تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

علي بن الأَوْجَلِيِّ

هُو من قَلْب سَلْطنةِ أوْجَلةَ الصَّمِيم، وراعِي عَرارِها الفائِح نَشْرُه والشَّمِيم.

صاحبُ القول المُعْجِب المُغْرِب، الذي لم يَضُمَّ مثلَه المشرقُ والمغرب.

كان نازعَهُ المُلْكَ ابنَ عَمٍّ له تغلَّب عليه، وكاد بقُّوَّةِ مالِهِ وأخْيالِه يسُوق الحَتْفَ إليه.

فخرَج من دارِ مُلْكِه تَتراماه البلادُ تَرامِيَ الكُرةِ بالصَّوْلجان، وتزهُو به زَهُوَ الأيَّامِ بالنَّوْرُوزِ والمِهْرَجان.

يُفاوِحُ زهرَ الرُّبَى مَسْراه، ويُنافِح نسيمَ الصَّبا في مَجراه.

فإذا حَلَّ بنَادٍ اسْتقبلتْه الهَشاشة، وفُرِش له بين الذِّمَاء والحُشاشة.

فمن أوْجلةَ الغَرْب إلى مصرَ إلى دِمَشْق إلى حلَب، وبها حَطَّ رَحْلَه على وَفْقِ ما اقْتَرح وطلَب.

قال العُرْضِيُّ: فكتب إليه من كلمة طائيَّة:

بُرُوقٌ أطالتْ من سَلاسِلها السَّقْطَافها مِجْمَرُ النُّوَّارِ قد ضَوَّع القُسْطَا
وفرَّخ في كَانُونِ قلبي سَمَنْدَلُ اشْتياقِي لجيرانٍ أناخُوا بذي الأرْطا

سقى الْبارِقُ النَّجْدِيُّ لا بارقُ الحِمَىوحَيَّي الْحَيَا من أَدْمُعِي الدُّرَّةَ الْوُسْطَى

مَرابِعُ للغِزْلانِ كانتْ فأصبحتْمَراتِعَها تَرْعَى بها الأثْلَ والخَمْطَا
يذُودُون عن رِئْمٍ هناك مُشَرَّدٍومِن عادة الآرام تعْطُو ولا تُعْطَى
ولم أنْسَ إذْ عاطَيْتهُ أكْؤُسَ الهوىوبات يُعاطِيني رُضاباً بلِ اسْفَنْطَا
وقام بلالُ الخالِ في صُبحِ جِيدهِيُراعِي ثُرَيَّا قَرَّطُوه بها قُرْطَا
بجِيدٍ مَسَحْتُ الدَّمْعَ فهو ابنُ مُقْلَةٍتَناوَل طُوماراً وأعْجَمَه نَقْطَا
لقد طَرَّزَ الرَّيْحانُ صَفْحَة خَدِّهطِرازاً على يَاقُوتِ وَجْنتِه اخْتَطَّا
ثلاثٌ غدَتْ أمْضى شَباً من شَبا الْقَضَاوأجْرَى من الأقْدارِ في الحُكْمِ بل أسْطَى
لَواحِظُ مَن أهْوَى وسيفُ ابنِ طالبٍوأقْلامُ مولانا عليَّ إذا خَطَّا
قد انْعَقدتْ للكاتِبين أناملٌعلى أن باديه بباديه ذي الأَنْطَا
ومَن رام في دُنْياه شَقَّ عَصاهُمُفذاك الذي رام القَتادةَ والخَرْطا
رَبيبُ سَرِيرِ المُلْكِ دُرَّةُ تَاجِهِومُوسَى زمانٍ ناصرٌ يُضْعِف القِبْطَا
سقَى مِن يَراع العِلْم كلَّ قريحةٍكما أن موسى مِن عصاه سَقَى السِّبْطَا
لقد أطْلَعْتُه الغربُ شمسَ مَعارفٍبأعْتابِه رَحْل الأفاضِل قد حَطَّا
أمولايَ فكرِي مثلُ جسمِيَ صائمٌعن الشِّعْرِ مذ رَبْعُ الحبيبِ به شَطَّا
ولكنه لمَّا اسْتَهَلَّ هِلالُكموكان له عِيدا سَلا الرَّبْعَ والشَّحْطَا
وهاتيك أقلامي بدَتْ بمَدِيحكموقد يظْهر التَّنْويرُ في الشَّمْعِ إن قُطَّا
ورِفْعةُ ذِكْراكم بِشعْرِي توثَّبتْفَعَفْواً لقد يُكْسَى شبابُ الفتى وَخْطاَ

فأجاب، وتأخَّر الجواب إلى العيد، فضمَّنه تهنئةً به، فقال:

غَدا لفُراتَ الرِّيق عارِضُه شَطَّافباهَى مَقامات الْحرِيري وإسْفَنطَا
وأنْبتَ في نار الخُدُودِ شَقائقاًوكيف ترى في النارِ نبْتاً ولو خَمْطَا
وراعَى بِلَحْظِ الخدِّ بَاناً وقال لاتقولُوا مُراعاةُ النظيرِ من الإِبْطَا
وسَالِفُه مَعْ ظَلْمِه بجهالةٍيقول صِفُونِي بالشُّعورِ وما أخْطَا
غزالٌ ولكن كيف ينْشَط طَرْفُهلقتْلِيَ وهُو الفاترُ الكاسِلُ الأَبْطَا
على خَدِّه خالٌ به عُرِفَ الهوىومن نُقْطِ شكلِ الحرفِ قد تعْرِفُ الخَطَا
وفي ثَغْرِه الأحْلَى وفي صَلْدِه أرَىمُداماً مُصَفىًّ كالزُّلالةِ والحَوْطَا

الحوط: لَوح من الذَّهب مكتوبٌ تضَعُه المرأة على صدرها.

بروُحي فتىً أفْنَى بقتلِيَ رَهْطَهُومَعْ قَوْلهم بالقتلِ أكْرمهم رَهْطَا
قَضَوا بِتلافِي في شريعةِ قَدِّهِوكيف وفي الشَّهباءِ أقْضَى الورَى الأحْطَا
هو السِّيدُ العُرْضِيُّ أعني محمداًإمام الهدى بل والنَّدَى العالِمُ الأَعْطَا
أخو العلم بالمعقول أمّا ذكاؤُهفباهَى به اليُونانَ والرُّومَ والقِبْطَا
وذو الحِفْظِ للمنقولِ أمّا نُصوصُهففاق بها مَن حَصَّل الفِقْه والحلْطَا

الحلط: كتاب في مذهب الإمام مالك، رحمه الله تعالى.

به الجهلُ وَلَّى والعلومُ بِحَلْقِهكأمْواجِ بحرٍ قد تكنَّفتِ الشَّطَّا
بحيث تَرَى جَوْزَ العلوم ونَسْرَهاتلاها كخَود إثْرَها جَرَّتِ المِرْطَا

وكان كثيراً ما يَلْهَج بذكرِ أوْجَلَةَ مُنْتَجَعِ شبابِه، ومُرْتَبَعِ أحْبابِه.

فأنشدني هذين البيتَيْن، فأعجبتْني رِقَّتُهما، ولم أدْرِ هل هما له أم لا فخمَّسْتُهما وهما والتَّخْميس:

بشَمْعَةِ كافورٍ من الجيدِ قد أضَتْلَيالٍ برَيعانِ الشَّبابِ قد انقضَتْ
فلو قلت ما يُبْكِيك قلتُ كما قَضَتْلَيالٍ وأيّامٌ تقضَّتْ أو انْقضَتْ

فسالتْ لنا من ذِكرِهنّ دموعُ

رعَى الُله عَيْشاً قد قطَعْناه غِرَّةًبدارٍ يُناغي طَيْرها القلب سُحْرَةً
أدِرْ خمرةً وأنْشِدْ لتُطْفِيءَ جَمرةألا هل لنا عَوْدٌ من الدهر مَرَّةً

وهل إلى وَصْلِ البلادِ رُجوعُ

ومن خَرائِد مِدَحِه، وفرائدِ سُبَحِه، ما امتدح به حضرةَ الأخ العزيز، يعني أبا الْوَفَا

تراءتْ لعينِي وهْي بالشَّعْرِ تُحْجَبُفخِلْتُ شُعاعَ الشمسِ يعلوه كوكبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
مَهاةٌ رعَتْ حَبَّ القلوبِ فما لهاتَرُوعُ نِفاراً وهْي للإنْسِ تُنْسَبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
وكلَّمتِ الأحْشَا بمُوسَى لِحاظِهافأصبحتُ منها خائفاً أترقَّبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
وعذَّب قلبي دَلُّها بنعِيمِهاولم أدْرِ أنِّي بالنعيم أُعَذَّبُ
وأبدلْتُ دمعَ العينِ في الخدِّ جوهراًألم تَرَهُ بالهُدْبِ قد صار يُثْقَبُ
وبي ساحرُ الأجفانِ أمَّا قَوامُهفلَدْنٌ وأما ثَغرُه فهو كوكبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
أعَدْ نَظَراً في خدِّه وعِذارِهترى عَسْجداً باللازَوْرَدِ يُكَتَّبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
فَوَجْنتُه والثغْرُ نارٌ وكوكبٌوطَلْعَتُه والشَّعْر صبحٌ ومغربُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
كأن بها النِّسْرِينَ أقداحُ فِضةٍبِتبْرِ المُحَيَّا للمُحَيَّا تُذَهِّبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
كأن بها الرِّيحانَ نقش أناملٍتُطرَّفُ بالِمسْكِ الذّكِي وتخضَبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
كأن بها سَيْبَ الِمياه مَسائلٌيُقرِّرُها العُرْضِيُّ والناسُ تكتُبُ
إمامٌ وأعْنِيه المُسمّى أبا الوفاعلى أنه في العلمِ بحرٌ يُشَعَّبُ
فَقِيٌه أُصُولِي مَنْطِقي مُتكلِّمٌبَيانِي عَرُوضِيُّ وصُوفِيٌّ مُعْرِبُ
له الْبَاعُ في التفسيرِ ضاهَى ابنَ عاَدِلٍوحيث روَى الأخبارَ تدْعوه يَحْصُبُ
إذا انْسابَ في تَقْريرِ نَصٍ تَرادَفتْله فِكَرٌ كالوحْي أو هِيَ أقْربُ
أقام صلاةَ العلمِ في مسجدِ الذَّكاومِنْبَرُه الإدْراكُ والفهمُ يَخْطُبُ
فصَانَ عن الجَهْليْن كُلَّ ثَنَّيةٍوكيف يفوُهُ الجهلَ والعلمَ يطْلبُ
وما كلُّ مَن ألقَى النُّصُوصَ مُحقِّقٌولا مَن نَضَا سيفَ الدّرايةِ يضْرِبُ
جليلٌ له وَجْهٌ تهلَّل بالْحَياكما انْهَلَّ من كَفَّيْه بالجُودِ صَيِّبُ
وغَيْثٌ له في كلِّ أُفْقٍِ مَواهِبٌتكادُ بها الأرضُ الجَدِيبةُ تُخْصِبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
أيا عالمَ الشَّهْبَاءِ يا كاملَ الورَىكما أنْت من كلِّ الكمالِ مُركَّبُ
لك الُله يا مولايَ من عالمٍ غَدَايَلينُ ويَسْطو فهْو يُرْجَى ويُرْهَبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
توفَّرْتَ جُوداً واسْتفضْتَ مَكارماًفأيْقَنْتُ أن الشُّهْبَ بالغَيْثِ تُسْكَبُ
وحرَّكْتَ من اسمِ المكارمِ ساكناًلأنك بالأفْعالِ للفضلِ تَنْصِبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
سَجِيَّةُ آباءٍ كرامٍ وَرِثتْهَاوفِقْهٌ به للشافعيَّةِ مَذْهَبُ
ونَحْوٌ به للفارِسِيِّ تَرَجُّلٌونُطْقٌ به للمَنطقيٍّ تأدُّبُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
فدُمْ كاملَ العَلْيا فسَعْدُك مُشْرِقٌوعَزْمُك منصورٌ وجَدُّك أغْلَبُ
وشَانيكَ مَفْقُودٌ وأنت مُؤيَّدٌوبابُك مقصودٌ وأنت مُحَبَّبُ

ومما امْتدح به واسِطَة قِلادةِ العِلْم الشريف، المرحوم الشِّهابِيّ أحمد بن النّقِيب، طاب ثَراه:

قُمْ زَوِّجِ ابنَ غَمامٍ بنتَ زَرْجُونِواجْعَلْ شُهودَك من وَرْدٍ ونِسْرِينِ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
فخاطِبُ الطيرِ نادَى في مَنابرهِحَيَّ على الرَّاحِ ما بين الرَّياحينِ
والرِّيحُ جرَّتْ على الأغصانِ إذ نصبتْذَيْلاً فأعْرَب عن مَدٍّ وعن لِين
والرَّوضُ زَفَّ عروسَ الزَّهْرِ في حُلَلٍقد أُبْرِزتْ بين تَدْبيجٍ وتلْوينِ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
والطَّلُّ يكتُب في طِرْسِ الرِّياضِ فهلأبْصَرْتََ خَطَّاً بلا حَدْس وتخْمينِ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
فاستجلِ بِكْرَ مُدامٍ زانَها حَبَبٌكَلُؤْلُؤٍ من نَفِيسِ الدُّرِّ مكْنُونِ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
معْ غادةٍ لو بَدَا كافورُ مَبْسَمِهاللشمسِ لاحْتجبتْ في عَنْبرِ الْجُونِ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
قد رَفَّ ماءُ الْحَيا في نارِ وَجْنتِهاكالوَرْدِ رُشَّ عليه ماءُ نِسْرينِ
تظلَّمتْ مُقلتاها وهْي ظالمةٌفطَرْفُها فاتِنٌ في شكلِ مَفْتونِ
بِي غادةٌ قَدُّها كالزَّهْرِ في تَرَفٍوالبدرِ في شَرَفٍ والغُصْنِ في لينِ
سَنَّتْ لِحاظاً رأتْ قتلى فَرِيضتَهافمِتُّ منها بمفْروضٍ ومَسْنونِ
أرجو لِقاها وأخْشى صَدَّها أبداًفلم أزَلْ بين مسرورٍ ومَحزُونِ
يا نَسمْةً علَّلَتْ قلبي بصحَّتِهاإذ حدّثتْ عن صَبَا جِيرانِ جَيْرونِ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
ما للذي سلَبتْ عقلي محاسنُهأضْحَى يُحذَّرني من حيث يُغْرِينِي
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
وما لِبدرِ سَناءٍ فاق واضِحُهُأضَلَّنِي بالذي قد كان يَهْدينِي
هَبْ أنكم قد نَصحتُم كيف أقْبلهُوالبُعْدُ يَقْتلني والقربُ يُحْيينِي
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة

منها في المديح:

شهابُ أُفقِ سماءِ السُّحبِ تحسَبُهشُهْباً تُكَفُّ به أيدِي الشياطينِ

ومما امتدح به المنلا المدعو: بحاج حسين البَغدادِي، ّوهو رجل ذو ذَوق:

نَبَّهَ الوَسْنانَ تَغْريدُ الحمامْفي ذُرَى الدَّوْحِ وقد فاح الخُزامْ
ويَدُ الصبحِ من الأُفقِِ بَدتْبِمياهِ الضوءِ في شكلِ الظَّلامْ
وروَى في الأَيْكِ أخبارَ الهوىبُلْبُلٌ عن عَنْدَليبٍ عن إمامْ

فيه أن العندليب هو البلبل، ولا معنى لرواية الشخص عن نفسه، إلا أن يُحمل على أشخاصِ نوعٍ واحد، روى بعضُها عن بعض، كما هو واقع في أشخاص النوع الإنسانِيّ.

ولَوى الظلُّ على خَدِّ الضُّحَىسالِفاً حامَ على الأصْداغِ سَامْ
وانْتضَى في الجوِّ سيفَ البَرقِ منغِمْدِه المَرْقوم من وَدَقِ الغَمامْ
فتَسايَرْ مَعْ نجومِ الصبحِ فيفَلَكِ اللهوِ وخُذْ واعْطِ المُدامْ
لَهَفَتْ فهي هواءٌ وصفَتْفهي ماءٌ أشعِلتْ فهْي ضِرَامْ
قابَلَ الساقي بها وَجْنَتَهُليُرِينَا أنها منها تُقامْ

يَقْرُب منه قولُ يزيد:

دَعَوتُ بماءٍ في إناءٍ فجاءَنِيغلامٌ بها صِرْفاً فأوْسَعْتُه زَجْرَا
للشاعر الملك الأمجد، من قصيدة «دعوت بماء في اناء فجاءني»
فقال: هي الماءُ الْقَراحُ وإنماتجلّى له خَدِّي فأوْهَمك الخَمْرَا

وأحْسَنُ مِنه قولُ ديكُ الجِنِّ:

مُشَعْشَعٌَ مِن كَفِّ ظَبْيٍ كأنَّماتَناوَلها مِن خَدِّه فأدارَها
عجباً فيها قرأنا عبساًفي احتساها وهي منّا في ابْتسامْ

من قول الناشِيء:

تأتيكَ ضاحكةً وأنتَ عبوسُ

وما أحسن ما ختم القصيدة بقوله في الدعاء للممدوح:

وابقَ ما الرّوضُ تلت أزهارُهسُورةَ الفَتْحِ على سَمْعِ الكِمامْ

قوله: " ولوى الظل " البيت من قول ابن النّبِيه:

تبسَّم ثَغْرُ الرَّوضِ عن شَنَبِ القَطْرِودَبَّ عِذارُ الظِّلِّ في وَجْنةِ النَّهْرِ

ومما امتدح به بعض البغداديين الأعيان:

أَلسُهْدِ عيني في الهوى إغْفاءُأم هل لنارِ جَوانحِي إطْفاءُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
يا مُتلفي بِسهامِ مُقْلتِه التيفيها الدَّواءُ ومِن دَواها الدَّاءُ
أنْتَ الطَّبِيبُ وأنت دائي فاشْفِ ماعمِلتْ بقلبي المُقْلةُ الوَطْفاءُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
أمُعنِّفِي في حُبِّ بدرٍ مُشْرِقٍقسَماً لأنتَ العاذِلُ العَوَّاءُ
ومِن الجهالةِ أن تُعنِّف من يَرىأنَّ المَلامَ على الهوى إغْرَاء
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
بي مَن إذا ما لاح فالبدرُ انْجَلَىوإذا مَشَى فالصَّعْدَةُ السَّمْراء
إن ضَلَّ قلبُ الصَّبِّ فيه بشَعْرِهفلقد هَوَتْهُ الطَّلْعةُ الغَرَّاءُ
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
يسْعَى بِراحٍ في زُجاجتِه التيجَمَدَ النُّضارُ بها وقامَ الْماءُ

أصلُ المِصْراع الأخير للمُتنبِّي، إِّلا أنه غيَّر بعضَ كلماتِهِ، وتصرَّف فيه تصرُّفاً حسناً على سبيل التَّضْمين، وسلَخه عن مَعْناه الأصْلِيّ.

وبيتُ المتنبِّي هو قوله:

وكذا الكريمُ إذا أقام ببَلْدَةٍسال النُّضارُ بها وقام الماءُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»
رَاحٌ يطوف بها الحسانُ لذاك قدصَلَّتْ لِقِبْلةِ دَنِّها النُّدَماءُ
رَقَّتْ ورَقَّ الكأسُ فامْتزجَا فلمْتُعْلَمْ وحَقِّك أيُّها الصَّهْباءُ

أصلُه قولُ الصَّاحب ابن عَبَّاد:

رَقَّ الزُّجاجُ ورَقَّتِ الخَمْرُوتشابَها فتشاكَلَ الأمْرُ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رق الزجاج ورقت الخمر»
فكأنَّما خمرٌ ولا قَدَحٌوكأنما قَدَحٌ ولا خمرُ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رق الزجاج ورقت الخمر»

ومنها في المديح:

قد قُلْتُ فيك بَدِيعَ شِعْرٍ فاق أنتَرْقَى إلى حُجُراتِهِ الشُّعَراءُ

ولم يزل صاحبُ الترجمة مُقِيماً بحلب نحوَ العام، يمدح عُيونَ أعيْانها، ويسْتَدِرُّ برِقَّةِ شِعره رقيقَ لُبانِها.

حتى رَمَتْه قِسِيُّ الأقْدار، إلى أرضِ العراق وَجوْبِ هاتيك القِفار.

ونزل منها بدارِ السَّلام بغداد، وتزَوَّدَ من مَقامات الأولياء هناك أَطيبَ زاد.

ثم منها إلى البصرة، وورَد من أميرها ابنِ أفْراسياب أكْرمَ حَضْرة.

فَلِقيهُ بمديح غِبَّ مَدِيح، وروَى عنه خَبر واصِل بن عطاء خَبَرَاً مُسَلْسَلاً صَحيح.

هذا ويدُ التَّأْميل تَعْرُك آذانَ عَزْمتِه، وتُوقِظ نارَ وَقْدٍ في ليل الاْغتراب من هِمَّته.

والمرءُ ما أرْضى أمانِيهينْقاد من لَغَبِ إلى جَهْدِ
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «يا دار من قتل الهوى بعدي»

وتقول له بلسان الحال: أَحْدِث سَفَراً تُحْدِث رِزْقاً، ولم يَجْنِ ثمرةَ المأمول مَن لم يجْعل ثَنيَّاتِ الفَيافي لها دَرجاتٍ ومَرْقَى.

فطار طَيَرانَ الرُّخِّ إلى رُقْعةِ خُراسان، فحوَّم بالنُّزُولِ على أصْفَهان، التي هي حضرة شاه العجم الآن.

فما أحقَّه بقول الشاعر:

خليفةُ الخِضْرِ من يَرْبَعْ على وطَنٍيوماً فإن ظُهورَ الْعِيسِ أوْطاني
وما أظُنُّ النُّوَى تَرْضَى بما صنعتْحتى تُبَلِّغَني أقْصَى خُراسانِ

وقد شرح ما عاناه من التَّمرُّغ في عَطَن الاغْتراب، وتقسُّم حاله بين الاكْتئاب والاضْطِراب، في قافِيَة قافِيَة، حيث يقول:

لا وبَرْدِ اللَّمَى وحَرِّ الفِراقِما لقبي من لَسْعةِ البَيْنِ رَاقِي
كيف يخْفى حَلِيفُ بَيْنٍ وشَوْقٍصَيَّر الجَفْنَ دائمَ الإغْراقِ
يا زماناً مع اسْمِنا في خلافٍومع اسْمٍ نَقيضِه في وِفاقِ

أراد أن اسمَه عليّ، ونقيض اسمه دَنِيّ، والدهر شأنهُ عنادُ الأعالي ووُدُّ الأدانِي، أو أن الدهرَ بَخَس حَقَّ أوِّلِ من تسمَّى بهذا الاسم، أعني الإمامَ عليَّ بن أبي طالب، كرَّم الله وجهَه، وأسْعَدَ أضدادَه من معاوية وغيرِه، فصفَتْ لهم الخلافة، ودرَّت لهم أخْلافُ الإمامة، فيكون مَشْرَباً تشيُّعِيَّاً، كما قال الملك الأفضل نورُالدين عليّ بن السلطان صلاح الدين يوسف، لمَّا وَلِيَ دِمَشْقَ بعد أبيه، فلم تطُلْ مُدَّتُه، ثم حضر إليه عمُّه الملك العادل أبو بكر، وأخوه الملك العزيز عثمان، فأخْرَجاه من مُلْكِه بدِمَشْق إلى صَرْخَد، ثم جَهَّزاه إلى سُمَيسَاط، فكتب إلى الإمام الناصر ببغداد:

مولايَ إنَّ أبا بكرٍ وصاحبَهعثمانَ قد مَنَعَا بالعَضْبِ حق علِي
فانْظُرْ إلى حَظِّ هذا الاسمِ كيف لَقِيمن الأواخِرِ ما لاقَى من الأوَلِ
للشاعر علي زيني، اقرأ القصيدة

قوله: " ومع اسم " بالتنوين، و " نقيضه " بدل منه، بناءً على جوازِ إبدال المعرفة من النكرة، كما في قوله تعالى " وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ " إلا أن جوازَ الإبدال المذكور مشروطٌ بتخصيص النكرة بمخصِّص مَّا كما في الآية المذكورة.

كم أُنادِيك ضَرَّبِي ما دَهانِيكم أُناجِيك شَفِّنِي ما أُلاقِي
كتَم الضَّيْمُ مَنْطِقي فوشَى بينَاطِقُ الدمعِ صامِتُ الآماقِ
يا فؤادي عن الأحِبَّة صَبْراًقد قضَى البَيْنُ بيْننا بالفِراقِ
لا تكُنْ عندما تُصابُ جَزُوعاًليس بعدَ الفِراقِ إلا التَّلاقي
للشاعر شهاب الدين الخلوف، اقرأ القصيدة
رَبِّ إنِّي من الزمانِ لَشاكٍمَسَّنِي ضيمه وإِنَّكَ وَاقِي
فأجِرْنِي من التَّغرُّب إنِّيكلَّ يومٍ لأجْلهِ في اشْتياقِ
كم قَطَعْنَا بها لَياليَ وصلٍفي اسْتلامٍ ولَذَّةٍ واعْتِناقِ
كم سَحَبْنَا بها وكم قَد رَكَضْنَامن رِماحٍ ومن خُيولٍ عِتَاقِ
ليت شِعْرِي فهل لصُبْحِ اجْتماعٍبعد ليلِ الفِراقِ مِن إشْراقِ
كم تَبَدَّتْ فيه نجومُ صِحابٍفي سماءِ مَحاسِنِ الإغْساقِ

ما أَحْسَن بُدُوَّ نجومِ الأصحاب، في ليل الفِراقِ والاغْتراب.

فلقِيَ المذكورُ صاحب الترجمة المُجْتهد في تلك الدولة بقصائد، بل قلائد، فعرف الشَّاه مكانَتَهُ من الفضل والأدب، وأنه من بيت سَلْطنةٍ ومُلْك، إلا أن الدهر قعَد به عن مُناه، ودَعاه دَاعِي الاغْتراب فلَبَّاه.

فأجازه الشَّاه مقْداراً من النَّوال، يبلُغ بِدرَةً من المال.

كما قال أبو تَمَّام:

بِدَرٌ أطاعتْ فيك بَادِرةَ الهوَىوشمُوسُ فَضْلٍ آذنت بغُروبِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثامن في تحائف أذكياء المغرب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.