من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
محمد الفاسِيّ المعروف ببَدِيع الزمان
بقيَّةُ حَمَلةِ الأقلام، الذين فَتَنوا بسِحر الكلام.
له طبعٌ من الضَّجَر مُبَرَّا، وله شِعْر كأنه الروضُ المُطَرَّى.
فلفظُه يُطْرِب، ومعناه يُعْرِب فيُغْرِب، وبلاغتُه تدلُّ على أنه آيةٌ لأن شمسَ كمالِها طَلعتْ من المغرب.
فهو مُقدَّم في أدباء فاس، تقدُّمَ النَّصِّ على القياس.
تردَّد على النُّبهاء تردُّدَ الكاسِ في الروض العاطِر، ودخل الروم فجرَى من أهْواهم مَجْرَى الماءِ في الغُصن المُتروِّي بالغمام الماطر.
فصار شعرُه سَمَرَ النادي، وتَعِلَّةَ الحادِي، ومثَل الحاضرِ والبادي.
ولما رجع اسْتأثر اللهُ به، ودعاه لما عنده من كرامته وتقرُّبِه.
فعلى ما تضمَّنه من تُراب فاس، سلامُ الله تعالى بعددِ الأنفاس.
وقد أثْبتُّ له ما يسْتعير فضلَ إشراقِه الصَّباح، وترْتاح للُطْفِ صَنْعته الأرواح في الأشباح.
فمن ذلك ما كتبه إلى أبي المَعالي درويش محمد الطَّالُوِيّ، وقد اجتمعا في الروم:
لدمعي بعدَ بَيْنهِمُ انْهِمالُفكم عن حِفْظِ عهدِ الصَّبِّ مالُوا
وحَلُّوا القلبَ داراً واسْتحلُّوادَمِي عمداً وعن وُدِّي اسْتحالُوا
وقال القلبُ مَعْ صبري وعَقْليوأفراحِي لنا عنك ارْتحالُ
وحانَ الحْينُ حِين الْبانُ بانَتْمَطاياهم وأعْلاها الرِّحالُ
وأبْقتْ لي النَّوَى جسْماً كأنيلفَرْطِ السُّقْمِ حالٌ أو مُحالُ
أُفَدِّيهم بأمْوالي ونفسيوهل لي في الهوى نَفْسٌ ومالُ
أأسْلوهم مدَى الدنيا سَلُوهمولو أصْلَوا فؤادي ثم صَالُوا
شعاري حُبُّهم والمدحُ دِينِيلمولَى الفضلِ درويش بن طَالُوا
هو النِّحْريرُ بحرُ العِلم مهماأهَمَّ الأمرُ أو أعْيَى السؤالُ
ذكيٌّ ألْمَعِيٌّ لَوْذَعِيٌّسَرِيٌّ ماله حقَّاً مِثالُ
له علمٌ حَنِيفِيٌّ محيطٌوحِلْمٌ أحْنَفِيٌّ واحْتمالُ
وفكرٌ عند ذي التَّحقيقِ ذِكْرٌبُشكْرِ اللهِ مُغْرَى لا يزالُ
حوَى كلَّ المَعانِي والمَعالِيبعَقْل ما له عنه انْعِقالُ
له نظمٌ كدُرٍّ في نحوُر الغَوانِي دونه السِّحْر الْحلالُ
فريدٌ في المَعالي دون نِدٍّفدَعْ ما قيل أو ما قد يُقالُ
فيَمِّمْ دارَه وانْزِلْ حِماهُإذا جار الأعادِي واسْتطالُوا
وقُلْ للمَدَّعِي هل حُزْتَ أصْلاًله بالطَّالُوِييِّن اتِّصالُ
لَقيناه بإسْلامبولَ لمَّاعَدِمْنا فيه حُرَّاً يُسْتمالُ
فوَالانا وأوْلانا بَشاشاًوبِشْراً دونه العَذْبُ الزُّلالُ
وأنْسانَا بإيناسٍ أُناساًلهم في القلبِ حلٌّ وارْتحالُ
ألا يا ابْنَ الأُلى قد حُزْتَ فخراًله في جَنّةِ الدهرِ انْتقالُ
وسُدْتَ اليومَ أهلَ الأرضِ فاهْنابعِزٍّ مالَه عنك انْتقالُ
فخُذْها مثلَ خُلْقٍ منك سَهْلٍعلى الأعداءِ صَعْبٌ لا يُنالُ
كساها مَدْحُك المحمودُ حُسْناًلها فيه ازدِهاء واخْتيالُ
فتُبْدِي تارةً دَلاًّ لديكمويعْرُوها على الدنيا دَلالُ
تُرَجِّي أن تُنِيلُوها قبولاًعسى يبدُو لها منك احْتفالُ
فإن أحْسنتُ كان الأمرُ بِدْعاًوإلا منكمُ يُرْجَى الكمالُ
ثم أعْقبَ هذا النظم بنثر، وهو: رضي الله عنك وأرْضاك، وأخْصَب في مَرَابِع المَحامد مَرْعاك.
سلام عليكم ورحمةُ الله سلاماً يتَّخِذه البدرُ بَرْقَ مُحَيَّاه، وقام لإجْلاله سَنا شمسِ الضُّحَى وحَيَّاه.
وافْتك حاسرة حَسِيرة، ونَزِهة يسيرة.
يُشرِّفها ذكرُك، ويكرمُها شكرُك.
والعذرُ واضح، وتفسير الواضِح فاضِح.
فإن لي خاطراً متى تفكَّر تفطَّر، وإن راجَع وتدبرَّ القَدَرَ تصبَّر.
والحُرُّ خِلٌّ عاذر، واللئيمُ خِبٌّ غادر.
وِمثلُك يغُضُّ ولا يُغْضي، وحِلْمُك لا شكَّ إلى الرِّضا يُفْضِى.
وكتبه المُحِبُّ الأكبر، والفقير الأصغر.
النائِي عن الأخوان، محمد المدُ وُّببدِيع بل بشَنِيع الزمان.
وحكى الطَّالُوِيّ، أنه حَنَّ يوماً إلى وطنِه، حَنِين النَّجِيب إلى عَطَنِه، والمهجور إلى سَكَنِه.
وقد ذكر مَسْقِط رأسِه، ومُشتَعل نِبْراسِه.
وهي البلدةُ البيضاء أعني فاس، فتصاعدتْ منه لفُرقتِها الأنْفاس.
حتى ذرَفتْ عيناه بالدموع، شوقاً إلى تلك المَنازل والرُّبُوع.
فلما رأى الحاضرون حالَه، رَقَّ كلٌّ له ورَثَى له.
فقلتُ عن لسان حالِه، وقد توجَّه إلى منزله ببَلْبَالِه، قطعةً سبقتْه إلى النادِي، وكانتْ عنده كبعضِ الأيادي.
مع لُغْزٍ في اسم بلدة مَرّاكُش وكان قد جَرى شيءٌ من ذِكْرها، فنظمتُ ذلك أيضاً في إثْرِها:
ربَعتْ على تلك الرُّبوعِ هَتُونُوَطْفاءُ فيها للبُروقِ حَنِينُ
مَسفوحةُ العَبَرات سَفْحَ مَدامعِينحو الديارِ كأنَّهُنَّ عُيونُ
فسقَى مَعالِمَ فاسَ حيثُ صَبابتِيوصِبايَ فيها صاحبٌ وخَدِينُ
فارقْتُها وأنا الضَّنِينُ وربمايسْخُو الفتى بالرُّوح وهْو ضَنِينُ
فعلَى مَعالِمها تحيَّةُ مُغْرَمٍفي قلبه لِهَوَى الديارِ شُجونُ
وأما اللغز فهو:
وما اسْمٌ خُماسِيٌّ مُسمَّاه بلدةٌتركَّب من شَكَّينِ وهْو يقينُ
فشَكٌّ تَراه العَيْن يبدُو بلا مِراوشكٌّ بقلبٍ لا تراه عيونُ
فكتب بسُرعة لمَّا وصلتْ إليه الرُّقْعة: ومازال العبدُ من حين مُفارقتكم لا يقَرُّ له قَرار، إلى أن ورد شَذَا نَظْمِكم المِعْطار.
فقال طالباً للقبول، على استعجال من الرَّسول:
مولايَ لازلتَ فَرْداً في المَكارمِ ياأبا المَعالي ودُمْ في أرفعِ الدَّرجِ
ألْبَسْتَ فاساً وأهْلِيها ثيابَ عُلاًقد نَمَّقَتْها يَدَا تقريظك البَهِجِ
لمَّا جرى ذكرُها في رَحْبِ خاطرِكمأنْشدتُها قولَ صَبٍّ بالهوى لَهِجِ
لِتَهْن يا فاس واخْلَعْ ما عليك فقدذُكِرْتَ ثَمَّ على ما فيك من عِوَجِ
وأمَّا لُغْزُكم السَّهل المُمتنِع، فهو في بلدةٍ لقلبِ الصَّبِّ الحبيبُ المُمْتَنِع.
وعاجلَنَي الرسول، على نظمِ بعض الفُضول.
ولكن في غَدٍ إن شاء الله يقَعُ الإتْمام، عالِماً ومُقِرّاً أنَّ لي بساحةِ اقْتداركم إلْمام.
فكتب إليه ثانياً:
ما ذاتُ عُودٍ لها لَحْنٌ من الهَزَجِباتت تغنَّي به في رَوْضِها البَهِجِ
لها بدَعوةِ نوحٍ طَوقُ غانيةٍعلى وِشاحٍ من الأزْهار مُنْتَسجِ
مَخْضوبَةُ الكفِّ لا من عَنْدَمٍ خضَبَتْذاك البَنان ولكنْ من دَمِ الْمهَجِ
مَدَّتْ قوادِمَ ليلٍ فيه لاح لنابِيضُ الْخَوافِي كصُبْحٍ منه مُنْبَلِجِ
يوماً بأحْسنَ مِن مَرْأَى نِظامِ فتىًبذكْرِ فاسَ ومَغْنَى رَبْعِها لَهِجِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع