من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه يونس
يونس بن سعيد بن عيسى بن سعد الله، أبو الفضل بن أبي الخير
الخراط الإربليُّ
وقد مرَّ شعر والده في مكانه.
وكان من أهل القرآن الكريم والفضل؛ رجلاً خيرًا متدينًا.
استشهد بإربل في الوقعة المشهورة حين دخلها التتار- خذلهم الله تعالى- بمسجدها الجامع في شوال سنة أربع وثلاثين وستمائة -تغمده الله برحمته ورضوانه- وكان يقول مقطعات صالحة من الشعر.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الصاحب الوزير شرف الدين أبي البركات المستوفي الإربلي ﵁ يهنئه بالعيد:
بأيمن طالعٍ عيدت يا منبطلعته يهنَّأ كلُّ عيد
ولازالت لك الأيَّام عونًامساعفةً على رغم الحسود
ولا برحت صلاتك واصلاتتعمُّ بها القريب مع البعيد
تعوَّد كفك المعروف حتَّىغدا وعطاؤك فوق المزيد
/ ب/ فأنت لكلِّ مكرمة وفضلٍأخٌ ولكلِّ معروف وجود
إذا نحر العدا نعمًا وشاءًفضحِّ ضحى بشانئك الحسود
ولا برحت صلاتك واصلاتتعمُّ بها القريب مع البعيد
تعوَّد كفُّك المعروف حتَّىغدا وعطاؤه فوق المزيد
/ ب/ فأنت لكلِّ مكرمة وفضلٍأخٌ ولكلِّ معروفٍ وجود
إذا نحر العدا نعما وشاءًفضحِّ ضحى بشانئك الحسود
وعش ما شئت كيف تشاء وألبسجديد العمر في الزمَّن الجديد
ووجدت له هذه الأبيات كتبها إلى شرف الدين أبي البركات أيضًا ﵁:
أيا مولاي يا من لا يضاهيبحاتم في السَّماح ولا بمعن
ويا من جوده للناس طرًامع الأوقات في خوفٍ وأمن
بقيت الدَّهر للراجين حتَّىتعمَّ بجودك العافي وتغني
ترى الأنعام هل درجت وشيخيأبي مولاي من ذهبٍ وقطن
وأن ثواب ما تسديه محضًالوجه الله لا طلبًا لمنِّ
فعش واسلم مدى الأعوام والبسجديد العمر في عزٍّ ويمن
يونس بن عليِّ بن رسن بن الحسن بن إبراهيم بن غنيمٍ،
أبو الفيض بن أبي الحسن الدوريُّ
من دور تكريت.
/ أ/ كانت ولادته بها في سادس وعشرين رمضان سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.
وتوفي أيضًا بها سنة ست عشرة وستمائة.
قدم مع والده تكريت وحضر دروس القاضي تاج الدين أبي زكريا يحيى بن عبد الله التغلبي، وقرأ عليه شيئًا من علم المذهب والأدب. وكانت له معرفة حسنة. وحصّل من معرفة الفقه ما يحتاج إليه، وانحدر إلى بغداد مرارًا، ونزل بالمدرسة النظامية وسكنها، واشتغل بها على جماعة من المعيدين. وكتب الكثير من كتب الفقه واللغة وغيرها؛ وفوَّض إليه قاضي القضاة عماد الدين أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن أحمد الدامغاني عقود الأنكحة بالدور. فتولّى ذلك وتولّى أيضًا الخطابة بجامعها أيام الجمع والأعياد.
وأهل الدور يرجعون إليه في وقائعهم وحوادثهم، وما يحتاجون إليه من كتبة الشروط وغير ذلك.
وكان ذا عائلةٍ وفقرٍ صبورًا على الضائقة والمجاهدة ب/ في طلب الرزق
له ولعياله.
وكان يقول شعرًا لينًا سهلاً، ومنه ما كتبه إلى القاضي تاج الدين يحيى بن عبد الله يمدحه، وأنشدها عنده يذكر فيها حاله:
زاد الغرام بقلب المدنف القلقولازمتني هموم الشَّوق والأرق
لمَّا سرى الرَّكب بالأظعان من إضمٍوغودر القلب مملوءًا من الحرق
ناديت حاديهم رفقًا بمن سلبوامنه الرُّقاد ولم يبقوا على رمق
يا حادي الرَّكب لا تعجل على دنفٍأسير ذات اللَّمى المعسول والحدق
أوهى قوى صبره بينٌ ألمَّ بهحينًا فحاوله دهرًا فلم يطق
فليت أيَّامه بالعود عائدةٌوليته لعذاب البين لم يذق
يشتاق نعمان والأجراع من سلمٍوجيرة المنحنى مع عيشه الأنق
يبكي على الغور إن لاح العقيق لهوكيف يجدي بكاء المغرم القلق
أو لاح بارق نجد أو ألمَّ بهخيال محبوبه في ظلمة الغسق
يحنُّ إن سجعت ورقٌ على غصنٍمن الأراك أريج الرِّيح والعبق
لا ير عوى لعذول ظلَّ يعذلهلكنَّه من خمار الشَّوق لم يفق
/ أ/ ويح اللَّيالي لقد أخنت عليَّ بماجنته من فرقه الأحباب والقلق
وشتَّتت شملنا من بعد ألفتهوغادرتني رهين الشُّوق والحرق
فحيث زادت همومي وانقضى جلديولم أجد ملجأ ينجي من الغرق
يمَّمت دوحة تاج الدِّين معتمدًاأرفِّع العيش بين النصِّ والعنق
باب الهداية كهف المستضعفين وهمخير البريَّة في الأقطار والأفق
السَّالكين طريق الحقِّ قاطبةًوالمنقذين من الأنجاس والرَّهق
قومٌ فخارهم فوق السِّماك علابنور عزٍّ من الإجلال متَّسق
أبقى الإله أمير المؤمنين لهمما جاوبت إلفها ورقاء في الورق
النَّاصر العادل الملك الَّذي خضعتله الملوك خضوع المدنف الومق
مولَّى تظلُّ له الأملاك قاطبةًمن سطوة وهي قتلى الغيظ والحنق
لو رام أن يملك الدُّنيا بأجمعها أنــقادت له إنقياد الشَّاء في الرِّيق
مؤيَّدًا بجنود الحقِّ منتصرًابالله لا بالظُّبا والبيض والدَّرق
وأيَّد الله مولانا الإمام فقدفاق الأنام بجود وافرٍ غدق
قاضي القضاة الَّذي شاد العلوم علاًوأظهر الملَّة المحمودة الطُّرق
/ ب/ تاجٌ له في علاء المجد منقبةٌيجوز أدنى علاها رتبة الشَّفق
بنى المكارم للعافين محتسبًاناهيك من أريحيٍّ ماجد طلق
في الرأي قيسٌ وفي الإقدام عنترةٌوفي البلاغة قسُّ المنطق الذِّلق
إذا انتضت كفُّه ماضي اليراع علىمتن الطُّروس بدت بالمنظر الطَّلق
فالله يحفظ مولانا ويعضدهبنجله الطَّاهر العلاَّمة الأفق
ضياء دينٍ سما فوق العباد علىرغم الحسود الشَّقيِّ الماذق الحمق
سمحٌ تعلَّم منه الغيث نائلهيجود بالذَّهب الإبريز والورق
لو سابق المزن في جود في كرمٍلحاز من غير جهد لذَّة السَّبق
مدِّبر الملك لو جاراه في نظرٍكلُّ الملوك لبذَّ الكلَّ في طلق
لازال في نعمة تهمي أناملهبالجود ما سارت الرَّكاب في الغسق
مولاي قلبي رهينٌ في محبَّتكموقد عرتني هموم الشَّوق والأرق
وقد تعلَّقت من دون الورى بكموحقِّ من خلق الإنسان من علق
فأنتم خير أهل الأرض قاطبةًمنكم هداة الورى في الدِّين والخلق
وأنتم ظلُّ ربِّ العالمين ومنيمحو به الله ظلم الخائن النَّزق
/ أ/ وأنتم فرجٌ للمستغيث وقدأشرفت من شدَّة البلوى على الغرق
لازال مجدكم يعلو وذكرٌ كميحلو وبركم كالطَّوق في العنق
ما غرَّدت فوق غصن الأيك ساجعةٌوما انجلت عن ظلامٍ غرَّة الفلق
يونس بن أبي الغنائم بن أبي بكر بن أبي الغنائم بن أبي بكر بن
محمَّدٍ، أبو الفتح المقرئ البغداديُّ
لقيته بحلب شيخًا أسمر قصيرًا سنة أربع وثلاثين وستمائة، وقد استوفى ثمانين سنة، يخضب بالحنا يقرئ بين يدي الجنائز وفي الأعزية، وروى لي عن جماعة من الشعراء المتأخرين مقطعات من منظومهم منها؛ الضياء أبو يعقوب يوسف بن سليمان بن صالح بن رهيج المضري البغدادي المعروف بابن الكتاني، وأبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن أحمد الغساني الجلياني، وأبو الحسن علي بن يحيى بن أبي خازن البغدادي القلانسي، والباز الأشهب أبو عبيد الله علوي بن عبيد الله بن علي بن علوان الحلبي، والرشيد أبو محمد بن بدر النابلسي، وأبو الفوارس عبد الله بن محمد الإسكندري، ب/ والقاضي محيي الدين أبو حامد محمد بن محمد بن عبد الله الشهرزوري.
واستكثر من قول الأشعار ينظمها طبعًا من غير أن يشتغل بشيء من علم العربية، وأقام بحلب مدّة طويلة بعد أن جال في أقطار البلاد. ولم يزل بها مقيمًا إلى أن مات يوم الأربعاء الثالث من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة –رحمه الله تعالى-.
وكان يتعاطى التصنيف ويظن أنه قد رد على أبي الفرج الأصفهاني في كتاب "الأغاني" الذي ألفه، وخطأه في مواضع بزعمه؛ وأنه لم يأت بالشيء على وجهه، وما كان ينبغي له أن يذكر ذلك.
ثم عدّد لي مصنفاته. وكان إذا أنشد شعر نفسه يلحن ولا يقوم إعراب بيتٍ البتة؛ إلاَّ أنه كان عنده كياسة ومفاكهة إذا شرع في كلام ومحاورة.
وله أشعار كثيرة قصد بها الأماثل والكبراء ممتدحًا إلاَّ أنَّني استبردتها لما فيها من الرثاثة والركة واضطراب المعاني والألفاظ.
وحدثني –رحمه الله تعالى- قال: كنت بقلعة حلب، وهنالك جماعة أ/ من الفضلاء والشعراء، فأمرهم صاحب الديوان يومئذ أن ينظم أحد منهم بيتين من الشعر؛ لتكتب على قبر السلطان الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي بن يوسف مليكها –رحمه الله تعالى- فانزويت إلى ناحيةٍ، وأعملت فكرتي وأنشأت هذين البيتين وهما:
حرامٌ على من زار قبري ولم يقلسقى الله هذا القبر صوب السَّحائب
كما كنت إن ضنَّ الغمام بجودهأتيت بأنوع النَّدى والرَّغائب
وأنشدني لنفسه فيمن ينتف لحيته:
وللأصيل ذوا عدلٍ تقوم لهبشاهد الحبِّ من بدوٍ ومن حضر
تنظيف لحنٍ إذا ما ضلَّ ينشدناشعرًا وتنظيف خدَّيه من الشَّعر
وأنشدني لنفسه يقتضي وعدًا:
أذِّكره لا خيفةً أن يفوتنيرجاءٌ وإن لم أقتضيه فينساني
ولكنَّني أخبرته أن منطقييكنُّ ثنائي حيث سرِّي وإعلاني
/ ب/ يونس بن موسى، أبو الوليد الأنصاريُّ
من أهل سلا من بلاد المغرب.
كان شاعرًا منتجعًا نحويًا فاضلاً. صار إليّ من شعره هذه القصيدة يمدح بها الأمير شمس الدين محمود بن قليج الحلبيَّ:
أمللت سمعي من عذلٍ بتنديدفبعض شانيك من لومٍ وتقنيد
قد كنت تبقى وإن لم تبق من شفقٍلو كان قلبك في أحشاء معمود
لا درَّ درُّك من لاح ألحَّ علىضعفي وجار على ليني بتشديد
أما نهاك ضني وجد منيت بهأبلى شبابي من سقمٍ بتجديد
في ذمَّة الله نفسٌ ما يذمُّ لهاخلقٌ وإن غرَّ من طرف ومن جيد
وفي رضا الحب قلبٌ قلَّبته علىجمر الغضا خطرات الخرَّد الغيد
سنحن يوم الكثيب الفرد من كثبٍوما سمحن لنا إلا بتبعيد
يخفضن في المشي من خطو وقد رفعتحمر القباب على الحمر الجلاعيد
بيضٌ أوانس في سرب أوانسهشرَّدن نومي عن عيني بتسهيد
بدور حسنٍ حوتهنَّ الخدور وقدأشرقن في الكثب من قضبٍ أماليد
/ أ/ يحملن درًا ثوى فيهن من صدفٍطاف ببحر سراب غير مورود
يا للبراقع كم فيهنَّ من قمرسار وسرِّ جمال فوق توريد
ومن عيون نفثن السِّحر في كبديكالسُّمِّ تجنيه من بنت العناقيد
عدمت صبري أنِّي قد وجدت بهما ضلَّ من جزعٍ عنِّي وتبليد
فكيف أبقى على ما بي وها رمقييفنى بفنَّين معدومٍ وموجود
أما الفراق فأرمي في النوى ورمىخدَّيَّ من فيض أجفاني بتخديد
ولجَّ فابتزَّ أوطاني وأوطانيمواطئ العسف من همٍّ وتنكيد
بعدٌ من المغرب الأقصى لمشرقهيقرِّب العيس من وخدٍ ومن بيد
كأنَّ في كلِّ قطر لي مدى أربلا يقتضي بسوى المهريَّة القود
تغرُّب ومشيبٌ نازلٌ وأسىًبرحٍ وفقد حبيب غير مردود
وساءني أنَّ عمري ضاع أكثرهبين اللَّئام ولم أظفر بمقصود
ولا حمدت رحيلي لا ولا زمنيحتَّى حللت بشمس الدِّين محمود
وقال أبو النجم فرقد بن عبد الله بن ظافر بن عبد الواحد الكناني الإسكندري، أنشدني ب/ أبو الوليد يونس بن موسى الأنصاري السلائي لنفسه؛ لما رجع الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف من محاصرة دمشق إلى حلب خائبًا. وكان
معه ابن الحصين الوزير، وابن أخته النظام أبو المؤيد محمد بن الحسين الطغرائي –وكان أحول- والقاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الموصلي، ويعرفه الفقهاء بالأحمر. وكان الوزير ابن الحصين أجهز العينين:
قل للمليك الظَّاهر استبصردهيت في الملك ولم تشعر
بالأجهر المطرود من واسطوالأحول المشؤوم والأحمر
ثلاثةٌ لو برزوا دفعةًللشمس أو للبدر لم تظهر
ولو تولَّى واحدٌ منهمتدبير ذي القرنين لم ينصر
الأجهر: الذي لا ينظر للشمس.
/ أ/
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع