من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه يعقوب (٢)
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا يمدحه:
أفرط في الصّد عن معنّاهوزاد عجبًا عليه معناه
بدر تمام لا النّقص يدركهولا يعاب الكسوف يغشاه
يظن أن القلوب ما خلقتإلاَّ ليسطو بها وتهواه
تاه مدلًا بحسن صورتهوعشقنا والمليح تيَّاه
آه على عطفه وزورتهلو نلتها والمحب أواه
بالله يا شمس عاتبيه ويابدر فأنتم في الحسن أشباه
ويانسيم الصَّبا بحقّك إنجزت عليه فاستهد ريَّاه
/ ب/ واذكر له مبتلى بجفوتهجدّ به سقمه فأبلاه
عساه يسخو بنظرة عرضًاأو سنة من زكاة وسناه
فعلَّ عيني يومًا تراه فماتطمع في غيرها برؤياه
ويلاه من ذلَّتي وعزَّتهعلى يا للرجال ويلاه
أصول في جحفل فأهزمهوحدي وأرتاح حين ألقاه
أملك رقَّ الورى ويملكنيملكي ويشنا قربي وأهواه
لأنني أملك الجسوم وتسـتملك رقَّ القلوب عيناه
تبارك الله كيف صورهدمية حسن تبارك الله
مناي مرضاته لو أنَّ فتىيعطي من الدهر ما تمناه
أشهد أن لا إله إلا مسويه وأن لا مليح إلَّا هو
وأنَّ ما في الوجود أسخى ولا .. أغزر وبلاَ من كف مولاه
الملك الأشرف الذي شهدتبفضله في السَّماح أعداه
زاد على السُّحب أنَّ نائلهتبر ونيل السّحاب أمواه
ما جاد في الخافقين ذو كرمإلّا بما جاده وأعطاه
//أفدام تستعبد [الأنام] بماتبني من المأثرات كفَّاه
وأنشدني أيضًا، قال: كتب إليَّ شرف الدين بن عنين ملغزاً باسم سنجر:
إن جعلوا أوَّله آخراًوبدّلوا الثّاني بالآخر
حدث عن أنفاسه آخر اللّـيل وعن ناظره الساحر
قال: فقلت مجيبًا عن ذلك:
إشارة أحلى لذي فطنةمذاقة من عسل الشَّائر
تعرب عن لطف جوى كامنفي خاطر كالشمال الخاطر
من خنث الأعطاف ألحاظهتفتك فتك الشَّاطح الشَّاطر
يزأر مهما زرته كانسًاويلي من الزَّائر للزَّائر
لنجعلن أوله ثالثاًأو نشتفي من مائه المائر
وقال في فانوس السحور والثريا والنجوم:
/ ب/ رأيت المنار وجنح الظلاممن الجو يسدل استاره
وحلق في الجو فانوسهفذهب بالنور أقطاره
فقلت المحلّق قد شبّ فيظلام الدجى للقرى ناره
وخلت الثريا يدًا والنجومورقًا غدا البدر قسطاره
وخلت المنارة فانوسهفتى قام يصرف ديناره
وقوله في معنى اقترح عليه فصنع بديهًا:
خود جلا غرتها شعرهابدر بهي في ظلام بهيم
يطيب لفظ الشعر من ذكرهاكأنما ذاك النسيم النسيم
قد رقمت وجنتها أرقمًابالمسك في مذهب ثوب طميم
ما ذاق من قابله غفوةيا عجبًا من ساهر بالرَّقيم
وقال جواب أبيات جاءته من الرشيد عمر بن محمد الفرغاني الفقيه الحنفي:
/ أ/ إذا ما شئت أن تلقى مفيداغداة العلم والتقوى وليدا
وبرّز في علوم الشّرع حتّىغدا فيه على ضغن وحيدا
فلاق – لتستفيد – الخلق طرًاوحسبك منه أن تلقى الرشيدا
فتى سنا وشيخًا في علوميروح الشافعي له مريدا
توحده يريك لدى المعاليإذا حاورته منه عديدا
أتاني منه مع عدمي قريضيفوق بحسن صنعته الفريدا
قريض لا أطيق له جوابًاولو أنّي نشرت له لبيدا
فكيف وخاطري في جور دهريوما لاقيته أضحى بليدا
وقال أيضّا مجيبًا له عن أبيات له إليه:
قُّل للنسيم إذا أنثنى سحرًايصف الرّياض وينعت الزَّهرا
وكفاه وصفهما لناشقهأن راح مبلول الرَّدا عطرا
سكران يهدي من شمائلهطيبًا إلى من شمَّه السَّكرا
فيعانق الأغصان من ثملمتمايلاً ويكسَّر الغدرا
/ ب/ قل يا رشيد الدَّين كم مدحقلَّدتنيها تخجل الدُّررا
ولكم بعثت إليَّ شاردةًمن وشب لفظك تحمل الفقرا
ولكن تسيَّير راحتاك إلىربعي قريضًا يخمل السَّيرا
أفحمتني فخرست مرتبكاولكم نطقت فأفحم الشُّعرا
وحصرت عند بلاغة عجزتعنها قواي ولم أكن حصرا
إنَّ الآتيَّ إذا طما وعلافي يوم غيث أغرق النَّهرا
والشَّمس إن ظهرت أشعَّتهامحت الشَّهاب وغطَّت القمرا
من أين لي مدد يقابل مايأتي به القاموس إن زخرا
يا سيَّدا بسقت فضائلهوزكت فأعيا البدو والحضرا
يا مجداً لم يبق مكرمةيأتي بها أحد إذا افتخرا
يا مبدعاً تأتي بدائههفينا بما تستعجز الفكرا
يا جامعا فضل الأنام وإنطال المدى بهم وإن كثرا
ما أسبهوا أو طوَّلوا أبدًافيه أتانا فيك مختصرا
يا روضة الفضل الَّتي ينعتوتهادت الأزهار والثَّمرا
/ أ/ يا أوحدًا في كلَّ معجزةإن رامها تعبيرنا قصرا
يا أيها الحبر الَّذي نشرتألفاظه من فضله حبرا
يا عالمًا ما إن رأى أحدمثلًا له أبدًا وليس يرى
يا سالكًا عرف الطَّريق إلى الـفوز الَّذي قد أعجز البشرا
يا صافي الأوصاف في زمنأخلاقه تستوعب الكدرا
لو انصفت أيَّامه لغدَّايستخدم الأملاك والوزرا
عجبًا لخاطرك اللَّطيف إذاحركته ترمي به شررا
إنَّ أمرءًا يفني لياليهبسوى فوائده فقد خسرا
لهفي على زمن يمرُّ وماأبرمت فيه بأنسك المررا
لو أنَّني أعطي مناي لماأفنيت إلاَّ عندك العمرا
لأرى وأسمع كلَّ شاردةتستعبد الآذان والبصرا
ولو استطعت لسرت صحبتهلكنَّني لا أملك الخبرا
فكلاءة الرَّحمان تتبعهمهما أقام وإن نوى سفرا
ولعلَّ لطف الله يجمعناإنَّي لأرجو الله والقدرا
/ ب/ ويلمُّ شملًا قد تمزاق فيأيدي اللَّيالي ثوبه شذرا
في خدمة الصَّدر الذي كرهتورَّاده عن بحره الصَّدرا
بدر الطَّريقة من سماحتهيفني على قصَّاده البدرا
شيخ الشُّيوخ ومن به افتخرتآباؤه وكفاه مفتخرا
لا زال في نعم مجدَّدةتفني الدُّهور وتخلق العصرا
يعقوب بن مسعود بن عبد المحسن، أبو يوسف التغلبُّي
من أهل دقوق – وهي بليدة من نواحي بلاد العراق – يلقَّب عكارش.
كان رجلًا كثير الخلاعة والمزاح، مطبوعًا في المعاشرة له أشعار يسلك فيها مسلك صريع الدَّلاء. وكان يميل إلى أهل الفضل والأدب، وقتل بدقوق في الليلة المسفرة عن صباح يوم الخميس السابع والعشرين من شهر الله الأصم رجب سنة ستٍّ وعشرين وستمائة.
ومن شعره ما أنشدني الأجلُّ أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن وهرام بن بكرانا لبوازيجي الإربلي بها – رحمه الله تعالى - أ/ قال: أنشدني أبو يوسف الدقوقي لنفسه – وكان مريضَّا – وهو ساكن بمنزلي بإربل:
يا جيرة بدقوق كانوا جنَّتيحبًا ومن دون الأعادي جنَّتي
ما حيلتي إن ذقت كأس منيَّتيفي غربتي وحرمت من أمنيَّتي
حم َّالحمام عليَّ دون لقائكمحتمًا وذاك لشقوتي ولبيَّتي
أقضي ولا أقضي الَّذي أمَّلتهمنكثم فواأسفي عليه وحسرتي
ويلاه كيف تخلُّصي والموت قدضرب المخيَّم نازلًا في عقوبتي
وافي وأقسم لا يحاول رحلةًمن منزلي حتَّى يحقَّق رحلتي
فعليكم منَّي السَّلام فحبكمحتَّى القيامة لم يزل في مهجتي
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يصف مشببًا:
/ ب/ مولاي لا في النَّاس لي ذو رحمةيأتيك يشفع بي ولا في الجان
والسَّيل قد بلغ الزُّبى والفقر للـحرَّ الكريم إليك قد ألجاني
فاقبل فدتك النَّفس عذري واغتنمشكري وإن كنت المسيء الجاني
فإذا غرست غصون خير أثمرتخيرًا عليك وكنت أنت الجاني
يعقوب بن نصر بن يعقوب بن نصر بن إبراهيم، أبو يوسف التيمُّي الدارقزّي.
ينسب إلى دار القزَّ، وهي محلَّة من أشهر محاَّل بغداد بالجانب الغربّي.
كان نحويًا شاعرًا فاضلًا فصيحًا عارفًا بالعربية والفقه. رحل إلى سنجار وأقام بها يفيد أهلها. وكان خبيرًا بالشعر وأنواعه، يحفظ منه الكثير. وكان خفيف الروح، دمث الأخلاق، من أطبع الناس كلامًا، وأطيبهم مزاحًا.
حفظ القرآن الكريم وقراه للسبعة والعشرة على أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل المرسي النحويّ، وقرأ علم النحو والعربية على أبي البقاء عبد الله بن الحسين النحوي البغداديّ، وسمع على أبي حفص أ/ عمر بن محمد بن طبرز والبغدادي معظم سماعاته، وأخذ من فقه الإمام الشافعي – ﵁ – صدرًا صالحًا.
كان اجتماعي به بإربل في ذي القعدة سنة ستٍّ وعشرين وستمائة؛ وسالته عن مولده فذكر أنَّه ولد في شهر رحب سنة أربعة وتسعين وخمسمائة بدار القّز.
ومدح جماعة من مقدَّمي إربل وأماثلها، وسافر عنها إلى سنجار فأقام بها قليلًا ورحل منها إلى ميَّافارقين فمات بها في أوائل المحرم سنة ثمان وعشرين وستمائة. وأبيعت تركته بيد نواب الموريث في ربيع الأوَّل سنة ثمان وعشرين؛ كذا أخبرني بوفاته الصاحب الوزير مؤيد الدين أبو نصر إبراهيم بن يوسف ابن إبراهيم الشيباني – أسعده الله تعالي.
ومن شعره ما أنشدني لنفسه- في التاريخ المذكور – يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات [المبارك] بن أحمد بن المبارك المستوفي – رضى الله عنه:
/ ب/ نعم هو السنح من نعمان قد سنحافلا تلو منَّ غرب الدَّمع إن سفحا
فما ترى مدمع العشَّاق منتزحًاإلَّا لفقد حبيب صدَّ أو نزحا
لا يبعد الله من يدنو المنام بهوهنا فيبخل إن طيف به سمحا
ومنها يقول:
ظبي أطعت التَّصابي في محبَّتهعفوًا وعاصيت في سلوانه النُّصحا
لله من سكن لولاه ما سكنتقلبي المعنَّى هموم الوحد والبرحا
وبدر تمّ لو أن البدر قابلهمفاخر التوارى عنه مفتضحا
قسا ورقًّت حواشيه فيصحب فيأيدي الوشاة وإن جاذبته جمحا
أستودع الله قلبًا لا يفيق ولايزال بالوحد مغبوقًا ومصطبحا
تحنُّ مهجته شوقًا وتسأل عنسكَّان نجد نسيم الرّيح إن نفحا
يا معهد اللَّهو لا زال العهاد علىمغناك يسحب أذيال النَّدى مرحا
فكم لبست الصّبا غضًّا بساحتهورحت في الغيّ مرتاحًا ومقترحا
أعطي الأماني فؤادًا لا يضيق بههم وصدرًا إلى اللَّذَّات منشرحا
حتَّى أستردَّ زماني من مواهبهمن المسَّرة ما أعطى وما منحا
/ أ/ وأفسد الدَّهر عيشًا في تقلبهلولا أبو البركات ما صلحا
لولا أبن موهوب المرجوُّ ما وهبتإساءة الدَّهر ب لم ترتج الفرحا
أغرُّ لا شرس الأخلاق منقبضوسط النَّديّ ولا بد أن مزحا
كانَّ أخلاقه روض مدَّبجةفينا وغرتَّه الصُّبح الَّذي وضحا
مهذَّب الرَّأي لا يثنيه عن كرميوم المحامد تعنيف أمري نصحا
يا طالب الرّفد لا يلوي على سكنولا يصحب إلاَّ الأنيق الطُّلحا
زر إربلًا وانح ربعًا حلَّ ساحتهوجه المبارك تلق السَّي قد نجحا
قضى على المال بالإطلاق منذ قضىأن يحبس الحمد في علياه والمدحا
يا أيُّها الصَّاحب المحيي بهمَّتهللعم بالدَّرس درسًا كان قد مصحا
لا يخذل الخطب من أصبحت ناصرهولا يرى الفقر من وافاك ممتدحا
لك اليراع الَّذي تخشى بوادرهويرتجي سيلة الهامي إذا رشحا
بيض الأماني بسود من ذوائبهكالبدر أشرق في اللَّيل الذي جنحا
لا تخش يا شرف الدّين الزَّمان بماقد كان مقترفًا يومًا ومجترحا
/ ب/ ستنجلي هذه الغمًّاء عنك كماتفرَّ الغيم عن شمس النَّهار ضحى
لا تيأسنَّ لبدر غاب مستتراًعن العيون بان يعلو ويتضحا
وللقضيب وإن اوردت بضارتهبأن ترى الطَّير في أعلاه قد صدحا
إنَّ السَّيادة قد ألقت إليك يدًاأقذت لحاظ حسود كان قد طمحا
سارت بمجدك أيدي العيس فازدحمتفيك القوافي وكانت عندك الفصحا
وأنشدني أيضًا لنفسه:
ألمَّت وقد أرخى الظَّلام لها سترافحيَّت وهل يخفي لشمس الدُّجى مسرى
أرادت لتطوي سرَّها عن رقيبهافضوَّع نشر المسك من طيبها نشرا
وما كنت أدري قبلها أنَّ بانّةإذا أنبتت في الدّعص أثمرت البدرا
ولم أر عذبًا سائغًا ينقع الصَّدىسوى ريقها ألقى على ساحل درًّا
المياء ما وجدي عليه بفاترفما لفتور الطَّرف قد زادني فترا
أأخذر في ليل الصَّبابة ضلُّةًوقد لمحت عيناي من وجهها بدرا
وأخشى من اللُّوّام عدلًا ولو رأواشمائلها أبدوا على حبَّها عذرا
تذكَّرني وشك الرَّدى إن نسيتهاوقد عطفت نحوي لتقبيلها نحرا
/ أ/ تميل كما مال النَّزيف وتنثنيمعاطفها من غير مشمولة سكرا
فللَّه يوم قصَّر الوصل عمرهوكم طوَّل الهجر أن من قبله عمرا
أقبَّل طورًا فيه وردة خدَّهاوأرشف طورًا من جنى ريقها خمرا
خليليَّ لا والله ما أنا مضمرسلواً ولا أعطيت عن حبّها صبرا
فلا تعذلاني إن صبوت فقد رأتلحاظي من آيات مبسمها الكبرى
تقول وأخلانا الرَّقيب وغيَّب النُّـعاس عيونًا كنَّ من دوننا خزرا:
أحبا وإفلاسًا فقلت لها أهدأيإذا جئت إبراهيم لم أخف الفقرا
وأنشدني أيضًا لنفسه يمدح الأميرين سيف الدين عليًا، وعماد الدين أبا بكر إبني قليج الحلبييَّن:
واضح الثَّغر والمحَّيا البهيجهيَّج الشَّوق أيَّما تهييج
فدعاه فلو أراد سلوَّاًلم يبت حلف لوعة ونشيج
يا خليليَّ خلّيا عدل صبًّبات في الحبّ بين أمر مّريج
/ ب/ جذبته أيدي الصَّبابة فانقا .. ز دولبَّي داعي الغرام اللَّجوج
وثنى عطفه إلى اللَّهو أقماربدت طلَّعًا بأفق الحدوج
واضحات تشرقن في الشَّعر الأسـود كالصُّبح في الظَّلام الدَّجوجي
ونديم صرفت همِّي بصرفمن يديه أغنى عن الممزوج
ولشعبان في السَّماء هلاليتبدَّى كجانب الدُّملوج
أو كنعل الفته في الجوِّ بالركَّـض عشاءّ قنابل أبني قليج
أسدًا غابة وغيثا سحابوهلالا أفق وشمسا بروج
غضنا دوحة تظلُّ المساكيـن وتبدي من كل ِّ زوج بهيج
وحساما غمد ونصلا قناة .. وعمادا بيت النَّدى المحجوج
غنَّيا حين غنَّيا بالمناليعن سماع الغناء والتَّهزيج
وأستوى النَّاس فيهما فعليكأبي بكر في الثَّناء الأريح
لم يزالا إلى سماء المعاليطلب العرِّ والعلا في عروج
غير أنَّ الكبير يزداد مجدًاوبقدر الكعوب فضل الوشيج
كم فللنا حدَّ الزَّمان بسيف الدِّين عند التحام خطب مهيج
/ أ/ واعتمدنا الأمير عماد الدِّينيوم الكروب بالتَّفريج
أنتم يا بني قليج على الدَّهـر حيا مزنة وروض مروج
ما علمنا أنَّ المذاكي أفلاك إلى أن أشرفتم في السُّروج
وما برحتم إلى الوغى في دخولوعن الجبن والخنا في خروج
كلَّ يوم لربعكم لذويي الفـل أعتمار مثل اعتمار الحجيج
سؤدد دَّبجت حواشيه أخلاقكم الغرُّ أيَّما تدبيج
فأتى كالرِّياض حسنا أو العصـب الموشَّى أو اليماني النَّسيج
أملي فيكم حداني إليكموثنى عن سواكم تعريجي
في غناء بالهجر إن رمت سقياأرض [عدمي] عن جدول وخليج
أيُّها المالكان دعوة عبدأخلص الودَّ فيكما منذ نوجي
جاء يهدي إليكما بنت فكرلم يشنها أفتضاضة التَّزويج
لبست حلَّة المعاني وحلي الـحسن كبراً منها على التَّتويج
فأقبلاها وحسِّنا عندها الصُّنـع فلم يهد مثلها في الدُّروج
وأنشدني من شعره:
/ ب/ أنت أشهى إلى الضَّمير وأحلى من لذيذ المنى وأعلى محلَّا
بك أضحى دون البريَّة شغلوكفاني بحسن وجهك شغلا
يا شفاء النُّفوس من كلِّ داءوطبيبًا لسقمنها ومعلَّا
لو رضيت الجحيم لي مستقرّاًلوجدت الجحيم برداً وظلّا
كلَّ يوم تزداد عزَّة نفسواحتشامًا عندي فأزداد ذلَّا
سيِّدي أنت لا تنَّ سلواًبي فحاشاي عنك أن أتسلَّى
كلَّما كرَّت اللَّيالي عليناجدَّدت ثوب صبوة ليس يبلى
وبنفسي أفدي الَّذي كلَّما ملـت أشتياقًا إليه مال وملَّا
وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام اسمه جامع:
يا جامع اللَّذَّات وجهك قبلةللنظارين وعظم ردفك منبر
النَّاس حولك محرمون فما بدامراك إلَّا هلَّلوا أو كبَّروا
وسعت نواحيك العصاة وضقت عنمن قام ينذر تارة ويبشِّر
يعقوب بن يوسف بن أبي العشائر بن أبي الفضل بن هبة الله، أبو يوسف ابن الانباريَّ
من أهل حلب مولداً ومنشأ.
شاعر متأدَّب فاصل، ذو معرفة بالأدب والعربيَّة، كثير الشعر، جيد المقاصد، حسن الأسلوب.
يقصد بأشعاره الملوك والأماثل من الناس، ويكتب خطًا مليحًا رائقًا، وعلى خاطره قطعة صالحة من الأخبار والحكايات. واتصل بالملك الأمجد مجد الدين أبي
المظفَّر بهرام شاه بن فرّوخ شاه بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي – صاحب بعلبك – وكان قريبًا منه وحظي لديه، وصار أحد شعرائه وندمائه فحين اننتزعت منه بعلبك تجَّول يعقوب في بلاد الشام يرتزق المتموّلين منها وأرباب الثروة بأشعاره.
ثم انقطع إلى الأمير موسى بن المجلّى الكرديّ، وصحبه مدَّة من الزمان؛ ثم فارقه ونزل حلب فرأيته بها شابًا أشقر قصيرًا فيه دمائة أخلاق وكياسة وحسن عشرة، يتشيع ويميل ب/ إلى محبَّة أهل البيت – صلوات الله عليهم وسلامه.
وأنشدني كثيرًا من شعره، وكتب لي منه كراسةً بخطّ يده؛ إلاَّ أنَّني فقدتها وعدمتها، ولم يبق عندي من شعره شيء إلاَّ ما أنا ذاكره – إن شاء الله تعالى – وأخبرني أنَّه ولد في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
ومما أنشدني لنفسه يمدح الملك الأمجد – صاحب بعلبك:
سالمه بعد حربه الحربوعاودته الههوم والكرب
فتًى كساه غرامه وصبًافهو معنًّى بلبسه وصب
وشنَّ غاراته السُّهاد علىأجفانه فالرُّقاد منتهب
رمته قوس النَّوى بمصميةلا نبعة عودها ولا غرب
فأحكمت في صميم مهجتهشقّاً من الوجد ليس ينشعب
أحبابنا هل لحبل ألفتناوصل فقد راح وهو منقضب
فأنتم فالدِّيار لا أممبعد تنائيكم ولا صقب
ياربَّ ليل سهرته ومحَّـالصُّبح عنِّي كالخطِّ محتجب
/ أ/ كأنَّ لي عند نجمه عدةّ يمطلني كونها وأرتقب
همَّت بقلبي الهموم تنزعهبل كربت أن تميتني الكرب
فتارة ناظري يريق دمًاوتارةً بالدُّموع ينسكب
حتَّى بدت غرَّة الصَّباح كنصـل الهنداويِّ حين ينتصب
أو كمحيَّا السُّلطان لا سَّيما إَّبـان يرضى وساعة يهب
الملك الأمجد الَّذي أثنت الـعجم عليه وثنَّت العرب
سحاب جود فيه السَّلامة والـ حتف وطيب الحياة والعطب
إذا همى فاللُّجين والّلؤلؤ الرَّطب جنى راحتيه والذَّهب
بدرِّه ينعش الألى بعدواودرِّه يشرف الألى قربوا
يعتزُّ للجود والسَّماح كماتهتزُّ عند الكريهة القضب
زيَّن أقواله الفعال كمأزيَّن كأس المدامة الحبب
طود حجى لن يحلَّ حبوتهيومًا إذا حلَّ عنده الغضب
سيب ندًى ماء ورده شبمعذب وسيف ماضي الشَّبا ذرب
يسري له كلَّ يوم ملحمةجيش لهام وجحفل لجب
/ ب/ يثني عليه البيض المكلَّل والـبيض وسمر الرِّماح واليلب
همَّته الدَّارعون في الرَّوع لا الأدراع والسَّالبون لا السَّلب
والضَّرب يوم الهياج بغيتهبل دونه في اللَّذاذة الضَّرب
من معشر لم يكن له بسوى السُّؤدد لا عادة ولا درب
إن خطبوا أخر سوا وإن وهبواأغنوا وإن غالبوا الردَّى غلبوا
أو طلبوا أدركوا الطَّلاب علىأنَّهم يعجزون إن طلبوا
تشبُّ نار القرى إذا نزلواونار يوم الوغى إذا ركبوا
يا أبن المعز اعتصمت مذ طفقتبعرق عظمي بنانها النُّوب
وإنَّني فيه دائمًا ولهمرتقب تارة ومرتغب
فهو ملاذ لنا نلوذ بهمن كلِّ خطب ومعقل أشب
وكنز وجد نغنى به أبداًمن كلِّ عدم ووالد حدب
له إذا عدت العلا رتبُّتقصر عن أن تطولها رتب
ودرُّ نظم يعيد منتثر الدُّرِّ على القسر هو مخشلب
والنَّسب الواضح الَّذي كشف الـ غطاء عنَّا العطاء والنَّشب
/ أ/ قد ضرب المجد والعلاء لهبيتًا بكيوان ماله طنب
فالجود إلا من كفِّه بخلوالصِّدق إلاَّ في وصفه كذب
يا ملكًا لم يكن لتحجبهعن مستجبر بباسه الحجب
ومن إذا جاد يوم مسغبةضنَّت حياء بجودها السُّحب
بشراك يا منتهى النُّفوس فقدوافاك بالسُّعد وافدًا رجب
جاذبه شوقه إليك فلـمَّا أن رآك أستفرزَّه الطَّرب
وقال عجبًا منه ومقولهإذا تمعنَّته هو العجب
عش يا مليك الزَّمان في دعةفليس للعيش عنك منقلب
وانشدني لنفسه ما كتبه إلى الشريف ابن الزاهد الشاعر البغدادي العلويّ:
إلا أيُّها السَّيِّد الفاطميُّومن هو مفتخر بالحسين
ومن صيَّرته أفاعيلهوآباؤه ثالث الفرقدين
ومن بهدى قوله نهتديهدايتنا بسنى النَّيرين
/ ب/ لك الله من ناظم ناثرعقود النُّهى وعقود اللُّجين
منزُّهة كل شيء حوتبها الزَّين في النَّاس عن كلِّ شين
ملأن يدي بالنَّوال العميموشنَّفت سمعي وأقررت عيني
وقد كنت أذنبت من قبلهافجازيتني منك بالحسنيين
أبت لك أنسابك الحاليات إلاَّ التَّفضُّل في الحالتين
وأنِّي أمرؤ قبلتي في الولاءأبوك المصِّلي إلى القبلتين
فتى كان في بدر بدر الهياجومبدي حنين النِّسا في حنين
ففي هذه هو لي جنَّةوفي تلك أرجو به الجنَّتين
ونقلت من خطّه قوله يمدح بعض الأكابر:
من لسليب الرُّقاد منهبهواري زناد الفؤاد ملتهبه
ممتدِّ ظلِّ الغرام وارفهمنبتِّ حبل السُّلوِّ منقضبه
كان سليمًا فمذ عرضت لهأسلمه شجوه إلى شجبه
وبارزت صبره صبابتهفلم يكن همُّه سوى هربه
/ أ/ وشادن خدُّه تألَّف منضدَّين من مائه ومن لهبه
ينأى ويدنو فحالتي أبدًافي نأيه حالتي وفي كثبه
ماس وماجت أردافه فرأيت الغصن لينًا يميس في كثبه
وأفترَّ عن ثغره الشَّتيت كمايفترُّ كأس الرَّحيق عن حببه
إذا لماه أرتشفته سحرًاوجدت برد الضَّريب في ضربه
ومهمه جبته وقد هرب اللَّيل وجاء الصَّباح في طلبه
بذي سبيب فاز أمرؤ جعل الأسباب موصولةً إلى سببه
كالصَّقر كالحوت كالغزالة فيجريتها كالغزال في خببه
قربني من فتى مخيلتهتبين صدق الرَّجاء من كذبه
ذاك الشِّهاب الَّذي بطلعتهتغنيك في اللَّيل عن سنى شهبه
أسمح من حاتم وأفصح إذيغرب من يعرب ومن عربه
وقل لمن رأم أن يساجلهيملأ سجل العًلا إلى كربه
لا بن نقًا راحه محلِّقةفي الجود ألَّا تبقي على نشبه
يمِّممه يا طالبًا فوائدهفجوده مطلب لمطَّلبه
/ ب/ يعطيك ما لا تكاد تأمله الأنفس من ورقه ومن ذهبه
كلُّ كريم وإن تقدَّمهفإنَّه واطيء على عقبه
كالبحر في الرِّي ماله أثروإنَّما الرِّي في حيا سحبه
القائل القول من لطافتهيكاد يشفي المريض من وصبه
تفيض سود الخطوب منه وقديسودُّ وجه البليغ من خطبه
يرهب أقلامه فتغنيه يوم الرَّوع عن سمره وعن قضبه
تمجُّ أري الصُّديق ساعة مايرضى وشري العدوِّ في غضبه
والله ما تفعل الكتائب ماتفعله المحكمات من كتبه
كم عاطب اوجبت سلامتهوكم سليم ألقته في عطبه
يا قاسمًا حيث كان نائلهبين صعود الورى إلى صببه
عطفًا على عبدك الَّذي نسختراحته بالكثير من تعبه
وهو كما قد علمته رجلأقر أحساءه على سغبه
وداده خالص وليس الوداد المحض في ذوقه كمؤتشبه
وافاك مستشفعًا بحيدرةوبالحماة الكماة من نخبه
/ أ/ ومن يكون الوصيُّ شافعهفهو جدير بحسن منقلبه
ونقلت من خطه قوله ما كتبه إلى بعض الكبراء:
قل للفتى النَّجم الَّذيتعنو له شمس الظَّهيره
ومن أغتدت عيني بهوبما يعانيه قريره
ومن أغتدى لمؤمِّليمعروفه نعم الذَّخيره
يا مخجلًا في النَّظم أخـطله وفضَّاحًا جريره
أنت الَّذي فخرت بهشوس القبيلة والعشيره
مولاي هل لك في أصطناعيمن يد النُّوب المغيره
وترى وأنت ميسِّرعسري بمسعدة يسيره
ومفرِّج عنِّي من الـكرب الصّغيرة والكبيرة
فلقد علمت بأنَّهلم يخف من تغدو ظهيره
وكذاك لا يروى أمرؤروَّته ديمتك الغزيره
وأنا الَّذي فيك أستوتمنه السَّريرة والجهيره
/ ب/ أثني عليك بما عملـت من الصِّفات المستنيره
لا كالَّذي أنقذتهمن غمرة البؤس المبيره
فطوى وقد أظهرتهفينا على ذحل ضميره
وجرى وقد أجريت ماء الرُّوح فيه إلى الجزيره
فأنظر إلىَّ بعين منهو فاقد فينا نظيره
لا خاب من يرجوك بللا خاف من تمسي نصيره
/ أ/
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع