ذو كمال في الأدب أحرزه، وإبريز أدبٍ على محك الانتقاء والانتقاد أبرزه.

وله شعر بلغني منه بيتان، هما في ديوان الإجادة مثبتان.

وهما قوله:

في أفْرَقِ الثَّغْرِ كم أُقاسِيمن عاذلٍ بالمَلامِ أفْرَقْ
يلُوم جهلاً على حبيبٍأذوبُ في حبِّه وأفْرَقْ

السيد الحسن بن الحسين بن القاسم هذا الحسن، منشىء القول الحسن، ومبدي الفصاحة واللسن.

قلبه قالب للمعاني قابل، وطل فضله عند الفضلاء وابل.

تروت الأفكار بمنهل أدبه وسكوبه، وانتعشت الخواطر بروح زقه المملى وكوبه.

له أشعار هي في بهجة الألفاظ ورونق المعاني، راحة المعنى وسلوة المعاني.

فمنها ما كتبه إلى القاضي الحسين المهلا، وأصحبه رسالةً من مؤلفاته:

هل في رُبوعٍ بجَرْعاءِ الحمى طَلَلُيحُلُّه مَن له في حَيِّه شُغُلُ
وهل لمَن لم ينَلْ في الدهرِ بُغْيَتهمن آل ليلَى وصالٌ ليس ينْفصلُ
يا جِيرةً طاب بين الناسِ ذكرُهمُلأجْلِكم تعبتْ ما بيننا الرُّسُلُ
فعامِلونا بقَدْرِ الوُدِّ إنَّ لنابشأنِكم هِمَّةً دانتْ لها الأُوَلُ
وما انْتفاعُ أخِي الدنيا بعَزْمتِهإذا تحوَّلتِ الأحوالُ والدُّوَلُ
فإن تقاعَد كان العجزُ غايتَهوإن تقاعَس أضْحى غابةَ الأسَلِ

سيدنا الذي مقدمات قياسه بديهية الإنتاج، وموضوع محموله بحده الأوسط ظاهر الإندراج.

تمثيل استقرائه حجةٌ يقينية، وترتيب دلائله أشكالٌ اقترانية.

شرطياته الاتفاقية لزومية، وافتراض عكسه مسقط لعقم الجزئية.

وكيف لا، وقد أشرقت به مدارس العلم وشرفت، وعمرت أركانها بمشيد أفكاره وما اندرست.

فهو شرف الدين والشرف أجلى حدود الفلك، بل خلاصة اليقين واليقين أقوى أوصاف الملك.

فأنهار علومه لا ينضب ماؤها ولا يفيظ، الحسين بن الناصر بن عبد الحفيظ.

حفظه الله بالمعقبات من أمره، ولحظه بعين العناية في سره وجهره.

أهدي إليه من السلام أتمه، ومن الإكرام والإنعام أوفره وأعمه.

وإنه ورد إلي ما أنتجه طبعه السليم، وفكره المستقيم، من فوائد ذلك الشكل الكريم.

فحملني على وضع هذه الرسالة مجاراةً لسوابق الأفاضل، ومباراةً لسهام المناضل.

فإن جاءت مقبولةً فذلك ما كنت أبغي، وإن عادت مردودةً فمما أطرح وألغي.

السيد إسماعيل بن محمد بن الحسن بن القاسم غصن من تلك الجنة، وخال في تلك الوجنة.

إن عدت الأفاضل كان أولى من عقدت عليه الخناصر، وإن ذكرت الأماجد كان أحرى بأن تبتهج بفطرته العناصر.

وهو أديب غاية في طول الباع، لو صور نفسه لم يزدها على ما فيه من كرم الطباع.

وله شعر إذا تلاه المشغوف تفقد قلبه هل طار عن جسده، وإذا سمعه الحسود تمنى لو كان كل حسدٍ منضماً إلى حسده.

صفي القول فيه وروقه، ودعا به القلب إلى الغرام وشوقه.

فلو خوطبت به الصم لم تحتج أذنها إلى إذنٍ في استماعه، أو استنزل به العصم سارعت إلى التأنس بغرائب إلماعه.

وها أنا أتلو عليك منه ما يغازل العيون النعس، وتشتهي لو مازجت سلافة لطفه الشفاه اللعس.

فمنه قوله، من قصيدة:

أتَرَى السَّلْبَ للقلوب الشجِيَّهْلسَواجِي لحاظِها كالسَّجِيَّهْ
أم رمَى غيرَ عامدٍ أسْهُمَ الهُدْبِ ولم يَدْرِ أن قلبي الرَّمِيَّهْ
فعلت بِيَ اللِّحاظُ شرَّفها اللَّهُ تعالَى ما تفعلُ المَشْرَفِيَّهْ
عرَّفتْني أسْحارَ بابلَ هاروتَ فكانتْ عندي هي البابليَّهْ
نصبتْ لي أشْرَاكَ هُدْبٍ فهلاَّشافعِي واحدٌ من الزَّيْدِيَّهْ
أنا شِيعيُّها وبالنَّصْبِ جَرَّتْنِي إلى أن وقعْتُ في المَالكيِّهْ
مَلكتنْي عيْناً وقلباً وحتىملَكَتْني قولاً وفعلاً ونِيَّهْ
ما نوَيْتُ الطُّموح للغيرِ إلاَّحجَبتنْي الحواجبُ النُّونيَّهْ
وبنار الأخْدُودِ ذاب فُؤادِيمن خُدودٍ نَدِيَّةٍ عَنْدَمِيَّهْ
أيُّ نارٍ لها اتِّقادٌ لماءٍغيرُ نارٍ على الخدُودِ النَّدِيَّهْ
يا لها فتْنة لها قدَّر اللَّهُ فعادتْ عُشَّاقُها قَدَرِيَّهْ
لا يرَوْن السُّلْوانَ ممَّا يُطيقونَ ولا يدْفعون هذِي البليَّهْ
حقَّق الجَبْرُ باعْتزالِهم اللَّوْمَ فراحُوا لفِعْلهم رافِضيَّهْ
فهمُ يَفْرَقُون من كلِّ شيءٍأبداً في صَباحِهم والعشيَّهْ
مثْلَما يفْرَق الشجاعُ إذا لاقَى إمامَ العصابةِ الحسَنيَّهْ
الإمامُ القَوَّامُ للهِ بالحقِّبإجْماعِ العِتْرةِ النبويَّهْ
الأغَرُّ الأبرُّ عِزّ الهدى الهادِي البرايَا إلى الصِّراط السَّويَّهْ
المُفِيدُ المُبيد شملَ الأعادِيبالمواضِي وبالقَنا السَّمْهَرِيَّهْ
خيرُ مَن هزَّ صارماً يوم رَوْعٍوعَلاَ صهوةَ الجِيادِ العَلِيَّهْ
والذي قاد شارداتِ المَعالِيبالعَوالِي والهمَّةِ العلَويَّهْ
والذَّكيّ الذي يُحلُّ من الإشْكالِ ما يُفْحِم الفحولَ الذَّكيَّهْ
والجوادُ الذي يسُوق إلى العافِين سُحْباً من اللُّهَى عَسْجَدِيَّهْ
والمَلِيك الذي يُدبِّر أعْمالَ نِظامِ الشريعةِ الأحمديَّهْ
لم يزلْ في الأمورِ يَمْضِي برَأْيٍهو أضْوَا من الشموسِ المُضِيَّهْ
أحلمُ الناسِ أعلمُ الناسِ أذْكاهمْ مَقاماً ومَحْتِداً وطَوِيَّهْ
أيها الأوحدُ الذي ما رأيْنالعُلاه مُماثِلاً في البريَّهْ
والذي مَن أطاع ذا العرشِ جازاهُ فدانَتْ له الرِّقابُ العَصِيَّهْ
والذي طاب نَشْرُ ذِكْراه حتىطاب منه أقْصَى الجهاتِ القَصِيَّهْ
هاكَها بنتَ ليلةٍ حَبَّرتْهامع شُغْلٍ سَلِيقةٌ هاشميَّهْ
دُرُّها تخْجَل اليواقيتُ منهودَرارِي الكواكبِ العَلويَّهْ
فاقْبَلِ النَّزْرَ من خطابِيَ واعْذُرْعن خطابٍ جَليَّةً وخَفِيَّهْ
إنما يحسُن النِّظامُ ويزْكُوحين تزْكُو العوارضُ النفسيَّهْ
غيرُ خافٍ على أبي الفضلِ أنّ الضَّيْمَ تأْبَى منه النفوسُ الأبيَّهْ
وابْقَ ما مالتِ الغصونُ على الرَّوْضِ وغنَّت بأيْكِها قُمْرِيَّهْ

وله القصيدة التي رثى بها والده، وأخاه يحيى، ومطلعها:

هل أقال الموتُ ذا حَذرَهْساعةً عند انْتهاءِ عُمُرِهْ
أو تَراخَى عن كَحِيلٍ رنَافاق كلَّ الغِيدِ في حَوَرِهْ
أو رثى يوماً لمُرضِعةٍطِفْلَها ما دَبَّ في حُجَرِهْ
أو تراهُ هائباً ملِكاًصائلاً قد عزَّ في نَفَرِهْ
أو تناسَى من له نظَرٌتصدرُ الأشياءُ عن نظرِهْ
أو تحامَى رُوحَ سيدنامصطفَى الرحمنِ في بَشَرِهْ
وأبى السِّبْطيْن حَيْدرةٍوكبارِ الآلِ من عِتَرِهْ
بل دَهَى مَن كان منتظِراًقُرْبَه أو غيرَ منتظِرِهْ
وسقاه كأسَ سَطْوتِهمُدْهَقاً من كَفِّ مُقْتدرِهْ
ما ترَى عزَّ الأنامِ ثوَىحفرةً إذْ آبَ من سفرِهْ
لم يقُمْ في قصرِه زمناًغيرَ وقتٍ زاد في قِصَرِهْ
بعد ما قد كان عزَّتُهتُرشِد السَّاري إلى وَطَرِهْ
وندَى كَفَّيْه مُنْهمِراًمُذْهِلاً للرَّوض عن مَطَرِهْ
كان طَوْداً لا يُحرِّكُهأيُّ خَطْب جَدَّ في خَطَرِهْ
كان بحراً طال ما الْتقط الطَّالبُ المُحْتاجُ من دُرَرِهْ
شاد رُكْنَ الدِّين ملتمساًلرِضَى الرحمنِ عن صِغَرِهْ
وحوَى الدنيا ودَيْدَنُهطَلَبُ الأُخرى إلى كِبَرِهْ
فسقَى الرحمنُ تُربتَهصَيِّباً ينْهَلُّ في سَحَرِهْ
وعمادَ الدِّين أزْعَجهبعدَه يغْدُو على أثَرِهْ
لم ينَلْ في العمرِ بُغيتَهلا ولا أفْضَى إلى وَطَرِهْ
لم يذُقْ في دهرِه أبداًصَفْوَ عيْشٍ صِينَ عن كَدَرِهْ
ما أراه الدهرُ مَطْلبَهليْتَه أخْلاه من غِيَرِهْ
رحم الرحمنُ مَصرعَهووَقاه الحَرَّ من سَقَرِهْ
كيف أنْسَى شمسَ مَفْخرِناأو أرى السُّلْوانَ عن قَمَرِهْ
فهُما قد أضْرمَا لَهَباًفي فؤادِي طار من شَرَرِهْ
وأسالا مَدْمَعاً بَخِلتْأعْيُني دهراً بمُنهَمِرِهْ
غيرَ أن الصبرَ شِيمةُ مَنصَوَّب الرحمنُ في قدرِهْ
لينالَ الأجرَ منه إذاذاق طعمَ الصَّابِ من صَبِرِهْ
نسألُ الرحمَن خاتمةًبرضَى الرحمنِ في صَدَرِهْ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس في لطائف لطفاء اليمن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.