من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه نصر
نصر بن يوسف بن نصر بن عبد الرَّزاق بن عبد الوهًّاب بن الخضر بن عبد الوهاب بن الخضر بن عجلان بن عبد الله بن ربيعة بن المقدم بن لبيد بن النابغة وهو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدةً بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعةً بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن
خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو السعد البالسيُّ, المعروف بابن قاضي بالس:
ويعرف بالجعبريِّ، لأنَّه سكن قلعة جعبر- وهي قلعة حصينة على طرف الفرات من البلاد الجزيرية
من أبناء القضاة, وبيت كبير ببالس مشهور. وكان يلبس العمامة اقتداءً بسلفه، ثم تجنّد وتزيَّا بزي الأجناد في الملبوس، وخوطب بالإمرة بعد أن كان يدعى بالقاضي، ولبس القباء وصار واليا بدمشق من قبل الملك العادل سيف الدين أ/ أبي بكر محمد بن أيوب، وبعده لولده الملك المعظم أبي الفتح عيسى- رحمهم الله
تعالى- ولم يزل على ولايته إلى أن توفي بدمشق بقلعتها في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة. وكان قد توفي له ولدان قبله فحملوا جميعهم إلى بالس فدفنوا بها.
وكان شاعراً مطيلاً جيد الشعر فيه ذكاء وفهم، ولديه أدب وفضل.
أنشدني الشيخ الأجل نجم الدين أبو محمد القاسم بن محمد بن سراج البزاز الحلبي بها، قال: أنشدني أبو سعد بقلعة دمشق في سنة أربع عشرة وستمائة لنفسه:
طال ما بيننا النَّوى والتَّجافيوالَّذي بي من الجوى غير خافي
فنهاري أعلِّل النفس بالوصــل وليلي بالقرب والإئتلاف
طمعَّا كاذبا وتسويف نفسٍولو .... قبل التَّلافي
ما كذا كانت العود استقرَّتببقاء قليلة الإنصاف
طول دهري أصفي الوداد وارعىعهد من عاهدت بأن لا تصافي
/ ب/ تخلف الوعد لا الوعيد لوافٍلا تراه مع غدرها غير وافي
أضرمت في حشاي نار اشتياقٍكن لها منه يا إلهي كافي
أتراه الزَّمان فيها بصافأم ترى لي من الصَّبابة شافي
أنت أمرضت بالصدود محُّبافصليه تسري إليه العوافي
إن أكن إقترفت ذنبًا فقد جئــت مقرُّا إليك بالاقتراف
فاغفري الذَّنب باعترافي فلا تثــريب بعد الإقرار والإعتراف
وقال أيضًا:
أمسي وأصبح مرتاحًا بلا أملمن وصل خود كعوب أيَّ مرتاح
لا أسمع اللَّوم من لاح يعنِّفنيعلى هواها وماذا يزعم اللاحي
أسلو فتاةً إذا جنح الظَّلام دجاوأسفرت خلت فيه ضوء مصباح
للورد وجنتها للدر مبسمهاللمسك ريقتها للشهد للراح
تريد بالعدل إرشادي لتصلحهدع عنك يا صاح إرشادي وإصلاحي
فمنتهى الرُّشد غيِّي فيَّ مجتهدافلا أرى كل لاح غير نبَّاح
سقى منازلها مثعنجر غدقبصيِّب من غوادي السُّحب سحَّاح
/ أ/ ما كان أطيب أيامًا لنا سلفت... بقربها حال إمسائي وإصباحي
والدَّار مشرقة من نور غرَّتها... ومن جبين كضوء الصُّبح وضَّاح
أشكو إليها صباباتي فتطمعني... بالوصل منها بلفظ يسكر الصَّاحي
من لحظها نرجسي من خمر ريقتها... راحي ومن [حمرة] الخدَّين تفَّاحي
إن عدت يا دهر أدنيت الدِّيار بهافقد تكفَّلت اسعادي وإنجاحي
فسوف أمدح نعماك التي شملتمدحًا يقصِّر عنه كلُّ مدَّاح
وقال أيضًا:
أحبابنا بجلِّقآن لنا أن نلتقي
ما أنتم بلعلعولستم بالأبرق
ما هجركم وداركمدانية بليِّق
قد راعني شيب بدالهجركم في مفرقي
يصدقني وعيدكمووعدكم لم يصدق
حتى الخيال هاجريتأجَّجي يا حرقي
تقطَّعي يا كبدييا أعيني ترفقي
/ ب/ وللرُّقاد فاهجريوبالدُّموع فاغرقي
على فتاة حيِّهملمياء ذات القرطق
حسنًا يحكي قدُّهاقدَّ القضيب المورق
يرقُّ لي من أرقيوللإله يتَّقي
فما بقي فيَّ كماترون غير الرَّمق
فليتها لا خلقتوليتني لم أخلق
وقال أيضًا:
تناست الوَّد والعهوداوأبدت الهجر والصُّدودا
فدمع عيني من التَّجافييا خود قد خدَّد الخدودا
مثعنجر ودقه هتونمن مقلة عاقت الرُّقودا
لو لم يكن من دمٍ أتتهخوامًش تبتغي الورودا
أمرضني البين والتَّنائيعساك يا قرب أن تعودا
ففي فؤادي لهيب نار... للبين لا تعرف الخمودا
كم ذا التجني على محبأنضر كل الآنام عودا
/ أ/ أعرب كل الورى لساناأكرم كل الورى جدودا
جعدة أكرم به أبوهأدرك بالسؤدد السعودا
والجد قيس فتى المعاليرام إلى ربه الصعودا
قوم إذا قاتلوا رجالاخطوا لأعدائهم لحودا
أو ركبوا خيلهم تراهمفوارسًا تفرس الأسودا
أعناق من سامهم قتالاًتضحي لأسيافهم غمودا
وأنت من معشر لديناتظل أعناقهم سجودا
تحوي لأحسابنا عقوداًلله كم قد حوت عقودا
لا كان يوم به بلينابحب من تنكث العهودا
تنجز إن أوعدت محبالكنها تخلف الوعودا
فلا دنو ولا سلوإلا هوًى أضمر الخلودا
وقال أيضًا:
أتراها ترق للعشاقرحمة من لواعج الأشواق
وترى ودها على ما عهدناقبل أن يحدث التفرق باقي
/ ب/ كل يوم أرى بقلبي أشواقا إلى قربها ووشك التلاقي
لم أجدها بالأمس فيه فحسبي... ضرة البدر في الهوى ما ألاقي
قد حرمنا منك الوصال فجوديبخيال من طيفك الطراق
إن وهبت الكرى وأقلعت العيــن بعوني عن دمعها المهراق
فلعل الخيال ينظر سقميفيكون الشفيع لي بالتلاقي
وقال أيضًا:
ما بال كتبك لا تأتي لعادتهاتسر قلبًا إليك الدهر مشتاقا
أعاقها غضب أم صدها ملكأم قد فقدت فدتك النفس أوراقا
ما راق بعدك لي عيش ولا نعمتحياة عبدك لا لاقيت ما لاقى
وقال أيضًا:
أتذكرني ليلى كما أنا ذاكرلها كل وقت أم تناست وداديا
لئن نسيت عهدي فإني لذاكرعهوداً لها ترعى وأرعى لياليا
فما أنا يا ليلى قطوعًا لقاطعٍملول ولا مستقصر الود جافيا
فيا حبها زدني جوًى واعتبر بهعلى غفلةٍ يا حب ليلى فؤاديا
/ أ/ فإن نر فيه سلوة أو تناسيًافقل يا ملولا لا بلغت الأمانيا
أأسلو هوى ليلى وليلى حبيبةإليَّ لقد خابت ظنون الأعاديا
وقال أيضًا:
دانية الدَّار والمزار بهانأي فما الإنتفاع بالقرب
والوصل لا يرتجى أصورهلبعده في خواطر القلب
فالوجد ينمي وما أكابدهمن لاعج الشوق والأسى حسبي
غدارة تخلف الوعود ولاعطفًا يرجى لها على الصب
نأت فزدنا أسى لفرقتهاإذ كان وشك النوى على عتب
ولم يكن لي على تعسفهاذنب ولو كان تبت من ذنبي
بس فرط شوق إلى مقبلهاورشف سلسال ريقها العذب
وضم ذاك القوام معتنقًاكأنَّه غصن بانة رطب
صبا إليها الفؤاد في طربمن الصبا وهو دائما يصبي
وما قضينا من حبها أربًافليتني قاضيا بها نحبي
فما حياة المحب مع غضبمحمودةً عنده من الحبِّ
/ ب/ وقال أيضًا:
أترجَّى دنو دارك سعدىوالتنائي يزيد دارك بعدا
وصروف الأيام تحدث بينًاكل يوم لشقوتي مستجدَّا
ما ثناني عن الوداد صدودولا ولا خنت بالتنائي عهدا
فارحمي لوعتي وفرط غراميوارثي لي من جوانح ليس تدا
لك مني بدوما إن أرى منــك [أ] يا ضرَّة الغزالة بدَّا
شبهوها بالبدر والغصن جهلأهي أسنى وجهاً وأحسن قدَّا
علَّ دهري يعيد ما استقرض البيــن فشرط القروض أن تستردَّا
ويعود الزمان يجمع شمليوأرى في جوانب الحي سعدى
وتريني من قدِّها خوط بانٍومن الخدِّ جلَّناراً ووردا
وأرى من لحاظها أعين الرِّيــم ولكنَّها تصيد الأسدا
ولعمري لقد رشفت زمانًامن جنى ريقها سلافًا وشهدا
وقال أيضًا:
لئن أصبحت عنِّي سليمي غنيَّةً... فإنِّي إليها ما حييت فقير
/ أ/ وإن قطعت حبلي وصلت حبالهاوكنت صبوراً والمحب صبور
عسى يعقب الله اصطباري راحةًفقد قيل عقبى الصابرين حبور
وقال أيضًا, وقد رحل إلى حمص رسولاً إلى الملك المجاهد أسد الدين أبي الحارث شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي صاحبها في العشر الأول من جمادى سنة ثلاث وعشرين وستمائة, يتشوق إلى أخوته وأهل بالس:
تنمي إليكم صباباتي إذا قربتخيامكم ودنت من داركم داري
فلا بعدتم ولا شطَّ المزار بكمولا خلت منكم أبكار أفكاري
أنتم نجوم سما قلبي وشمس ضحًىفيه وفي ظلمة الأحشاء أقماري
ثم عاد مرّة ثانية في العشر/ ب/ الأخيرة من الشهر المذكور، فكتب إليهم أيضًا بهذه الأبيات:
ترى يقضى لنا من بعد بعدبأحبابي لقاء واجتماع
وتجمعنا الدِّيار كما عهدناًوأسرار لدينا لا تذاع
ونصبح لا يروِّعنا لبينٍعن الأحباب ما عشنا وداع
وقال أيضًا وقد وصله كتاب ولد أخيه وختنه القاضي شهاب الدين من بالس يطلب منه أن يعمل له على وزن هذا البيت الذي من الثلاثة الأبيات التي أنفذها إليهم من حمص:
أنتم نجوم سما قلبي وشمس ضحًىفيه وفي ظلم الأحشاء أقماري
فعمل هذه الأبيات:
/ أ/ سقى بلادكم مثعنجر غدقينهل من ديمة وطفاء معطار
طال اشتياقي لكوني لم أزر لكمداراً ولا أنتم في الدَّهر زوَّاري
شوق تجاوز حدَّ الوصف أيسرهوزاد مقداره عن كلِّ مقدار
مضى زماني وما أدركت مألكتيمن اللِّقاء ولا قضَّيت أوطاري
أحبُّكم يا بني عجلان لا برحتدياركم آهلاتٍ حبَّ مختار
ما شوقكم مثل أشواقي ولا بكموجدكو جدي وتذكار كتذكاري
فلا خلوتم مدى الأيَّام ما طلعتعليكم الشمس من يسرٍ وإيسار
وحيِّي يا ربِّ عبد الله إنَّ لهجوداً يعمُّ مقيم الحي ِّ والسَّاري
وحيِّي والده القاضي وزيد فتًىيقري الضُّيوف ويرعى حرمة الجار
وفي الوغي تحذر الأقران صولتهيسعى إليه بقلب الضَّيغم الضَّاري
قوام صوَّام مصداق حليف تقًىمذ كان من عمره لم يسخط الباري
فالشَّيخ منكم ومن شبَّانكم أبداًيسود في مهده عارٍ من العار
وقال أيضًا من أبيات:
/ ب/ كلُّ الورى قد فتنوا بحبِّهفلا يرى إلاَّ فتى مفتونه
فضِّل بالحسن فقلإنَّك مع فرط الجمال دونه
فيه فنون للأنام جمَّةتسبي العقول منهم فنونه
أبيت طول اللَّيل لا أنامهوبالكرى قد ملئت جفونه
أسهر فيه وينام وادعًاغالت فؤادي ما جنت عيونه
وقال أيضًا:
كم من حنين إليك مجلوبٍوأنت دون الأنام محبوبي
إن كان وجهي وليس ذاعن وجهك اليوسفيِّ محجوب
فأنت ذخري إن تزل بي قدموخان دهر فأنت مطلوبي
فابسط لي العذر عشت في رغدمن غير عتب وغير تثريب
لست إلى غير سؤددٍ أبداًوغير ما تبتغي بمنسوب
عماد دين الإله عش رغداًما سقي الرَّوض بالشَّابيب
وأسلم ودم للزمان ما قرئتطاها وياسين في المحاريبٍ
وقال أيضًا:
/ أ/ زارني من غير وعدزائر جدَّد وجدي
يخجل الغصن إذا مابأعطاف وقدِّ
بأبي أفديه وافلم يخن مذ كان عهدي
ريقه الخمرة طعماًفي فمي من غير دردي
وإذا ما رمت نقلاًقال لي: دونك خدِّي
وإن اخترت عناقًاللردينيِّ فقدِّي
وسوى هذا فكلاَّليس للعشَّاق عندي
يا عذولي خلِّ عذليفهو فيه غير مجدي
إن غيِّي في هواهمنتهى غاية رشدي
عدِّ إن حاولت سلوانًا فذا عين التَّعدِّي
وقال أيضًا:
خلع العذار أخو الوساوسفيمن لثوب الحسن لابس
ظبيُّ يصيد بطرفهغلب الضَّراغم والقناعس
رشا كغصن أراكةريان لا ينفك مائس
/ ب/ في اللَّيل يخرج في العروًس وحين يصبح في الفوارس
ما لاح في غسق الدُّجىإلا َّ وأشرقت الحنادس
طلق المحيَّا باسملكن على العشَّاق عابس
في القلب من سطواتهوصدوده جذوات قابس
كم زارني متخفِّيًافي خلوة واللَّيل دامس
عانقت غصن قوامهورقدت بالإلمام آنس
وغطست في بحر العناق فلتني لا كنت غاطس
ورشفت من خمر الرُّضاب سلافةً والجفن ناعس
إن كان قد شطَّ المزار فلست من عود بايس
وتعود تجمع بينناتلك المنازل والمجالس
مرغومة بالوصل منحسادنا فيها المعاطس
إرغام نور الدِّين منيشنا سجاياه النَّفائس
رسلان شاه غضنفرغلب الأسود له فرائس
حاز المكارم فاغتديــن على معاليه حبائس
// ليث إذا حمي الوطيــس وبدر تمِّ في المجالس
متهلِّلاً للمعتفيــن فلا تراه الدَّهر عابس
فلجوده ولبأسهتتقاعس الصِّيد الأشاوس
عش آمنا فلك الإلــه ونم قرير العين حارس
أمسيت للأ شواق والأتواق من كلف أمارس
فأحبُّ قلعة جعبرلمليكها وأحبُّ بالس
لأخيوةٍ سكنوا بهافهم بوحشتها أوانس
لا زال يمرع مرجهامغدودق السحب الرواجس
وقال أيضًا:
زاد جمالاً حين دار العذارفليخلع العشَّاق فيه العذار
وزدت وجداً وغرامًا بهوأقلع السُّلوان والإصطبار
مهفهف القامة ميَّاسهاعليه مع فرط انخلاع وقار
ينتسب الورد إلى خدِّهلونا كما ينتسب الجلَّنار
فقدت صبري مذ نأت دارهفهل ترى من جلد يستعار
/ ب/ قولوا له: يرحم ذا لوعةكم حيد عنه وكم ازورار
ريقته القر قف لكنَّهاًلا يشتكي شاربها من خمار
وقال أيضًا:
حجبوها وما الحجاب بمجديبرقاقٍ بيضٍ مواضي الحدِّ
وبسمر القنا وكلَِ كميِّعنده سطوة الهزبر الورد
لا يفيد الحجاب إذ أنت في قلــبي ولا والفؤاد مليك نجد
أترى عندك إليَّ غرام... سالب للكرى كمالك عندي
وحنين مبرِّح واشتياقلا ولا وجدك يقارب وجدي
بل لعمري لقد ثناك التَّنائيعن ودادي وقد تناسيت عهدي
كم تمالوا على الملامة لوَّام تصدَّوا للَّوم بئس التَّصدِّي
ينسبوني جهلاً إلى الغيِّ في الحــ ـبّش وغيِّي في حبِّ مثلك رشدي
وقال أيضًا ابتداء قصيدة:
ما بكم من صبابتي واكتئابيفاقصروا من ملامتي مثل ما بي
/ أ/ واتركوا اللَّوم عذَّلي فهو لا يجلــب نفعًا لكم وخلُّوا عتابي
أنا مغرًى بحبِّ ميَّاسة الأعــطاف تختال في ثياب التَّصابي
تخجل البدر إن تراءت بليلٍبابتسام عن الثَّنايا العذاب
إن تكن عاملت ذنوبي وودَّيووصالي بالصَّدِّ والإجتناب
وأنا الساَّمع المطيع وهل يعــصي محبُّ أوامر الأحباب
ليس فيها عتب سوى أنَّها الدَّهــر عن العين من وراء حجاب
وقال أيضًا:
إن يصدُّوك بي عن الإجتماعفودادي لديك غير مضاع
وغرامي ذاك الغرام وشوقيونزاعي كما عهدت نزاعي
لست أنساك بالبعاد وهيهات سلوِّي وماله من دواعي
ليس عندي إلاَّ الأسى ودموعسحها مقلع عن الإقلاع
وسقام عسى يرقَّ له الدَّهــر ووجد تجنُّه أضلاعي
وعساه يجود لي منك بالوصــل وأحظى به وبالإرتجاع
وتعود الدِّيار تجمع شمليبك يا منيتي وبالأطماع
/ ب/ وأراني معانقًا للتلاقيمنك قدَّ القضيب لا للوداع
راشفَا من رضاب فيك سلافًاسلسبيلاً يشفي من الأوجاع
هذه الحلُّ ليس ما تطبخ النَّار وقدمًا أحلَّها الأوزاعي
أنت بدر الدجى ووجهك فيناهو شمس النَّهار ذات الشُّعاع
عشت لا ترتقي إليك المناياوبخطب من الرَّدي لا تراعي
وقال أيضًا:
من مجيري من الغرام الَّذي بيوالَّتي بي قد صيَّيرته نصيبي
ظبية الأنس لا الكوانس ترعىفي ذمام الغرام حبَّ القلوب
ثغرها للأقاح بل للآلييتلالا وريقها للضريب
فهي بدر الظَّلام عند التَّجلِّيوهي شمس النَّار عند الغروب
إن تثنَّت يهزُّ من لين قدَّغصن بأن مرَّكبًا في كثيب
لست أخلو إذا تراءت لعينييا لقومي من كاشح أو رقيب
يعتريني الحنين نحوك إن هبَّــت رياح من شمال لا جنوب
يا ليالي الوصال أوبي فقدآن ليالي وصالنا أن تؤوبي
/ أ/ وتعود الدِّيار تجمع شمليعن قريبٍ بالحاجب المحجوب
وقال أيضًا:
لعلَّلك جفن العين للنَّون تسرقعسى طيفها في آخر اللَّيل يطرق
وأشكو إليه ما أجنُّ من الجوىوفرط صباباتٍ خباها التَّفرُّق
مهفهفة الأعطاف أفنى تجلُّديوفلَّ شبا صبري إليك التَّشوُّق
وأصعب ما ألقاه في الحبِّ أنَّنيأخاف انتهاك السِّر فيه وأفرق
إذا رمت كتمان الغرام سعت بهعلى الرُّغم منَّي عبرة تترقرق
ونمَّ به سقمي وفرط صبابتيفلا ينفع الكتمان والحال تنطق
فإن قلت لا والله لست بعاشقوقد جزت سبعينًا من العمر أعشق
يقل من لسان الحال يكذب قائلوربِّ الصَّفا والمروتين وأصدق
وقوله:
منيت بالوصل وعفت الفراقفكمِّلي إحسانك بالعناق
وسامحي الصَّبِّب ولا تبخليفعنده فرط جوًى واشتياق
بقبلة تحيا بها روحهوإنَّها من حرق في السَّياق
/ ب/ أو رشف ريق راق ترويقهيضوع كالمندل عذب المذاق
ماذا على قومك لورقَّ ليقلبك يا لمياء مما ألاق
هل سمت إلاَّ قبلةً سنَّهامشايخ العشَّاق عند التَّلاق
إن يغضبوا منها وإن يعتبوافالقوم حقًا ما لهم من خلاق
وقال:
أتتنا خيول بالبشارة تسبقوأنت إلى شأو المعالي أسبق
وكان بنا نحو البشير تشوُّقرقيق الحواشي حين طال التَّفرُّق
وقوله من أول أبيات:
عاود القلب وجده والخفوقحين لا حت من الغوير البروق
وتراءت للعين أعلام سلعوبدا حاجر ولاح العقيق
وبرأس الجرعاء بانَّ فريقوتوارى بالأبرقين فريق
أذكرته الأحباب فارتاح شوقًاوحنينا منه الفؤاد المشوق
وكذا كلُّ مغرم القلب يشتاق ومن لا يشوقه المعشوق
/ أ/ غادة للقضيب منها التثنِّيولظبي الفلاة جيد وموق
ريقها للمحبِّ في آخر اللَّيــيل مدام وثغرها الرَّاووق
أنا سكران حبِّها ليت أنِّيدائم السُّكر في الهوى لا أفيق
لا يرجِّي العذول منِّي سلوُّاًما إلى القلب للسلوِّ طريق
وقال:
سلاها لم تجنَّبت الوصالاوآثرت القطيعة والملالا
وأظهرت التَّجنب لا لجرمأهجرانا أرادت أم دلالا
فيا شبه القضيب إذا تثنَّتتحاكيه قوامًا واعتدالا
حكيت لنا الغزالة حين تبدووأشبهت الغزالة والغزالا
هواك هدًى وكلُّ هدًى سواهفلا أعتدُّه إلاَّ ضلالا
لقد حلَّلت إبعادي وهجريوحرِّمت التدَّاني والوصالا
فكنت كمن أحلَّ دمًا حرامًاوحرَّم من جهالته الحلالا
وقال أيضًا وقد وصله كتاب من ب/ أخيه جمال الدين أبي الحسين في المحرم سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وفيه أبيات شعر فكتب إليه أبو سعد هذه الأبيات
في الوزن والروي وهي:
لثمت كتابك المحبوب عشراًوبات معانقًا سحري ونحري
فبلَّ غليل وجد واشتياققليلهما يقلُّ لديه صبري
إذا ما مرَّ يوم لا أراكمفليس أعدُّه من بعض عمري
فكيف إذا انقضى شهر وشهربفرقتكم وشهر بعد شهر
وقد ملا الأسى والشوق قلبيكما أن الصبابة حشو صدري
فما عذري إلى إخلاص ودِّيوفرط محبَّتي يا ليت شعري
هي الأقدار لا تجري بحكمييجود ويجمع شملي علَّ دهري
فتورق بالدُّنو غصون وصليويسفر بالتَّلاقي وجه بشري
/ أ/ وعد من بالشَّباب يعود حتماإذا اشتملت علينا الدَّار مثري
فعن كثب تبلغني اللَّياليمرادي تستديم دوام شكري
واستغني أخيَّ إذا التقيناعشيَّية جمع شملكم بنصر
أخي ودِّ محبِّ غير جافوفيِّ ير ملتحفِّ بغدر
ولا والله ما جنحت بصدِّله نفس ولا سمحت بهجر
عليكم أخوتي منِّي سلام... سلامًا لا يزول بمستمرِّ
وله أشعار كثيرة في الأزجال والدوبيت وقوله في الدوبيت: [من الدوبيت]
كم يأمر بالكتمان في زيِّ نصوحوالحبُّ دليله على الوجه يلوح
بسي بسِّي أريد يا صاح أبوحقد ضَّربي الكتمان في شره يوح
وقال أيضًا في المعنى: [من الدوبيت]
/ ب/ كانت بكم تلذُّ لي أوقاتيفي الجلوة تارة وفي الخلوات
يا مشبهة الهلال يا مولاتيلولا حذري لكنت من حاجاتي
نصر بن أبي النجاة, أبو الفتح الأخميميُّ
من أهل الديار المصرية.
كان فقيهًا على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ عالمًا فاضلاً شاعراً جيداً مطبوعًا في الشعر, يمدح ويسترفد الكبراء والأعيان بقوله، نحويًا أديبا يحفظ كثيراً من الكتب الأدبية من جملتها كتاب "المفصل" لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري, وكتاب "المقامات" لأبي محمد القاسم بن علي الحريري، وغير ذلك من الكتب والأشعار مع أخذه بأوفر نصيب من الأدب وعلم العربية.
أقام بدمشق زمانًا طويلاً ثم خرج منها ونزل الموصل فسكنها ثم عاد إلى دمش فاستوطن الإقامة بها في المدرسة الأمينيّة وسكنها برهة من الزمان. ثم انتقل إلى بيت المقدس- حمى الله حوزته- ولم يزل بها مقيمًا إلى // أن توفي- رحمه الله تعالى-.
أنشدني من شعره الشيخ أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن مقبل بن الفقاعي الموصلي بها في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة بمنزله- رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أبو الفتح نصر بن أبي النجاة الأخميميّ لنفسه في ربيع الآخر سنة أربع عشرة وستمائة بالموصل يمدح معين الدين أبا علي الحسن ابن شيخ الشيوخ بمصر:
هاجع المقلة هب جفني الوسن... فغرامي سرُّه فيك علن
وسوى حبِّك في قلبي ماحلَّ والله ولا فيه سكن
أنت يا صارف وقتي شغلاًعوض لي عن خليل وسكن
لان قولي لك عتبًا مثلمالنت أعطافًا ولمسًا وبدن
وجزاني بعد ليت وعسىمنك يا مسقم جسمي لم ولن
أحلال لك تجفو مغرمًا... بهواه وجواه مرتهن
وبداريك ولا تسأم منجور صدَّ وإثارات الفتن
سيف أجفانك ما أقتلهأترى أستلَّ شباه ذو يزن
/ ب/ عقد أيمانك كم تنقضهوتلاشيه بضعف ووهن
وعذول فيك أزريت بهفانثني مغضب قلب ممتهن
قالوا: تفوه وتغترُّ بهوهو يغري بك في الحبِّ المحن
قلت أهواه وأهواه ولايلج الجنَّة إلاَّ ممتحن
العذاب العذب التذَبه... ولو أني مودع طيَّ كفن
وامتداحي وولائي مخلصًالمعين الدِّين ذي المجد حسن
الجواد الباسط الكفَّ الذيبالأيأدي فرض البذل وسن
واستوى فوق علاه جالسًافروى الرِّفعة فيه عن وعن
فهو من أصبح يعلو شرفًاوأبوه وأخوه من ومن
والذي أوضح للسالك فيسبل الخير طريقًا وسنن
لا يساويه مساو مثلمالا تساوى دار عدن بعدن
الحياء المحض والعفّضة والــعلم والحلم وتقليد المنن
والسخاء الهامر الهامي النَّدىالَّذى ينبت غبراء الدَّمن
طاب أصلاً وزكا فرعًا وهلحسن يوصف إلاَّ بحسن
/ أ/ كأبيه طاهر الجيب فماينطوي فيه على خبث درن
وجهه انور من شمس الضحىلا يرى فيه عبوس بغضن
لو رآه يوح يبدو ساطعًا... نوره خر سجوداً للذقن
أو أتى في زمن صحبته... توجب الذم كما ذم الزمن
يا معين الدين يا أشرف منقرَّ في مهد علاه واستكن
ما الرُّبي ضاحكة أزهارهاحاكيًا ملبسها عصب اليمن
مطربات بالغنا أطيارهاباعثات كلَّ صوت من فنن
كلما مر بسمعي سامعهاج للقلب حنينًا وشجن
مثل أوصافك نبلاً ونهَّىوبهاءً وذكاءً وفطنً
فالتزم سعدك يرجى ثابتًا ... والق أعداءك منه بجنن وأبق ما حنَّ غريب وثنى ... طرفه الشوق إلى نحو وطن وقال أيضًا في الفلك أبي القاسم عبد الرحمن بن هبه الله بن المسيري ب/ المصري حين خلع عليه ببغداد الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بالله أبو جعفر المنصور بن محمد بن أحمد- ﵁ وجاء إلى دمشق ولازم التخرق بدروبها.
والخلعة عليه والإعلام خلفه:
جاء رسول من عند محتسب الــبلدة في خفية إلى الفلك
وقال: هذا الذي أتيت بهيلزمني منه غاية الدَّرك
تمشي بأعلامك المشومة في السُّــوق ولا غازيان في السِّك
ما عازك اليوم غير دبدبةوتغتدي ضحكة من الضَّحك
يضرب من حولك الصِّغار بهاوضحكهم نصفه على الملك
وأنت تدري بأنَّني رجلآخذ أمري بالدِّين والنسك
ولا أغش السُّلطان في عملوذاك من شرِّ ما روي وحكي
فالجحش والقنبريس قد حضرودرَّتي في يدي وأنت ذكي
أبو نصر بن اللعُّبيَّة الهمامُّي
والهمّامية قرية من قرى واسط.
أنشدني الأمير شرف الدين أبو حفص عمر بن أسعد بن عمّار الموصلي بها، قال: أنشدني إبراهيم بن يوسف الحرُّاني، قال: أنشدني أبو نصر اللُّعبيَّة الهمّامي لنفسه:
كتبت ومالي من خليل أودُّهسوى صاحب يختار مصر مقامه
ترنِّحني رياَّه إن هبَّت الصَّباويذكرني لمع البروق أبتسامه
وأنشدني، قال: أنشدني إبراهيم، قال: أنشدني أبو نصر الهمّامي لنفسه:
يا من يكلِّفني ما ليس في سعتيومخلفي لشقائي فيه ما وعدا
تخاف منك الرَّدى نفسي فواعجباأنت المخوف ففيما تحمل العددا
لحاظ عينيك تصميني بأسهمهافما لخدَّيك دوني تلبس الزَّردا/ ب/
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع