من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه عمر (٤)
وأنشدني لنفسه:
سلامٌ على من ليس لي منهم بدُّوإن هجروا عن غير جرم وإن صدُّوا
سلامٌ كأنفاس الرِّياض تأرجتسحيرًا وفي أرجائها البان والزَّند
أيا ساكني الزَّوار هل بعد بعدناتدان ففي الأحشاء من بينكم وقد
تناسيتموني واضمحلَّت مودَّتيلديكم وقلتم غاله البين والبعد
وما عندكم أنِّي إذا هبَّت الصَّباعراقِّية من أرضكم هزَّني الوجد
وأنشدني أيضًا لنفسه:
من مبلغ الواشين لا نالوا المنىعنِّى إليه صادق الأعذار
والله ما رقدت جفوني بعدهاإلاَّ لرقبة طيفها الزَّوار
ولما خزنت الدَّمع يوم وداعهاإلاَّ لحفظ ودائع الأسرار
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى الصاحب أ/ شرف الدين أبي البركات المستوفي:
أنَّي أعدُّ انقطاعي عن مقرِّكمكيما أحقِّقه من أعظم الحرب
فإن تجاوزتم عنِّي فحلمكمعن كلِّ صاحب جرم غير محجوب
ولي رسائل حمد أستغين بهامستوهب المسك منها نفحة الطِّيب
زهت بكم إربل الغرَّاء وافتخرتلمَّا عدت سلب الغرِّ المناحيب
كذا المبارك أنذَى حلَّ في بلدكساه بالفخر فضفاض الجلاليب
وافي الصيِّام فلا زالت ميامنهتنيله كلَّ مأمول ومطلوب
وانشدني لنفسه:
ومن عجب أنِّي أرى ذا حشاشةبوجه لئيم من دجى البخل كالح
يؤمل أن يثنى عليه بصالحوهيهات أن يثنى عليه بصالح
وأنشدني أيضًا قوله:
لا يغرَّنكم تضاعف بشريعند لقياكم وفرط ابتسامي
إنَّ للسيف حين يشهر للضرب بروقا فيهنَّ ومض الحمام
وانشدني قوله في إنسان أتلف له بغلة ثمينة، ثم أتبعها بضياع محفورة ثم هجره ب/ عقيب ذلك، وتجنّى عليه حتى أنه كاد أن لا يكلمه:
إنِّي وإيَّاه حديثٌ غداأعجوبة بين الورى مثله
كنت أضافيه وأعتدهذخراً على الأيَّام ما مثله
ما باله يجتاز بي معرضًاعنِّي ويثني عامدًا نعله
كأنني ضيَّعت محفورةمنه وأتلفت له بغله
وأنشدني لنفسه، وكان مقيمًا بخلاط، والخوارزمي يحاصرها في النوبة الأولى؛ وكتبها إلى الأمير أسد الدين أبي العباس أحمد بن عبد الله بن عيسى المهراني الكردي وهو أسير في يده. وكانت بينهما صحبة ومحبّة تتجاوز حدّ الوصف: -
أأبثَّك الأشواق أم أشكو الَّذيأنا فيه من حذر ومن وسواس
هيهات لا إحداهما أنا قادرٌأنِّى أعبَّر عنه في قرطاس
ولقد سمعت من الكلام عجائبازادت على عدِّي وحدِّ قياسي
وتعرَّض الأعداء بي لمَّا رأوابيني وبينك ضجَّة الحرَّاس
/ أ/ أولست تعلم أنَّني الخلُّ الَّذييتلو محاسنكم مع الأنفاس
وإذا اعترى أمرٌ وفاجأ فادحيومًا يجود بروحه ويواسي
ولئن أتاح الله عودك سالمًا .. وأجاب فيك الدَّهر بعد شماس
فجميع ما لاقيت مغتفرٌ لهإلاَّ فراقك يا أبا العبَّاس
وأنشدني لنفسه أيضًا:
إذا أنت حقَّقت المكارم في أمرئوأيقنت أنَّ المجد تحت ردائه
فزره ولا تخشى الملال فإنَّهيرى لك حقًا في لزوم فنائه
عمر بن محمود بن أبي عليِّ بن عليِّ بن أبي عليِّ بن محمود بن الربيع، أبو حفص الإربليُّ
يعرف عند أهل بلده بابن الموازينيِّ.
شاب أزرق العينين أشقر، ذو خاطر مؤات في الشعر المتزن، وفطنة حسنة في إنشائه؛ استظهر القرآن الكريم، وأخذ من العربية ما يعصمه من اللحن. ومال إلى حفظ الأشعار. وهو سريع الحفظ، ينشد البيتين والثلاثة مرة واحدة فيحفظها في الوقت ولم ينسها.
/ ب/ وكان مولده سنة ثلاث وستمائة بإربل، وبها توفي في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.
أنشدني من شعره، يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي –رحمة الله تعالى-:
هل إلى سالف الوصال وصولأم بقرب الحبيب يشفى الغليل
بعدت شقَّة الوصال على المشتاق فالجسم منه مضني عليل
حرَّم الغمض جفنه فقصير اللَّيل في جنب ما يلاقي طويل
في هوى أهيف القوام له منجفن عينيه صارمٌ مسلول
إن تبدَّى فيدرتم منيرٌأو تثنَّى فغصن بان يميل
هدَّ ظهري ثقلاً وأوهى اصطباريمنه ردفٌ واف وخضر نحيل
كحل الجفن بالسُّهاد وصدَّ النَّوم عن مقلتي طرفٌ كيل
يا عذولي في حبِّ من شرح أشواقي إليه إذا يعدُّ يطول
لا تلمني فمسمع الصَّب عن ثقل استماع الملام واه كليل
ياخليلي وقلَّ في الحبِّ أن بوجد للعاشق المعنَّى خليل
كان ظنِّي أنِّي مدى الدَّهر لا أسلو وعن عهد حبِّه لا أحول
علَّمتني أفعاله كيف أسلوه وماذا –إذا سئلت- أقول
/ أ/ فتسلَّيت واسترحت من التَّعذيب في الحبِّ واستراح العذول
حسب جسمي يطيق حمل أياديشرف الدِّين فهو عبءٌ ثقيل
أنا من نائل المبارك ذي الإنعام في روضة النَّعيم أجول
لي من صوب راحتيه إذا أجدب ربعي سحاب جود هطول
ذو محيّا طلق وربع رحيبفيه للقاصد المجدِّ مقبل
يظهر البشر حين يأتي يروم النَّيل من جود احتيه النزيل
فهو في المكرمات فردٌ في دفع الأعادي عن نازليه قبيل
عمَّ إحسانه الأنام فأضحىوكثير الثناء فيه قليل
أسرع المعتفون يبغون جدواه وتأميلهم لديه دليل
غير بدعٍ يا إبن موهوب في ربعمعاليك نزِّل التَّننزيل
يا وزيراً أشباهه وعطاياه قليل هذا وهذا جزيل
لحمي ربعه حقيقٌ بأن تطوى إليه صحاصحٌ وسهول
خزَّنا عند مدحه طربٌ حتى كأنَّ المديح فيه شمول
فلإنشاده نميل كأنَّ الغصن هبَّت له صباً وقبول
فليعش ما أحبَّ في خفض عيشفأمانيُّنا إليه تؤول
/ ب/ وأنشدني لنفسه أيضًا يمدحه:
قم فقد آذن الدُّجى بالرَّواحودعا بالفلاح داعي الفلاح
وتولَّت عساكر اللَّيل واستولت على هزمها جيوش الصّّباح
واحبنا من رضاب فيك بخمرما علينا في شربها من جناح
فوق ورد من وجنتيك وآسٍمن عذاريك نزهة الأرواح
واسقنيها أولاً فصهباء كرمٍخندريسًا تدعو إلى الأقداح
قرعتها يد المزاج وكانتلم تدلَّس من قبل ذاك براح
برزت في الدُّجى فعاد نهارًافغنينا بها عن المصباح
يا نديمي قم نشرب الرَّاح صرفًافكذا شربها بطيب افتضاح
في رياض يهدي إليك أريج المسك منها منثورها والأقاحي
يتغنَّى الحمام فيها بألحان تسري الهموم عجم فصاح
لا تراني إلاَّ إليها مدى الدَّهر عدوى الًَّذي ....
أين قلب الخليِّ مما كرهته أسهم الأعين المراض الصحاح
فاغتنم لذة الزَّمان وحاذرأن ترى يا أخا الخلاعة صاحي
لا تخف فاقة وقد بتَّ ترجوشرف الدِّين ذا النَّدى والسَّماح
/ أ/ أريحيا ما في يديه مباحٌوحمى العرض منه غير مباح
حجبته عن أن ينال بسوء القول سمر القنا وبيض الصِّفاح
يا أجلَّ الأنام قدرًا وأذكى النَّاس نشرًا ومن لديه نجاحي
حمد السَّائرون نحوك يرجونك سير الظَّلام عند الصَّباح
بات كفُّ الإعطاء منك لما خطَّته في الجود كف غيرك ماحي
فإلى وجهك البهي اشتياقيوإلى جود راحتيك التياحي
لك ذل الورى فليس لمن بتَّ تروم انقياده من جماح
واستقادت لك المنون .......... ... ......................
فأبق فالعاملون ما لم تكن فيهم جميعًا أولو أياد شحاح
وأنشدني لنفسه يصف فصّ النرد:
وذي جهات ستَّ له جسدٌالجسم أمره وجبا
تجور في حكمه فتبذل في الطَّوع لديه اللُّجين والذَهبا
كأنَّه الدَّهر في تصرُّفهمتى حبانا استرَّ ما وهبا
وأنشدني قوله فيه أيضًا:
وعاجي جسم نقَّط المسك جسمهكصبح عليه للدُّجَّنة آثار
/ ب/ مسدَّس شكل فيه ضرُّ وراحةٌتصرِّفه فينا .. أقدار
فلا تتعدَّى ما يقول وإن جنىعلينا وعقبى ما نسرُّ به النَّار
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه:
جيشان من زنج وروم ذا على هذا يصول
يتجاولان ولا يطل دمٌ غيرهما القتيل
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض أصدقائه:
أبلغ محمَّد عنِّي إن مررت بهقضيَّة تقلق الأحشاء مشتهره
أشكو إليك رعاك الله حادثةيشبُّ منها لظى في النَّفس مستعره
ما بال عثمان ينهى عامدًا عمرًاأن يستظلَّ وتحنو فوقه الشَّجره
يسطو عليه وينهاه ويزجرهكأنَّه لم يكن من جملة العشره
وقال أيضًا وأنشدنيه لنفسه:
لم يفضل القدماء فيما ألَّفوا .. إلاَّ مؤلَّف درَّة التَّفصار
ما شئت من معنى بديع رائقفيها ومن مستحسن الأشعار
فكأنني لمَّا أطالغ... منها ومن مستحسن الأشعار
فكأنَّني لما أطالع... منها أشاهد سائر الأمصار
/ أ/ ولئن تقدَّمه أناس قبلهوتفطَّنوا في ذلك المضمار
فله الفضيلة حيث جاء بمائهلم يشعروا من صحَّة الآثار
لولا اللَّجين وما يساوي لم يبنللنَّاظرين فضيلة الدِّينار
عمر بن إبراهيم بن مسعود بن محمد بن إبراهيم، أبو حفصٍ الإربليُّ، ينعت بالخال.
وهو من بيت الشيخ الذس كانوا رؤساء إربل ومشايخها، وإليهم الرئاسة بإربل.
وأبو حفص هذا؛ كانت ولادته تقديرًا في سنة .... وتسعين وخمسمائة. يخدم جنديًا للأمراء، وله طبع في قرض الشعر، يقيم وزن البيت بذوق حسن ويقع ... فيجيد رصفها إلاَّ أنه لم يعرف شيئًا من العربية، وإذا أنشد يلحن في إنشاده وربما اتى في شعره بلحن لكونه ما اشتغل بالأدب. وله أشعار تستطاب؛ لأنَّه يضمنها شرح حاله فتأتي مطبوعة خفيفة من غير تكلف. وهو الآن في خدمة الأمير ركن الدين أبي شجاع بن قرطايا الإربلي.
/ ب/ أنشدني لنفسه، وكان في خدمة ركن الدين بن قرطايا ويشكو إليه من غلاء السعر وتعذر النفقة:
إنَّ برقا بدا من الأبرقينهاج وجدي شوقًا وأسهر عيني
ودعاني إلى الشَّام وعيشمرَّ رغداً بالدّضوح والجبلين
وفتاة بشفح عرشين إن لاحت تراها أبهى من القمرين
جعلتني بقصر عيسى مشوقًا .. طول ليلي أراقب الفرقدين
قد كواني حرُّ العراق وماليجلدٌ ثابتٌ على حرَّين
أين عيشٌ لنا رقيق الحواشيبمغاني قويق والدَّارين
حبَّذا بالشَّام أبٌ وتموز وبرد النَّسيم في تشرين
يا مليكي اسمع شكاية عبدمن بني الشَّيخ معلم الطَّرفين
ماله ملتجًا سوى بابك المحروس في المشرقين والمغربين
نهبته الخيل العتاق وأفنتما حواه من كل جنس وعين
كل يوم لهم وللبيت يا مولاي قوتٌ يزيد عن دانقين
ويزيد العلام منِّي إذا سامح نقدًا في الشَّهر دينارين
/ أ/ وكر الدار مع كرا الخان والصَّابون أفنى مالي و ....
هات قل لي من أين لي كل ذاك المال أصادفت مطلبًا من لحين
ولئن دام ذا عليَّ ترانيراجلاً قد قطعت رأس العين
أنت ذخري في النَّائبات وعونيفي الملمَّات واعتمادي وزيني
جعل الله نجم سورك محفوفًا بعزَّ يسير في الخافقين وأنشدني لنفسه، وقد نزل بقرية تعرف بأم عبيدة من أعمال واسط، وهي التي فيها بيت الرفاعي مشايخ هذه القرية يخاطب شيخها الزاهد أحمد الرفاعي:
يا شيخ أحمد إنَّني متمسكٌبكم وأنتم في البريَّة سادتي
ما جئت من أقصى الشَّام إليكم .. إلاَّ لاحظي في غد بالجنَّة
وأطوف من حول الضَّريح تطوُّعًاوأعفر أطراف الرَّواق بوجنتي
تالله لولا صبيةٌ خلفتهمبالشَّام بيكون الغداة لغيبتي
/ ب/ جاورت أمَّ عبيدة وسكنتهافلعلَّ فيها أن تكون منيَّتي
ما كنت أخشى من زفير جهنَّموبنو الرِّفاعي في القيامة عدَّتي
وأنشدني لنفسه، وقد نزل بالهرث –من أعمال واسط- وكان في خدمة الأمير ركن الدين أبي شجاع –حفظه الله- كتب إليه يشكو من البراغيث: -
أشكو إليك من البراغيث الَّتيبالهرث قد أكلت جميع جوارحي
فكأنَّهم فقراء أمِّ عبيدةيتراقصون على الفراش بطائحي
وأم عبيدة مجاورة الهرث وبها بيت الرفاعي المشايخ، وبها الفقراء ومذهبهم الرقص إلى عالي.
وأنشدني أيضًا لنفسه، وقد فارق الأمير ركن الدين من حلب ونزل دمشق لسبب جرى بينه وبين عمّه داود بن مسعود: -
يا أيُّها الملك الَّذي يدهتعرف بالسَّمهريِّ والجود
/ أ/ غلامك الخال لم يدع حلبًاإلاَّ لخوف من خيث داود
داود ما بيننكٌ ... يرمى خصامًا وبين عنقود
لا تهجبوا إن أذاع سركمنقل حديث وإبن مسعود
وأنشدني نفسه، وكان يخدم باربل لمالكها مظفر الدين، فعوق نواب الديوان حامكيته. فكتب إلى المستوفي أبي البركات يلتمس منه إستخلاصها:
مولاي يا شرف الأنام ومن لهكفٌ تنوب عن السحاب إذا ونى
أنت الَّذي ما رام جودك آملٌإلاَّ انثنى عجلاً وقد نال المنى
مالي أرى الأجناد من ديوانكمأخذوا جميع رقاعهم إلاَّ أنا
وأنشدني لنفسه: -
كفَّ عنِّي فما عليك ضمانيخلِّ شأن الدُّموع تجري وشاني
فلقد شاقني إلى الشَّام برقٌأين أرض الشَّام من جابان
مستهامٌ في هرث جابان يشتاق إلى النَّيربين فالميدان
وقصور بنهر باناس والولدان فيها تخالها كالجنان
/ ب/ كلُّ حلو الدَّلال معتدل القامة يسبى بطرفه الفتَّان
وغناء الأطيار يعنيك فيها عن سماع النَّايات والعيدان
حبذا، حبَّذا! ليال تقضَّتبينهم والشَّباب في العنفوان
حيث عقد اللَّذات منهم نظيمٌشمل عيشتي في تداني
وحبَّا الزَّمان طلقٌ وأيَّام التذَلاقي من النَّوى في أمان
وورود الوصال عذبٌ وأغصان المسرَّات دانيات المجاني
غدر الدَّهر فافترقنا وهل ينكر غدرٌ من حادثات الزَّمان
وكان في خدمة أمراء إربل، فكتب إليه:
أيا مولاي ركن الدِّين من ليسواك ومن بغيرك أستجير
أتعلم أنَّني في سوء حالوقد أضحى يماطلني الأمير
وتمسي الصَّافنات مضمَّراتفلا تبنٌ لهنَّ ولا شعير
لقد ضاقت على الأرض حتَّىكأنِّي في بلادكم أسير
وأنشدني لنفسه من أبيات: -
والله ما غرَّدت في الأيك طائرةٌولا رأيت غريبًا فارق الوطنا
إلاَّ وقلت من الأشواق يا سكنيترى تعود ليال قد مضين لنا
/ أ/ عمر بن المظفر بن عبد الله بن المبارك بن عثمان المخزمي المعروف بالسيهبان.
وهو لقب لبعض أجداده.
[هو من قرية برطلَّة إحدى قرايا الموصل. كانت حرفته الحياكة، ثم صار له طبع فعمل منه قطعًا كثيرة، وعانى فن الطرب فصار مغنيًا يحضر السماعات .....؛ وربما أنشأ شعرًا .....]:
شم بارقًا علوي نجد يخفقيخبو وطورًا بالغصا يتألَّق
أسرى وقد أغفى الرَّباب على الحمىوالنَّجم في أفق السَّماء معلَّق
يحدو سحابات ......منه العهاد مواردًا والأبرق
أمسى يروق لشائميه وميضهويريق أدمعه الغمام ويهرق
شرقت بوابله الأجارع غصةلمّا سقاها درُّة المترقرق
فغدت به أطلال رامة تشرقوالزَّهر يرقص والجفار يصفِّق
والرَّوض يبسم والنَّسيم معنبرٌفكأنَّ مسكًا في رباها يسحق
أوساقيًا فضَّت خوابي حنتمٌ يده ودار بها عليّ معتق
فثملت حتَّى ظلت من طرب إلىبان الحمى وغريبه أتشوَّق
وأنشدني لنفسه:
ألمَّ خيالٌ من أميمة طارقوقد بيَّنت منه المنى والحقائق
أتى زائرًا وهنا على بعد دارهوما صدَّه طول السرُّرى والعوائق
/ ب/ عجبت له كيف اهتدى وأمامهسجوف ظلام مانع وسرداق
سرى بغيابات الكرى متكتِّمًاوقد هجع الواشون واللَّيل غاسق
فنمَّت به جرس الحليِّ عيادهوطيب رداء فاعترته النَّواشق
فأهلاً به طيفٌ سرى بعد هجعةٍ .. كما لاح في طيِّ السَّحابة بارق
وأنشدني أيضًا من شعره:
تعرَّض وهنا والرِّكاب هجودخيالٌ به عهد المزار بعيد
سرى من زرود بعد يأس ودونهمن الأرض بيد للمطيِّ تبيد
تخطَّى إلىَّ النَّائبات فليتهيعيد لبانات الهوى ويعود
وليت الدُّجى يمتدُّ طولاً كهجرهولم يبد للصبح المنير عمود
فلم يبق في المشتاق غير حشاشةلنار هوًى بين الضُّلوع وقود
وخافت أنفاس يصعِّدها الأسىعليها عظامٌ نحَّلٌ وجلود
جرى دمعها دمعًا وغاض كلامهافليس على هذا السَّقام مزيد
وأجحد أنِّي بالصَّبابة مولعٌوهل نافعٌ للعاشقين جحود
وأنشدني لنفسه:
أهاج الهوى العذريَّ برقٌ تبسَّما .. بدا كغرار السَّيف وهنا على الحمى
سرى خافقًا واللَّيل مرخ ستورهعلى ما حوته الخافقان مخيِّما
/ أ/ بذكرني لمياء لم أنس عهدهاعلى ما خلا من وصلها وتصَّرما
وما شعفي بالبرق لو لم أظنُّهوقد راقني ثغرٌ لسعدى توهُّما
أرقت له لكن أرقت مدامعًاتجرَّعتها ماء فأجريتها دما
وبتُّ أودُّ الطيف لو بات زائرًاومن لي بمسراه إذا الرَّكب هوَّما
ومن لي بجرعاء العقيق وجيرةتجرَّعت لمَّا قوَّضوا العيش علقما
عدمت وقد بانوا الكرى وتجلُّديولا خير في عيش لمن كان معدما
عمر بن إسماعيل بن مسعود بن سعد بن سعيد بن أبي الكتائب بن أبي العشائر الفارقيُّ، الكاتب، الفقيه، الشافعي، المدرِّس.
شاب اجتمعت به بدمشق بقلعتها المحروسة يوم الاثنين ثاني عشر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة.
أخبرني أنه ولد في تاسع شعبان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وأنه حفظ القرآن الكريم في ستة أشهر وعمره ست سنين، وقرأ مذهبًا وخلافًا وأصولاً على عدة من المشايخ منهم: أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني، وأبي الحسن علي بن علي الآمدي. وتميَّز فيما قرأ عليهم.
/ ب/ وشدا طرفًا من الأدب على أبي عبد الله محمد بن حيدر النحوي الموصلي.
وخدم جماعة من بني أيوب ملوك الشام. وكان مبدأ خدمته لتاج الملوك أبي المكارم إسحاق بن الملك العادل؛ ثم لأخيه الملك الأمجد تقي الدين عباس، وبعده لأخيه شهاب الدين غازي؛ ثم للملك الأشرف شاه أرمن، [وصحبه إلى مدينة دمشق
في سنة ست وعشرين وستمائة، ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك الأشرف]، فاتصل بأخيه الملك الصالح أبي الفداء أسماعيل واستكتبه في ديوان إنشائه، وجعله مدرسًا في المدرسة الفلكية مضافًا إلى الكتابة. وهو أحد الكتاب المنشئين بدولته.
وأنشدني جملة من أشعاره، إلاَّ أنَّه إذا أنشد شيئًا منها يستغرق بالثناء عليها ويصفها ويعجب بها غاية الإعجاب، ويتعاطى أكثر مما عنده ويفرط في ذلك.
أنشدني لنفسه بدمشق المروسة بقلعتها يوم الإثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة يقولها للأمير شمس الدين أبي الفضل لؤلؤ بن عبد الله، المقيمة بمدينة حلب:
حكيت سحاب البحتري معرِّجًاعلى حلب فارتاحت الرُّح والنَّفس
فشاهدت بحر للنَّدى فيه لؤلؤٌوعاينت أفقًا للهدى وبه
// أ/ وأنشدني لنفسه أيضًا من قصيدة:
خودٌ تجمَّع فيها كلُّ مفترقمن المعاني الَّتي تستغرق الكلما
عطت غزالاً سطت ليثًأ خطت غصنًاماجت كثيبًا رنت نبلاً بدت صنما
رأيت شعري في الشِّعري بمدتهلأنَّ مدحته علوى إذا نظام
أضاء شمسًا بدا بدرًا علا فلكًانما هلالاً سما نجمًا همى ديما
وأنشدني لنفسه:
ومخطفة تسبي العقول وتخطف العيون كأنَّ السَّحر من جفنها يوحى
خطت وسط ظبيًا وليثًا وأسفرتصباحًا وفاحت عنبرًا وبدت
وأنشدني أيضًا لنفسه وهما بيتان لا ثالث لهما:
من غرس نعمته وناظم مدحهبين الورى وسميِّه ووليِّه
يشكو ظماه إلى السَّحاب لعلَّهيرويه من وسميه ووليَّه
وأنشدني أيضًا في الملك الصالح عماد الدين إسماعيل:
إنَّ إسماعيل بحر ندىغمامٌ هاطل وكفا
/ ب/ صالح في اسم وفي صفةوعمادٌ للورى وكفى!
وانشدني أيضًا لنفسه في رجل اسمه عثمان، وقد رمدت عيناه، ثم شفيت وله ولد يدعى نور الدين وعمل ذلك إرتجالاً:
قرَّت غيون النَّاظرين لأنَّهانظرت إلى عثمان ذي النُّورين
نورٌ بعين لم تزل تستحقر الدُّنيا ونورٌ قرةٌ للعين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع