من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه عيسى
عيسى بت سليمان بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد الرُّعينيُّ الرُّنديُّ، أبو محمدٍ، وقيل أبو موسى، الأندلسيُّ.
من أهل مالقه.
كان من .... الحديث، وسمع منه كثيرًا، وكتب بخطه. ولقي رجال أهل العلم والفضل، وأخذ عنهم وسار واجتهد وحصل بعد أن طاف قطعة من البلاد. ثم استقر مقامه بدمشق ثم كرَّ راجعًا إلى مدينته فلما وصلها بقي بها مدة يسيرة، ومات في سنة أ/ ثلاثين وستمائة.
وكانت ودلاته في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، بقرية من قرى الأندلس يقال له "بلمالة" من كورة بشقير. توغل في ديار مصر وأقام مدة ببلاد الشام، وطوف قطعة من البلاد الجزرية ثم عاد إلى وطنه فمات به.
وكان حافظًا للقرآن العظيم؛ شاعرًا فاضلاً. وعمل كتابًا سماه "الحنين إلى الأوطان الغالب على النفس هواه والهوى سلطان" ونظم معشرات.
أنشدني الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن أبي بكر القرطبي، ثم الدمشقي بها سنة أربعين وستمائة في المحرم، قال: أنشدنا الشيخ تاج الدين أبو محمد عيسى بن سليمان العريني لنفسه، وذكر بعض ما أتى به المصطفى
-صلى الله عليه- من الآيات:
لك الحمد يا الله والشُّكر دائبًاكثيرًا على كلِّ الَّذي أنت فاعل
وسبحانك اللَّهم أنت هديتنيلنظم به تزهو لعمري المحافل
مننت بنظم في الحبيب محمَّدفمن بترحالي فقلبي راحل
وهبني أصحابًا كرامًا أعفَّةًلهم قدمٌ في الجدّش والعزم طائل
/ ب/ تشدَّ بهم أزري فإنِّي مدنفٌحليف اشتياق للرسول وناحل
ألا ليت شعري هل أزور محمَّدًاأم اعتال موتٌ دون ذلك حائل
لعمري لئن طال المقام ولم أزربلادًا بها بدر الهداية كامل
لأيقنت أنَّي بالذنوب مقيَّدوأني عن الإرشاد والخير غافل
توسلت للرحمن لا ربَّ غيرهبخير الورى طرأ وأنِّي سائل
بمن نبع الماء القراح بكفِّهبمن أورقت فيه الغصون الذَّوابل
بمن وجهه يزهو على البدر في الدُّجىبمن جمعت حقًا لديه الفضائل
بمن كلَّمته الشَّاة وهي سميطةٌوذلَّت له أسد الشَّرى والمقاول
بمن حنَّ جذغ النَّخل شوقًا لصوتهوأخصب النَّاس إذ هو ماحل
بمن كلَّم الضَّبَّ البهيم حقيقةبمن كلَّمته الجامدات الجنادل
بمن أخبر الكهَّان دهرًا ببعثهبمن بشَّرت حقًأ بذاك الأوائل
بمن ارتجي في الحشر منه شفاعةنعم والرِّجال الصَّالون الأفاضل
بمن خصَّه الرَّحمن بالنَّصر في الوغىوذلَّت له ياصاحبيَّ الجحافل
فذاك الذي أسرى به الله ليلهإلى المسجد الأقصى فما إن يساجل
وذاك الذي قد كلَّم الله ربَّهإذ أسرى به حقًا وما هو باطل
/ أ/ وذات الذي جاء بالنور والهدىوذاك الذي تزجى لديه الرَّواحل
وذاك رسول الله يا صاح أحمدٌوذاك الَّذي تطوي إليه المراحل
وذاك الذي من أجله الشَّمس أشرقتولاح هلال الدِّين أو هو آفل
توسلت يا ربِّي إليك بفضلهفأنت الَّذي ترجى لديك الوسائل
فما أبلغمن عشر فضله ... فإنَّ لساني بالمآثم عاطل
لتغفر زلاَّتي وترحم ذلَّتيفإنِّي أنا العبد الضَّعيف المواصل
وبلِّغني يا الله قبر محمَّدولا تحزني ربِّي إذا سأل سائل
وهب والديَّ منك أعظم رحمةًتعمهما دأبَا لمجدك شامل
وللمسلمين اغفر فأنت مؤمَّلوفضلك معلومٌ وجودك سائل
وصلِّ على خير البريَّة أحمدوأصحابه طرأ فدمعي هامل
ودارًا وشوقًا للرَّسول وصحبهوحبُّهم في مضمر القلب حاصل
عليهم سلامي ما ترنَّم طائرٌ .. وما قطعت أفق السّماء المنازل
وأنشدني أيضًا، قال: انشدنا لنفسه وقد سأله بعض مشايخه بدمشق شيئًا مما يتعلق بأصحاب الحديث:
/ ب/ قل للذين بعلم الرَّأي قد ولعواوأهملوا السُّنة الغرَّاء واخترعوا
مسائلاً جمَّة ما مثلها وردتفي الشَّرع لكنهم في وصفها ابتدعوا
وصوبوا رأيهم حتَّى لقد زعمواأن ليس علمٌ سوى هذا الَّذي وضعوا
العلم ويحكم ما فيه حدَّثناخير الأنام رسول الله فاستمعوا
والقائلون به والنَّاقلون لههم الرِّجال وأنتم خلفه تبع
ياشانيًا لهم مهلاً عليك فكمتبغي ببغض أهيل الفضل يالكع
الله فضلهم حقًأ وأهَّلهملنقل قيل رسول الله فقاتَّبعوا
آثاره فغدوا والله يكلؤهممستمسكين لواء العلم قد رفعوا
كافاهم شرفًا والله أنَّهمفي سلك إسناد خير الخلق قد جمعوا
من ذا يضاهيهم أم من يساجلهمأم من يفاخرهم يومًا وقد رتعوا
في روضة من رياض العلم مؤنقة .. أزهارها وجناها العلم والورع
.أهل الخديث العلم أنَّهمتمسَّكوا بعرى ما ليس ينقطع
حتَّى تبوءهم دار الخلود علىخير الانام الذي طاحت به البدع
صلى الله عليه إله الخلق ما طلعتشمس النَّهار ولاح البرق يلتمع
وأنشدني تاج الدين أبو الحسن أ/ محمد بن أحمد بن علي القرطبي، قال: أنشدنا أبو محمد الرعيني، قال: انشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أبي بكر لنفسه بدمشق:
من لم تنله غربةٌ من الرِّدىفهو القناة وتلك حد سنان
وحروفها من كلِّ بؤسٍ ركبتلتعمَّ من يغشاه بالأشجان
فالغين من غمٍّ وغبن دائمٍوالرَّاء من رزء على الأوطان
والبناء من برحٍ وبينٍ أوبلىوالهاء من همٍّ وهلك داني
وأنشدني تاج الدين أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن أبي بكر بن إسماعيل القرطبي الدمشقي بها، قال: أنشدني أبو محمد عيسى بن سليمان بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن محمد الرعيني، في الجزء الأول من تأليفه الذي سماه "كتاب الحنين إلى الأحباب والأوطان الغالب على النفس هواه والهوى سلطان" فمن ذلك ما أنشأه في وصفه، وهو عشرون بابًا:
/ ب/ هذا كتاب قصيِّ الدَّار ممتحنبفرقة الأهل والأخدان والوطن
صبِّ مشوق براه البين فاضطرمتأحشاؤه فغدا والهمّ في شطن
كذاك كلُّ غريب الدَّار منتزحٍما عن له حيث ما قد حلَّ من سكن
يشكو البعاد وما قد ظلَّ يرمقهمن سوء فعل النَوى في السِّرِّ والعلن
طال الثَّواء بأرض الشَّام وأسفيماذا منيت به من غدرة الزَّمن
فالله يجبر ثكلي ثمَّ يجمعنيقبل الممات بمن أهوى بلا محن
برحمة منه ما أرجو سواه كذاسبحانه جلَّ ذو الإحسان والمنن
وأنشدني، قال: انشدني لنفسه في الباب الأول؛ وهو باب في ذم الغربة والاغتراب وبيان كون الغريب أذل من التراب:
أبت لي همَّتي وأبى انتخابيسوى حفظ المودَّة والإخاء
ألا إنِّي بشتَّل مستهامٌأدين لساكنيها بالوفاء
شتَّل: اسم ضيعة من ضياع مالقة بها أهله وولده.
/ أ/ أهيم بمن بشتَّل قد أقامواونابهم بلا مين شقائي
إذا الأقدار لم تسمح بقربسأقني في ودادهم ذمائي
أنوح لغربتي ولفقد أهليفدهري لا أملُّ من البكاء
أبيت خليف وجد واشتياقٍوليلي قد فزعت إلى الدُّعاء
أنادي في بلاد الشَّرق... إله العالمين أرتح شفائي
أذا العرش المجيد إليك أشكونزوح أبَّتي والهمُّ دائي
ألا إنِّي غريب الدَّار صبُّإلى كم ذا التَّغرُّب والتَّنائي
ألا إنَّ الغريب مدى اللَّياليأذل من التَّراب بلا
إلى الله العظيم شكوت حاليعساه بفضله يدني لقائي
وأنشدني، قال: انشدني لنفسه:
خليليَّ إنِّي قد نصحتكما جهديوإن كان نصحي لا يفيد ولا يبدي
ولكنَّ نصح الخلق في الشَّرع قد أبىفذاك حداني أن أبثَّ الذي عندي
فدونكما كم ذا التَّغرب في الورىوحتَّى متى لا تنزعان إلى الرُّشد
ألا غنَّ سبل الرُّشد للمرء أوبهُلأوطانه اللاَّتي بها كان في المهد
فلا تسمعا ممَّن يبهرج قولهوإن زعموا أنَّ الفوائد في البعد
/ ب/أنَّ البعد ... لفظه ... ذوو الدِّين والدُّنيا ذوو الحلِّ والعقد
فكلُّ غريب الدذار لا بدَّ أن يرىذليلاً حقيرًا لا يعيد ولا يبدي
ولو كان ذا مال عريض وثروةٍفلابدَّ أن يلقى كثيرًا من الجهد
وما إن يزال الدّضهر حلف صبابةٍولو مالك الدُّّنيا إلى آخر الهند
فمن كان ذا عقلٍ غزير وهمَّةٍفلا يلتفت يومًا إلى العلم الفرد
ولا يحفلن بالظَّاعنين إلى الحمىولا يصبون للسَّاكنين ربى نجد
ولكنَّ طرف العزم يركب متنهنؤومٌ به الأوطان بالنَّصِّ والوخد
ويتحف أهليه برؤية وجههفما منهم إلاَّ مشوقٌ ومستجدي
إلى الله يشكون الغرام وفقدهفيا بؤس ما يلقون من شدَّة الوجد
فلله من يرعى قلوب أهيلهويكسب في ذاك الثَّناء مع الحمد
عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت البردكيُّ، خطيب الجامع بمراكش، أبو موسى الجزليَّ.
منسوب إلى قبيلة من البربر مشهورة تسمى "جزولة" أصلها بين الكاف والقاف فعربها الكتاب، وكتبوها بالجيم.
/ أ/ من أهل مراكش.
الشيخ الأديب النحوي الفقيه الخطيب.
رحل إلى مصر وأدرك أبا محمد عبد الله بن بري النحوي، وقرأ عليه أصول أبي بكر بن السراج، وقرأ على أبي منصور ظافر بن الحسين المالكي المصري كتابًا في أصول الدين، فنال عندهم حظوة، وتقبلوه وحسن موقعه عندهم، وقاسى مدة إقامته بمصر ضرًا من الفقر والفاقة، ولم يدخل في مدرسة.
وكان يخرج إلى الضياع فيحصل ما يقوم بنفقته، وهو غاية من القلة وضيق المعيشة، ثم رجع إلى المغرب فقيرًا مدقعًا فوصل إلى المرية وغيرها من البلاد. وصاحب ابني عبد المؤمن المستولين على تلك البلاد، فنال عندهم حظوة، وتقبوله وحسن وموقعه عندهم، فتمشت احواله معهم، واكتسب رزقًا متوافرًا من صحبتهم.
وكان قد ندبه الأمير أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن عبد المؤمن لكشف أحوال القضاة الولاة على البلاد، ثقة بعدالته وأمانته، فتوفي في تلك السفرة في دولة الأمير محمد بن يعقوب قبل السنة العاشرة والستمائة، والله أعلم بصحة ذلك. وكان نحويًا ب/ حاذقًا بصيرًا بعلم العربية، إمام زمانه في معرفتها وإتقانها؛ وهو صاحب المقدمة الجزولية المشهورة في علم الأعراب التي سارت وانتشرت في الآفاق، واستجادها أهل هذا الشأن، واستحسنوها غاية الإستحسان، وشهدوا لمصنفها بالتبريز والسبق على أبناء جنسه استخاروها على مصنفات القدامى من النحاة، وكتبت بها النسخ لكونها فريدة في معناها. وكانت وفاته في حدود سنة خمس وستمائة بهسكورة من بلد مراكش.
أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله الفقيه المدرس الحنفي بمحروسة حلب، بمنزله المعمور في سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو الحسن يحيى بن معطي بن عبد النور المغربي النحوي، قال: أنشدني أبو موسى لنفسه، يذكر فضل شيخ من العلماء، وكان رجلاً صالحًا يعرف بأبي العباس الفقيه:
أقول قولاً ماله منكرإلإَّ امرؤٌ أحمق مستكبر:
إنَّ أبا العبَّاس ممَّن بهيستنزل الرِّزق ويستمطر
/ أ/ بقيَّةٌ من سلف صالحٍكان كما كانوا فما يكدر
كنت لعمري إن جري ذكرهأظنُّه من بعض من يذكر
فاليوم لا أرتاب في فضلهصدَّق عندي الخبر المخبر
جالست منه الشَّمش في قدرةٍوأبحرًا في العلم لا تعبر
هم بنو الدُّنيا بما نالهفي العلم والتَّقوى فلم يقدروا
أبصر ما لم يبصروا بعدماشاركهم في كلِّ ما أبصروا
عيسى بن المعلَّى بن مسلمة، أبو إبراهيم الرافقيُّ.
الشيخ الأديب الفاضل النحويُّ.
كان له مكتب قد فتحه يعلم فيه الصبيان الخط، ويؤدبهم بالعربية والأدب، وله عدّة تصانيف منها "تبيين الغموض في علم العروض"، وكتاب "المنتخب من لغة العرب"، وكتاب "الجامع في شرح الكافي في معرفة القوافي"، وكتاب "تحفة المجالس وغبطة النديم والمؤانس" ألّفه للملك الظاهر صاحب حلب عمله على ألسنة الشعراء المتقدمين. ب/ ومن ذكر من الفتيان والقيان المجيدين، وكتاب "الإقناع في الرسائل" وصنّف في النّحو كتابًا لطيفًا سماه "المعونة" وشرحه بكتاب آخر سماه "القرينة في شرح كتاب المعونة".
وكانت وفات ليلة الجمعة ثالث ربيع الآخر من سنة خمس وستمائة، وصار ديوان شعره في مجلدتين كبيرتين، مشروحًا افتتحه بخطبة من إنشائه، ورتبة أبوابًا يشتمل على ستة أبوب "باب في المديح والاتفحارات"، "باب في الزهديات والمسائل الفقهية والأحاجي النحوية"، "باب في ... الصلات"، "باب في الاعتذارات والشكر على ابتداء الحسنات"، "باب التشوقات وما يكتب في المراسلات"، "باب المودات في الآداب والمعاني المختلفات"، "باب في الاحاجي وما فيه من اللغز والأحاجي".
ولم يكن شعره رقيقًا مطبوعًا بل مرذولاً ظاهر التعجرف، بادي الركاكة لكثرة ما يستعمل فيه من الألفاظ الحوشية تبنى عليه الرثاثة. وكان خبيرًا باللغة العربية، عالمًا بأخبار العرب وأمثالها ووقائعها، ذا فضائل جمّة أ/ وداب كثيرة وعلم واسع.
ومن شعره ما كتبه إلى صديق له، يعتذر إليه من انقطاعه عن عيادته:
أعيذك من ألم حادثيكون لجسمك يومًا مهيضًا
ولازلت عمرك في صحَّةتنال الثَّناء الطَّويل العريضا
وليس انقطاعي عن أن أراك إلاَّ كمن لا يودُّ الفروضا
بلى إنَّ قومًا ما رأوا قبلنابأن لا يعود مريضٌ مريضا
وقال في غلام أزرق:
لقد لامني في هوى اغيدأناسٌ لمعناه ما حقَّقوا
وقالوا: بمقلته زرقةٌفذَّمُّوه عندي ولم يصدقوا
وهل يبلغ المشرفيُّ مرادًا وما متنه أزرق
ومن ثقة الماء إن قيل فيه أزرق في لونه مشرق
ولون السَّماء إذا كان في العيون فمن حقِّها تعشق
فلست أبالي بلوم الأنامولو أرعدوا فيه أو أبرقوا
وقال في غلام ضرير:
قالوا: عشقت ضريرًا قلت: ويحكملا تعذلوني على عشق الأضرَّاء
/ ب/ لو كان ببصر لم آمن ملالتهقربي ودان يرى رأيًا سوى رائي
ماذا انتفاعي بعينية وفي فمهووجنتيه دواءٌ لي من الدَّاء
وقال:
قل للأحبَّة ها قدجئنا فهل تقبلونا
يا هاجرينا إلى كميكون ما تعدونا
يا واجدين عليناما آن أن ترحمونا
جئنا نحاول قربًامنكم فلا تبعدونا
وقد وقفنا على بابكم فلا تطردونا
ما ترحممون كئبًابحكبّكم مفتونا
وقوله أيضًا:
ألا ربَّ طمرين أرضاه ربُّهوحلاَّه في جنَّاته بجواهر
فألبسه في الخلد من كلِّ حلَّهتراها عليه زينة للنَّواظر
وكم من زريِّ الحال أصبح ظاهرًايحلَّى بها من عسجد بأساور
وكم من غنيٍّ في قرار جهنَّمبوجه عبوس أسود اللَّون باسر
أقام بها يلقى هوانًا وذلَّةًوأخلده فيها ذنوب الكبائر
/ أ/ وقال:
صاح غرابٌ بينهم .. فبتُّ أبكي أسفا
ولست أشكو من أحبَّائي سوى طول الجفا
ما ضرَّ من غذَّبنابهجره لو عطفا
من لي بعيش كدَّرته الحادثات لو صفا
ما بالكم لا تقبلون من أتى معترفا
هلاَّ رحمتم من علىأبوابكم قد وقفا
أما ترون جسمهلهجركم قد دنفا
صافوه إذ عادكماتهوون من أهل الصَّفا
وقوله:
يا أخي هكذا تكون العبادهلا تراد الدُّنيا بها والزياده
لا ترد غير وجهه بالعبادات ولا غيرها بعدلك عاده
لا ترم طالب السِّيادة في الدُّنيا ورم في الجنان تلك السِّياده
صلِّ فوق التُّراب لا تحسبَّن الزُّهد بسط الصِّقاع والسجاده
ودع الكبر والرِّئاسة والمال ليشقى بجمعه من أراده
/ ب/ زوِّد النَّفس بالبقيًّة فالرَّاحل يبغي لنفسه ....
لا ترد غير وجه ربِّك بالأعمال حتَّى تنال منه الإراده
فاللَّبيب الأريب من يترك الدُّنيا ويبغي لما أحبَّ معاده
ما السَّعيد الَّذي تراه كثير المال بل في التُّقى تكون السَّعاده
وقوله:
لا تكثرنَّ كلامًافالصَّمت فيه السَّلامه
كم من كلامٍ كثيرٍ .. ز جنى عليك ندامه
وقال يصف التقويم:
أرى التَّقويم ذا علم جليليروق لكلِّ ذي فهم جليل
إذا طلَّعت فيه وكنت حبرًا. بمعرفة الطُّلوع من الأفول
علمت بسيرة الأفلاك منهمواقيت الإقامة والرَّحيل
وتدبير الأمور محقَّقاتبعاقبة القبيح من الجميل
وأقرب مايفاد المرء منهعلى الأيَّام معرفة الفصول
وأعياد اليهود مع النَّصارىوقد يعزبن عن عقل الجهول
/ أ/ كثير النَّفع تحسبه قليلاًفيا حسن الكثير من القليل
وقال يصف حمامًا:
قد رأينا من لطف صنع الباريمنزلاً في نهاية الغختصار
فيه مثل السَّعير من سورة النَّار تلظَّى من جاحم نوَّار
وجحيمًا جنيت منه نعيمًا في غدوِّبابتكار
أرضه مرمرٌ نزلُّ به الأقدام محفوفة بماء جاري
مرلاً طاب ظلُّه بسماءرفعت فهي نزهة الأبصار
تنظر اللَّيل والكواكب منهطالعات من جوِّه بالنَّهار
وحشتي أن أزار منه وماكدت أراه يخلو من الزُّوَّار
ما سمعنا من قبله بنعيمفي جحيٍم وجنَّةٍ في نار
عيسى بن محمّد بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الملك المعظم، أبو الفضائل بن الملك العادل أبي بكرٍ
صاحب دمشق.
كان أشدَّ اخوته بأسًا، وأقواهم جأشًا، له السياسة والشجاعة والشهامة ب/ والصرامة، ذا همّة وحزم شديد.
وحدّثته نفسه بتملك البلاد فعاث في بعضها، وسلط عليها العرب فقطعوا الطرق وأخافوا السبيل، وذهبت بسببه الأموال والأنفس، فتقلدها في عنقه، ولقي الله تعالى بها، وامتدت يده في الظلم والمصادرات، وظلم جماعة ووصل جوره وظلمه إلى خلق كثير، فأخذه الله –تعالى- في أغفل حاله حيث لم يشعر. وصار رهنًا بعمله.
وتعصّب على مذهب الشافعي –﵁ وعلى الائمة على مذهبه للنحفية، وقرب الأطراف، وأبعد الأماثل، ودرس من فقه الإمام أبي حنيفة –﵁ وناظر الفقهاء وتكلّم معهم في المسائل الخلافية. وكان يقرّب العلماء وأهل الأدب ويباحثهم، ويقبل عليهم ويكرمهم. ونظ شعرًا كثيرًا، ودوّن شعره ومعظمه في الإفتخار ووصف نفسه بالفروسية والإقدام والحروب والوغى.
وتوفي بدمشق يوم الجمعة سلخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستمائة. وكانت ولادته سنة ست وسبعين وخمسمائة.
أنشدني منقد بن سالم أ/ بن رافع الدمشقي الشاعر، قال: أنشدني الملك
المعظم لنفسه:
ومورَّد الوجنات أغيد خالهبالحسن من ماء الملاحة عمَّه
كحل الجفون وكرَّ في لحظاتهاغنجاً فقلت: سقى الحسام وسمَّه
وأنشدني أبو الطليق معتوق بن أبي بكر بن سعد الشاعر الخزاعي، قال أنشدني الملك المعظم لنفسه:
نزلنا ضميرًا والجياد ضوامرٌوقد حان من شمس النَّهار غروبها
ففاضت دموع العين شوقًا إليكموليس عجيبًا أن تفيض غروبها
وقال أيضًا:
ناولني في الدُّجى كوجنتهظبيٌ سباني بحسن طرَّته
لو بشرٌ يسجد الأنام لهيومًا سجدنا لحسن صورته
سكري ثلاثًا من خمر راحتهوخمر فيه وخمر مقلته
وقال أيضًا:
الجسم مذ هجر الحبيب سقيموالجفن من فيض الدُّموع كليم
يا من جفا بعد الوصال فقلت منيهواه من ألم الفراق سليم
/ ب/.
/ أ/ بي منك ما بو أنَّ عشر عشيرةبالخلق لم يحيوا وأنت عليم
كيف السَّبيل إلى رضاب سلسلمسكٍ كأنَّ مزاجه تسنسم
عيسى بن محمّد القمراويُّ
مشارف رأس العين.
أنشدني القاضي أبو القاسم الحنفي، قال: أنشدني عيسى بن محمد لنفسه:
إذا كان في وسط الحشا مستقركموالعين منكم حظُّها ونصيبها
فما ثمَّ هجرانٌ ولا ثمَّ جفوةٌفدامت لنا هذي اللَّيالي وطيبها
عيسى بن محفوظ بن الطيِّب، أبو الفضل الأصفهانيُّ الطَّرقي
من ناحية أصفهان – النحوُّي الأديب.
أخذ النّحو عن المفيد القاشاني، والرفيع اللبناني. وكان أستاذًا في الآداب بصيرًا بها، وله تصانيف ومن تصانيف ومن تصانيفه كتاب "شرح اليميني العتبي".
وكان مع تفرّده بعلم الأدب والعربية، ناقص العقل ذا غفلة وبله يعتريه في وقت.
/ ب/ وتوفي بأصبهان عاشر المحرم سنة خمس عشرة وستمائة، عن ثلاث وستين سنة.
انشدني أبو القاسم محمد بن ثابت بن غانم بن عبديل الأصفهاني، قال: أنشدني عيسى بن محفوظ الطرقي لنفسه:
في كلِّ جارحة هواك يبينكلِّي بكلِّك ..... رهين
أعددت حبَّك للبقاء فغيرهشخص تماسك ماؤه والطِّين
الجسم يبلى والحياة وديعةٌوالرُّوح تذهب والفؤاد يبين
قالوا: تماسك بالذَكاء فإنَّهكلٌّ بمذخور الحياة ضنين
ومفلّج الأسنان في حلفاتهوعدٌ إذا رمت الوفاء يمين
لم يتَّسم إلا وأنشد دونهنظري إلى لمعلٌ الوميض حنين
هذا هوالّذي يبقى معي ... إن عطِّلت دارٌ وخفَّ قطين
وأنشدني، قال: أنشدني الطرقي لنفسه:
هب انَّ سرِّي بفيض الدَّمع ما انتثراوهاتف البان ما أملى له الخبرا
والبرق ما شبَّ نار الوجد في خلديوالرَّوض ما أطربتني ريحه سحرا
ماذا أقول وقد زمِّت جمالهمتكاد زفرة صدري تفلق الحجرا
ووجدت له قول من قصيدة:
/ أ/ ترنُّم ورق أيكها متشابكورنَّة باكي المزن والبرق ضاحك
وأنفاس صبح دون نفثة ناسٍمإليهنَّ يهفو صبري المتماسك
عيسى بن محمد بن موسى بن محمد بن عبد الله بن إبراهي بن خليل الحميريُّ الاندلسيُّ التاكرنّيُّ أبو الروح.
وتاكرنا من أعماله قرطبة.
قدم إربل في شوال سنة سبع وعشرين وستمائة للاستجداء، ولم أكن ذلك الوقت مقيمًا بها. كتب عنه جماعة من أهلها. وكان يروي شيئًا من أشعار الأندلسيين، وله عناية بحفظها وأنساب قائليها. ثم سافر عنها إلى مدينة آمد فلم يمكث بها إلاَّ مدّة قريبة.
وكانت وفاته بارزن من ديار بكر في سنة تسع وعشرين وستمائة عائدًا من آمد، كذلك أخبرني البدر أبو الوفاء الحسن بن علي بن الموصلي الكاتب بحلب المحروسة.
/ ب/ وله أشعار انشدني منها الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي، قال: أنشدني أبو الفرج عيسى ابن محمد لنفسه:
سلامٌ لساعات التَّلاقي في الهوىمحلاًّ وأيَّام الشَّباب من العمر
أخصُّ به معنى الكمال وشخصهويبَّاق غايات الفضائل والفخر
أبا البركات الألمعيَّ الَّذي غداله شرفٌ يربي على الشَّمس والبدر
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
ياربَّ أضحية سوداء حالكةلم ترع في البيد إلاَّ الشَّمس والقمرا
تخال باطنها في اللَّون ظاهرهافهي العداة لزنجيٍّ إذا كفرا
وانشدني، قال: أنشدني قوله:
يا قلب مالك لا تفيق من الهوىأوما يقرُّ بك الزَّمان قرار
الكلِّ ذي وجه جميلحنَّةٌولكلِّ عهد سالف تذكار
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
إن اودع الطِّرس ما وشَّاه خاطرهأبدى لعينيك أزهارًا وأسحارا
وإن تهدَّد فيه أو يعد كرمًابثَّ البريَّة آجالاً وأعمارا
عيسى بن أقبوري بن علي أ/ بن علي بن بكتكين بن محمدٍ، الأمير أبو سعيدٍ.
وهو إبن أخي الملك المعظم مظفر الديم كوكبوري بن علي –﵁ له شعر ضعيف.
أنشدني أبو علي محمد بن علي بن سلار الإربلي الكردي الهذباني، قال:
أنشدني الأمير عيسى بن أقبوري لنفسه:
دنيا أراك وزهوكيسجنًا لمن فيه فضيله
سحقًا لزهو جمالك الفاني وحلَّتك الرَّذيله
إذ لا تدومي لا تكوني في التَّحكُّم مستطيله
يكى الورى من حلمك الموت الَّذي ما فيه حيله
وانشد أبو نصر أحمد بن إسماعيل بن أحمد الإربلي، قال: أنشدني الأمير عيسى لنفسه:
ياذا الَّذي قال قولاً صادقًا ووفى .. ز وأفخر النَّاس قدرًا حيثما وقفا
إن كان للصَّبر حدٌّ في نهايتهحد النِّهاية في الصَّبر الجميل كفى
لا زال بابك للرَّاجين ملتجأفضلُّ عزمك للمعنى به كنفا
ما لاح صبحٌ وأضحت في... شمسٌ وأمسى ظلام اللَّيل منعكفا
/ ب/ عيسى بن الفضل بن بشر بن عيسى بن مواهب، أبو الفتح، المعروف بابن البحريِّ النصرانيُّ الموصليُّ.
كانت ولادته بالموصل في ذي القعدة من سنة إحدى وثلاثين وخمسامائة. وتوفي بمدينة إربل ليلة الثلاثاء التي صباحها اليوم التاسع من المحرم من سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
انتقل إلى مدينة إربل، وخدم الأمير قرطايا بن عبد الله المظفري، فحين قبض عليه الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي –﵁ حبس في جملة أصحابه وحاشيته. ثم أخرج فتولى الإشراف بالديوان ثم عزل عن ذلك، وصار عارض الجيش وتمكن من الدولة تمكنًا لم يتمكنه أحد من أبناء زمانه.
وكان خبيثًا رديء الباطن فيه شراسة خلق مع تهوّر وإقدام على الأمور. وكان يحفظ جمل من أشعار المتأخرين؛ معتنيًا بفن النثر. وله شعر كثير ولم يكن عنده شيء من الأدب؛ فلذلك جل شعره يوجد فيه لحن فاحش.
أنشدني الصاحب الوزير أ/ شرف الدين أبو البركات المستوفي باربل، قال: أنشدني أبو الفتح بن البحري لنفسه:
إن غبت عنك فلي روحٌ بربعكمموقوفةٌ بين إخلاص وأشواق
وإن دهتني من الأيَّام نائبةفليس عيركم ياسادتي واقي
وإن جفوتم فمالي عنكم عوضٌوإن نسيتم فظنِّي فيكم باقي
وأنشدني أيضًا، قال: كتب إلي عيسى بن البحري من الحبس، وأنشدنيه بعد ذلك:
يا سادةًَ أشرقت لطفًا خلائقهمأنتم وجودٌ وكلٌّ غيركم عدم
ما نال من عبدكم سجنٌ أضرَّ بهما نال منه أليم الشُّوق نحوكم
وأنشدني، قال: كتب إلي أيضًا لنفسه:
وعدتكم وعدًا وما كنت مضمرًاوفاء به إذ لم أكن قلت عن جدّ
وكم مرَّة وعد الكذوب وعدتكمفمن بعدها لا تزلموني بالوعد
وقال الصاحب أبو البركات فأجبته:
وقيت الرَّدى ما ردَّها فيك خبرةٌفيحمل هزل الوعد منك على الجدذِ
كذلك مازالت وعودك كلُّهاعلى سائر العلاَّت كابية الزَّند
/ ب/ متى فهمت مضطرًا بوعد مسوَّف ...فعجلت عقد الحلف من أوَّل العهد
وأنشدني الحسن بن علي بن شماس، قال: أنشدني عيسى بن البحري لنفسه:
على الهمِّ انفقت شرخ الشَّبابوفي النَّائبات رماني الزَّمان
وفي كلِّ يوم حماي يباحومالي يصاب ونفسي تهان
فياربِّ قد طال وقع الأذىأما لي من صرف دهري أمان
عيسى بن سلامة بن سليم –بفتح السين- بن عبد الوراث بن عليِّ بن سليمان بن عبد الرحمن، أبو موسى الحضرميُّ الحميريُّ.
كانت ولادته بصقلية سنة سبعين وخمسمائة، ونشأ بالإسكندرية، وحفظ القرآن
العزيز. وكنا فقيهًا أصوليًا محدثًا قارئًا؛ لقيته باربل في شهر رمضان سنة خمس وعشرين وستمائة.
وانشدني لنفسه، وذكر أنه أول شعر قاله في صباه:
إلى كم ذا اخلمول وأي عيشيطيب لمن يصاحبه الخمول
/ أ/ بليت بمعشر سفهوا حلومًاوإن سفهوا فعالمهم جهول
معاشرهم يذمِّم ما ارتضاهمعاشرهم فكثرهم قليل
فحظِّي إذ اماسهم مهيضٌوعيشي إذ أماشهم محيل
وأنشدني أيضًا لنفسه:
وإذا أبتلاك بفاقة زمنٌ فلاترفع بها إلاَّ إلى سلطان
فندى الملوك ورفدهم لمؤملأسنى وأشرف من ندى الأخوان
أخوان دهرك ربما منوا وماترضى الملوك سجيَّه المنَّان
عيسى بن سنجر بن بهرام جبرائيل بن خمارتكين بن طاشتكين، أبو الإربليُّ المعروف بالحاجريِّ.
وعرف بذلك لأنه يكثر "حاجر" في شعره، قلّما يخلو له قصيدة إلاَّ ويعرّض
بذكره فيها.
وهو شاب من أبناء الاتراك باربل وقدماء أجنادهم. وكان جنديًا ثم صار بعد ذلك صوفيًا. وهو ذو مفاكهة ومحاضرة، جيد القريحة في الشعر. وله أشياء حسنة ب/ في الغزل والهجاء، ومعان يجيد استنباطها بلا رأس مال في النحو، ولا قرأ منه شيئًا إلاَّ تأتيه طبعًا.
لقيته باربل سنة خمس وعشرين وستمائة؛ وتأكدت بيننا صحبة. وخبرت أنه قتل يوم الخميس ثالث شوال باربل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
انشدني لنفسه:
بدا فأرانا الظّبي والغصن والبدرافتبًا لقلب لا يبيت به مغرى
نبيُّ جمال كلُّ ما فيه معجزٌمن الحسن لكن وجهه الآية الكبرى
أقام بلال الخال من فوق خدِّهيراقب من لالاء غرَّته الفجرا
سرى طيفه ليلاً إليَّ مجدِّداًعهود الهوى يا حبَّذا ليلة الإسرا
ترفَّع عن حدِّ الملاحة رتبةفأجملت فعلاً
أعاذل هل أبصرت من قبل خدِّهوسالفه نارًا حوت جنَّة خضرا
من الترك لم يترك لقلبي تجلُّدافتورٌ بعينيه المراض ولا صبرا
أعلط أخواني إذا ذكروا لهحديثًا كأني لا أحبُّ له ذكرا
وأصغي إذا جاءوا بغير حديثهبسمعي ولكِّي أذوب به فكرا
سقاني بعينه المدام وكأسهفلم أدر أيُّ الرَّاح أعقبني سكرا
/ أ/ أرى العدل معروفًا بكسرى فكم ترىظلمت بأجفان شهدت بها كسرا
كأنَّا تعادينا السَّقام لحاجةٍ فأمرضني جسمًا وانحلته خضرا
وأنشدني لنفسه:
ياواحد الحسن إرحم واحد الكمدحاشاك من حرق يصلى بها كبدي
في كل جارحة منِّي لسان هوىيشكو إليك رسيس الوجد والكمد
واطول سقمي وفي فيك الشِّفاء وياظلمي وأنت أمير الحسن في البلد
إن كان تعذيب قلبي فيك أو تلفيممَّا يسؤُّك ياكلَّ المنى فزد
أنت الذي ما بدت للعين صورتهإلاَّ وعوَّدته بالواحد الصَّمد
كم من أسير غرام فكاك له .. لمقلتيك ومقتول بلا قود
روحي الفداء لظبي من بني أسدوأعجب الأمر ظبيٌ من بني أسد
كيف السَّلامة لي ممن محاسنهجاءت لقتلي بأنواع من العدد
الطرَّرف بالنَّبل والقدُّ المرنَّح بالخطِّي والسَّالف المصقول بالزَّرد
وأنشدني أيضًا لنفسه:
صنم عليه لللملاحة رونقريَّان من ماء الشَّباب مقرطق
كالرُّمح فتَّاك الطَّعينة قدُّهلكنَّ ناظره السِّنان الأزرق
/ ب/ نادمته والعيش برد نعيمهضاف وشمل الحادثات مفرَّق
في ليلة سمح الزَّمان بطيبهاليلاً ونشر القرب منها يعبق
ما خلت قبل تمتُّعي بنغيمهاأن أعتراضات الأماني تصدق
لله أي لبانة قضَّيتها لولم ينغصها الصَّباح المشرق
بأبي وأمي من إذا عاينتهلم أدر من دهش بماذا أنطق
مالأبن مقلة صاد مقلته ولانونٌ كنوني حاجبيه معرق
لام العذار محقَّقٌ في خدِّهلكنَّ واو الصُّدع منه معلَّق
بين السُّيوف المرهفات وطرفهعهدٌ على سفك الدِّماء وموثق
وأنشدني لنفسه من مبدأ قصيدة:
لوى جيده كالظَّبي عنَّ لسربهوأقسم تيهًا لا يرقُّ لصبِّه
حبيبٌ له عند العناب تعذُر البريِّ ولي ذل المقرَّ بذنبه
إذا راءني أودى بقلبي فرحةًفأذهل عن فوزي بلذَّة قربه
أعانقه والطَّرف يفتك في دمي .. فديت حبيبًا سلمه مثل حربه
وكيف أرى لي في هواه تخلُّصاًوآخر وجدي فيه أول حبِّه
/ أ/ وبي سقمٌ من جفن عينيه بعضهعياءٌ لبقراط وعجزٌ لطبه
ألا يا أمير الحسن هل أنت كاشفٌظلامة شاك نهب طرفك سلبه
هواك الذي لم يبق منه بقيَّةٌيعرِّفه كيف الخلاص لقلبه
كأن دموغي من لماك مجاجةٌفما راق لي مذ ذقته غير شربه
ومعتدل أغناه عن مل رمحه القوام وغنج الطَّرف عن سلِّ عضبه
أودُّ لخدِّي أن يكون ترابهإذا مرَّ يثني عطفه بين تربه
ولما اعتقنا للوداع بحاجروقد أزمع الحادي المسير بركبه
تمنَّيت لو أجدى التَّمنِّي وقفةًأشاهد قلبي كيف يقضي بنحبه
ونشر يضوع المسك من نفحاتهيخبِّر عن بان الغوير وكثبه
شكوت إليه ما أجن فرق ليفيا برد مسراه وطيب مهبه
ألا إنَّ بالجرعاء لو تعلم الصَّبالأكرم من هام الفؤاد بحبِّه
سلامٌ على الوادي الَّذي تسكنونهوإن كنت لا أحظى بساكن شعبه
كأنَّ وميض البرق من هضباتهتعمَّد قلبي فاستطار بلبه
وأنشدني أيضًا قوله:
أنا والأحبَّ منجدٌ مغوِّرٌفعلام لا أحنو ولا أتذكر
/ ب/ لبكاي هذا اليوم صنت مدامعيوكذا العزيز لكلِّ خطب يذخر
يا ساكني وادي العقيق فدتكمعين مدامعها عقيق أحمر
بنتم فما استعذبت بعد حديثكملفظًا ولم يحسن لعيني منظر
ليت اللَّيالي بالحمى رجعت لناولها من ... ما تخبر
وصبًا تأرَّج نشرها من حاجرٍأنفاسها كالمسك بل هي أعطر
وأنشدني أيضًا لنفسه:
بنفسي وروحي ذلك العارض الَّذيفدا عنبرًا فوق السَّوالف سائلاً
دري خدُّه أنِّي أجنُّ من الأسىفأظهر لي قبل الجنون السَّلاسلا
وانشدني قوله أيضًا:
ومهفهف من شعره وجبينهيغدو الورى في ظلمة وضياء
لا تنكروا الخال الَّذي في خدِّهكلُّ الشَّقيق بنقطةٍ سوداء
وأنشدني أيضًا من شعره:
قلت لمَّا تصفَّرت وجنتاهمرضًا تحت خضرة العارضين
ذهب الخدِّ واسمه إربليٌّ .. فلهذا بدا بسلسلتين
وأنشدني أيضًا قوله:
/ أ/ قلت لمَّا بدا وأعرض غنِِّي:هكذا من هواك يلقى الهوانا
قال: أن العزيز بل ذاك كي لايفهم الكاشحون منَّا هوانا
وأنشدني لنفسه:
كيف حرَّمت على الطَّرف الوسنما كذا من فرض العشق وسن
يا غزالاً حلفت مقلتهأنَّها تشهر أسياف الفتن
قل لخدَّيك متى كان الحيابجحيم النَّار ربعًا ووطن
كلفاً كلَّفتنيه مظهرًامن صبابات غرامي كلَّ فن
مذ هويناك علمنا أنَّ فيمركز الإسلام عبَّاد الوثن
وأنشدني أيضًا قوله:
بمهجتي الظَّبي الَّذي حسنهتحار في معناه بلقيس
لا تحسبوا أنَّ عيون المهاأحسن من عينيه بل فيسوا
وأنشدني من شعره أيضًا:
وافى شبيه الغصن يخطر مائلاًثمل القوام فديته من خاطر
لا شيء أبلغ من هواه من الرَّدىيا نفس دونك فاعسفيه وخاطري
وأنشدني لنفسه ب/ في إنسان يعرف بزبالة بن مقدار النميري. وكان قصيرًا من الرجال:
لبس ابن مقدار الزّيالة فروةًحسناء تنعت بالجمال وتوصف
فعذ رته إذ ظلَّبها ... جعس المخنَّث بالحرير ملفَّف
وقال فيه أيضًا:
قال ثوب الشُّجاع وهو جميلٌتعشق العين نظرةً منه عشقًا
صرت في فروة النُّميريِّ سجفًاكيف لا أستلذُّ قرضًا وخرقا
لو أراد الزَّمان تعظيم قدريلم يعدني على الزّبالة ملقى
وله فيه، وقد شتمه شخص اسمه بلدق. وكان فراشًا:
بلدق بالقذف مستطيلٌعلى النُّميريِّ لا محاله
وليس في ذا عليه عيبٌفرَّاش دار رأى زباله
وقال؛ وأنشدنيه أيضًا:
أيا مولاي قد فصَّلت لي العام فروةلألقي بها في ظلِّ خدمتك القرَّا
وقد عراني فيها لتنجز سبعةهويَّته تعمى يديك بها أخرى
/ أ/ عشاءٌ وخيَّاطٌ وفروٌ وقندرٌوسمُّورةٌ سودا وجودك والفرا
وكتب إلى الأمير شمس الدين أبي الفضائل باتكين المستنصري، وكان يومئذ متوليًا مدينة إربل قبل قتله، وكان قد أحسن بأنه ييقتل:
أشكوك يا ملك البسيطة حالةلم تبق رعبًا فيَّ عضوًا ساكنا
إن تستبح إبلي لقيطة معشرٍممَّن أؤمِّل غير حاشاك مازنا
ياللعجائب كيف يصبح خائفًامن بات في حرم الخلافة قاطنا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع