من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر أبي الشيص
أبو الشيص كان شاعراً مجيداً في كثرة البكاء على سالف أيامه، ومدح الرشيد وولد محمد بن الأشعث الخزاعي. وهو ودعبل من الكوفة. وفي أول ما اشتهر بالشعر قال قصيدته التي مدح بها عقبة بن جعفر بن محمد:
ألقى الزمانُ به ندوبَ عضاضِ
وعرض هذه القصيدة على بشار، فقال له بشار: قد بقيت قافية إن علمتها فأنت شاعر، قال: وما هي؟ قال: المقراض، فأنشده:
وجناحِ مقصوص تحيفَ ريشهُريبُ الزمانِ، تحيفَ المقراضِ
فقال له: أنت أشعر أهل عصرك. وهذه القصيدة تفضل على كل قصيدة نظمت في وزنها، وفيها معان نادرة منها:
لا تنكري صدي ولا إعراضيليسَ المقلُّ على الزمانِ براضِ
وعصائبٍ صرفت إليكَ وجوههانكباتُ دهرٍ للفتى، عضاضِ
شدوا بأعوادِ الرحالِ مطيهمْمن كلِّ أهوجَ للحصى رضاضِ
أكل الوجيفُ لحومها ولحومهمفأتتكَ أنقاضاً على أنقاضِ
ومثله قول ابن الأحنف:
أنضاءَ شوقٍ على أنضاءِ أسفارِ
ومثله:
رأتْ نضوَ أسفارٍ أميمةُ شاحباًعلى نضوِ أسفارٍ، فجنَّ جنونها
ومن القصيدة الضادية:
إنَّ الأمان من الزمانِ وريبهِيا عقبَ شطا بحركَ الفياضِ
ومن معانيه المستحسنة:
أتى الموتُ عدلَ الموتِ في سطواتهِفيا منْ رأى موتاً على الموتِ أقدما
أخذه ابن جبلة فقال يرثي حميداً:
حمامٌ رماهُ من خصاصة أمنهِحمامٌ، كذاك الخطبُ بالخطبِ يقرعُ
وأخذه البحتري فقال:
حتوفٌ أصابتها الحتوفُ، وأسهمٌمن الموتِ، كرَّ الموتُ فيها بأسهمِ
ومنه قوله يرثي الرشيد، ويمدح الأمين حين قام:
جرتْ جوارٍ بالنحسِ والسعدِفالناسُ في وحشةٍ وفي أنسِ
والعين تبكي والسنُّ ضاحكةٌفنحن في مأتمٍ، وفي عرسِ
يضحكنا القائمُ الأمين، وتبكينا وفاةُ المهديِّ بالأمسِ
بدرانِ: بدرٌ أضحى ببغداد فيالخلدِ، وبدرٌ بطوسَ في الرمسِ
ومن مختار شعره:
أشاقكَ والليلُ ملقي الجرانِ
وهي إحدى النونيات، ويصف فيها ساقياً ويقول:
يطوفُ علينا بها أغيدٌيداه من الكأسِ مخضوبتانِ
غزالٌ تميلُ بأردانهِقناةٌ تعطف كالخيزرانِ
ومنها في المدح:
إلى ملكٍ من بي هاشمٍكريمِ الضرائب، سبطِ اليدانِ
فتى البأس للجودِ في كفهمن البحرِ عينان نضاحتانِ
ومن مختار شعره:
للهِ أنتَ، أبا بشرٍ، إذا برزتْسوقُ النساءِ، ولاح القلبُ والقرطُ
وأبرزَ الخدر من ثنييهِ بيضتهُواعجلَ الروعَ نصلُ السيف يخترطُ
فثمَّ تفديكَ منا كلُّ غانيةٍوالكهلُ تفديك، والمولودُ، والشمطُ
وأنتَ أصلبهم عوداً، إذا عجمواوأنتَ أرحبهمْ باعاً إذا اختبطوا
ومن شعره:
كريمٌ يغضُّ الطرف فضلُ حياتهِويدنو، وأطراف الرماحِ دوانِ
وكالسيفِ إن لاينته لاَنَ حدهُوحداهُ، إن خاشنتهُ خشنانِ
ومما يستطرف من شعره:
جاريةٌ تسحرُ عيناهاأسفلها يجذبُ أعلاها
أصبحتُ أهواها، وأهوى الردىلكلِّ منْ أصبحَ يهواها
نفسي على أمرينِ مطبوعةٌمن حبها، أو بغضِ ملاها
قد ملكتني، وهي مملوكةٌفصرتُ أخشاهُ وأخشاها
وأول هذا المعنى لأبي دلامة:
إني أراني سوفَ أصبحُ ميتاًأولا، فأصبحُ ثمَّ لا أمسي
من حبِّ جاريةِ الجنيد، وبغضهِكلاهما قاضٍ على نفسي
فكلاهما يشفى به سقميفإذا تكلمَ عادَ لي نكسي
أخذه الآخر فقال:
لي مولىً يسيءُ ملك العبيدِمخلفُ الوعدِ، منجزٌ للوعيدِ
ليَ من حبهِ، ومن بغضِ مولاهُ بلاءٌ، ما فوقهُ من مزيدِ
ومن شعر أبي الشيص:
ما فرقَ الأحبابَ بعدَ الله إلا الإبلُ
والناسُ يلحونَ غرابَ البينِ لما جهلوا
وما على ظهر غرابِ البين تمطى الرحلُ
ولا إذا صاحَ غرابٌ في الديار احتملوا
وما غرابُ البين إلاناقةٌ، أو جملُ
وهذا المعنى من قول عوف الراهب:
غلطَ الذين رأيتهمْ بجهالةٍيلحونَ كلهمُ غراباً ينعقُ
ما الذنبُ إلا للجمالِ، فإنهامما تشتُّ جميعهمْ، وتفرقُ
إنَّ الغرابَ بيمنهِ تدنو النوىوتشتُّ بالشملِ الجميعِ الأينقُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع