من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر دعبل بن علي بن رزين
دعبل أكثر القوم شعراً، هو وأبو الشيص بحران. واسم دعبل محمد ودعبل لقب، يقال: هو الناقة الهرمة. وقل أحمد بن يحيى: إنه مشتق من الدعابة، أو الناقة السمينة. وكان دعبل، مع جودة شعره وفخامة لفظه، رجلاً ذا همة ونبل في نفسه، ويهجو من الخلفاء فما دون، وكان شعره أكثر من شعر نظرائه. وقيل: كان عند ولده الحسين من شعره ستة مجلدات ضخمة، في كل مجلد ثلاثمائة ورقة، وشعره قليل السقط. وسئل عبد الله بن مسلم عن جيد شعره، فقال: القصيدة القديمة قوله:
أفيقي من ملامكِ يا ظعينا
وهي القصيدة التي يرد فيها على الكميت، في قصيدته التي يقول فيها:
ألا حييتِ عنا يا مدينا
وكان دعبل عالماً بصيراً بالغريب والأخبار وأيام العرب، وشعره يدل على ذلك. وكان معاصراً لأبي نواس ومسلم. وقال دعبل: اجتمعت أنا وأبو الشيص ومسلم وأبو نواس في مجلس، فقال لنا أبو نواس: إن مجلسنا هذا قد شهر باجتماعنا فيه، ولا بد للناس أن يسألوا على ما انعقد وعلى ما انحل، فليأت كل امرئ بأحسن ما قاله. فأنشد أبو الشيص:
وقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليسَ ليمتأخرٌ عنهُ، ولا متقدمُ
وأهنتني، فأهنتُ نفسي جاهداًما من يهونُ عليكِ ممن أكرمُ
أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةًحباً لذكركِ، فليلمني اللومُ
فجعل أبو نواس يعجب من حسن الشعر. فأنشد مسلم من شعره:
موفٍ على مهجٍ في يومِ ذي رهجٍكأنه أجلٌ يسعى إلى أملِ
تكسو السيوفُ نفوسَ الناكثينَ بهِوتجعلُ الروسَ تيجانَ القنا الذبلِ
فقال أبو نواس: هذا الشعر الذي لم يقل قبلك مثله ولا يقول بعدك. ثم قال له: كأني بك وقد جئتنا بواسطة عقدك. وانشد دعبل:
لا تعجبي يا سلمَ من رجلٍضحكَ المشيبُ برأسهِ فبكى
أين الشبابُ؟ وأيةً سلكا؟لا أينَ يطلب؟ ُ ضلَّ، بل هلكا
قصرَ الغوايةَ عن هوى قمرٍوجدَ السبيلَ إليهِ مشتركا
فقال: كأنك كنت في نفسي. فسألناه أن ينشد، فأنشد:
لا تبكِ ليلى، ولا تطربْ إلى هندِوأشربْ على الوردِ من حمراءَ كالوردِ
كأساً إذا انحدرتْ من حلقِ شاربهاأحذتهُ حمرتها في العينِ والخدِّ
فالخمرُ ياقوتةٌ، والكأسُ لؤلؤةٌمن كفِّ لؤلؤةٍ، ممشوقةِ القدِّ
تسقيكَ من عينها سحراً، ومن يدهاسكراً، فما لكَ من سكرينِ من بدِّ
لي نشوتانِ، وللندمانِ واحدةٌشيءٌ خصصتُ بهِ، من دونهم، وحدي
فقمنا، فسجدنا له، فقال: افعلتموها؟ والله لا كلمتكم ثلاثاً، وثلاثاً، وثلاثاً.
ومع ما ذكرنا من غزارة شعر دعبل، فيحسن أن نذكر له الأبيات التي تحتوي على الأمثال، أو تصلح للمذاكرة. فمن شعره إلى المأمون:
أيسومني المأمونُ خطة عاجزٍأوما رأى، بالأمسِ، رأسَ محمدِ؟
نوفي على هام الخلائفِ مثلماتوفي الجبالُ على رؤوسِ القرددِ
ونحلُّ في أكنافِ كلِّ ممنعٍحتى نذللَ شاهقاً لم يصعدِ
إني من القوم الذينَ همُ همُقتلوا أخاكَ، وشرفوكَ بمقعدِ
شادوا بذكركَ بعدَ طولِ خمولهِواستنقذوكَ من الحضيضِ الأوهدِ
كم من كريمٍ قبلهُ، وخليفةٍأضحى لنا دمهُ لذيذَ المقصدِ
مثل ابن عثمان، ومثل وليدهمأو مثل مروانٍ، ومثل محمدِ
وإنما فخر برأس محمد لأن طاهر بن الحسين قتله، وطاهر مولى خزاعة، وكان جده زريق مولى عبد الله بن خلف الخزاعي، وهو أبو طلحة الطلحات، وعثمان سارت إليه اليمانية من مضر، والوليد قتله يزيد بن خالد القسري، ومروان قتله عامر بن إسماعيل.
وقال قتم بن جعفر بن سليمان: بينا أنا في مجلس المأمون، إذ جرى ذكر دعبل، فقال إبراهيم بن المهدي: يا أمير المؤمنين اقطع لسانه واضرب عنقه، قال: ولم؟ قال: لأنه هجاك، قال: وإن هجاني فما أباح الله دمه بهجائي. فقال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين، إنه قد هجا إبراهيم، قال: بماذا؟ فأنشده:
أنى يكونُ، ولا يكونُ، ولم يكنْيرثُ الخلافة فاسقٌ عن فاسقِ
إنْ كان إبراهيمُ مضطلعاً بهافلتصلحنْ، من بعدهِ، لمخارقِ
فقال المأمون: حسبك. ثم قال: يا ثابت، هل تحفظ ما هجاني به، فقلت: لا والله، فقال: لا بد أن تجيئني بما هجاني به، وإلا رأيت مني ما تكره، وأنا مقيم على ذلك. قال: فانصرفت ولم تكن لي همة إلا تحصيل شيء من ذلك، فحصلت لي القطعة الدالية، فكتبتها في رقعة، وجئت بها، فنظرها وهي بين إصبعي، فقال لي: هذه الورقة حاجة ذاك الرجل؟ فقلت: نعم، فاخذها وقرأها وكررها، ثم لما وصل إلى قوله:
شادوا بذكركَ بعدَ طول خمولهواستنقذوكَ من الحضيضِ الأوهدِ
قال: يا قوم، رأيتم أظلم من دعبل؟ ومتى رآني هذا الحضيض، وأنا رضيع الخلافة، وما زلت منذ نشأت خليفة، إلا أن القدر صدفها تلك المدة، وكنت مالك البلاد. ثم القى القرطاس، وقال: شأنك، فقد علمنا ما فيه.
وحدث محمد بن موسى الحمال، قال: رأيت دعبلاً عند خشبة بابك، وهو واقف، فقلت: ما تصنع يا ابا علي، فأنشد:
الحمدُ للهِ لا صبرٌ ولا جلدُولا رقادٌ، إذا أهلُ الهوى، رقدوا
خليفةٌ ماتَ لم يحزنْ له أحدٌوآخرٌ قامَ لم يفرحْ بهِ أحدُ
قد مرَّ هذا، فمرَّ الشؤمُ يتبعهُوقامَ هذا، فقامَ الشؤمُ والنكدُ
عني بما قاله: أن المعتصم مات، وقام الواثق. فقلت: يا هذا أمسك عليك لسانك، فكأني اراك سوف تجني على نفسك جناية، فقال: دعني، فأني أتصدق من ربي خشبة أصلب عليها من عشرين سنة، فما جاد لي بها. ولما قتل الواثق أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي وصلبه، قال دعبل:
بني مالكٍ صونوا الجفونَ عن الكرىولا ترقدوا بعدَ ابنِ نصرِ بن مالكِ
فقد حملتهُ للقبورِ مطيةٌأنافتْ بهاديهِ على شخصِ بابكِ
وسلوا من الأجفانِ كلَّ مهندٍبصيرٍ بضربٍ للطلى متداركِ
يقومُ به للهاشمياتِ مأتمٌله ضجةٌ يبكي بها كلُّ ضاحكِ
تذكرهم قتلى ببدرٍ تنوشهمْسباعٌ وطيرٌ من سباعٍ بواركِ
كما فتكتْ أسيافهمٍ بمحمدًوهدتٍ مباني عرشهِ المتماسكِ
فطلَّ دمُ المخلوعِ، وانتهكتْ لهذخائرُ من منقوشةٍ، وسبائكِ
فأنْ غصَّ هارونٌ بجرعةِ عمهِفأيسرُ مفقودٍ، وأهونُ هالكِ
وله أيضاً:
نعوني، ولما ينعني غيرُ حاسدٍوغيرُ عدوٍّ قد أصيبتْ مقاتلهْ
يقولون: إن لاقى الردى ماتَ شعرهُوهيهاتَ عمرُ الشعرِ طالت طوائلهْ
وهبْ شعرهُ، إن ماتَ، ماتَ فأينَ ماتحملهُ الراوون والخطُّ حابلهْ؟
سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناسُ صدقهُويكثرُ من أهل الروايةِ ناقلهْ
يموتُ رديءُ الشعرِ من قبل موتهِوجيدهُ يبقى، وإنْ ماتَ قائلهْ
ومن معاني دعبل، وإن كانت موجودة، قوله:
وإذا حلمتَ فأعطِ حلمكَ كنههُمستأنياً، وإذا كويتَ فأنضجِ
وإذا التمستَ دخولَ أمرٍ فالتمسْمن قبل مدخلهِ سبيلَ المخرجِ
ومنه قوله:
فلا تحسدِ الكلبَ أكلَ العظامِفعندَ الخراءةِ ما ترحمهُ
تراهُ وشيكاً تشكى آستهُكلوماً جناها عليهِ فمهُ
إذا ما أهانَ امرؤٌ نفسهُفلا أكرمَ اللهُ من يكرمهُ
وأول هذا المعنى لحاتم في قوله:
ونفسك أكرمها، فإنكَ إنْ تهنْعليكَ، فلنْ تلقى لها، الدهرَ، مكرما
وقال زهير:
ومنْ لا يكرمْ نفسهُ لا يكرمِ
ومثل ذلك:
وكان غنيَّ النفسِ أيام فقرهِفصارَ فقيراً في الغنى، خيفةَ الفقرِ
بخلتَ بما آتاكَ ربكَ خيفةًمن العسرِ، ويكَ الآن صرتَ إلى العسرِ
ولابن عباد المهلبي:
تجودُ بالمالِ على وارثٍولا ترى أهلاً لهُ نفسكا
قدمَ حسنَ الظنّ بالله منجادَ، وأخطا الظنَّ منْ أمسكا
وله أيضاً:
فأقسمتُ: لا عنْ جفوةٍ، لا ولا قلىًولا مللٍ أبطأتُ عنكَ أبا بكرِ
ولكنني لما رأيتكَ زائراًفأفرطتَ في بري، عجزتُ عن الشكرِ
فملآنَ لا آتيكَ إلا مسلماًأسلم في الشهرين يوماً، وفي الشهرِ
فانْ زدتني براً تزيدتُ جفوةًفلا نلتقي، طولَ الحياةِ، إلى الحشرِ
المعنى مأخوذ من أبي نؤاس:
قد قلتُ للعباسِ معتذراًمن ضعفِ شكريهِ، ومعترفا
أنتَ امرؤٌ جللتني نعماًأوهتْ قوى شكري، فقد ضعفا
لا تسدينَّ إليَّ عارفةًحتى أقومَ بشكرِ ما سلفا
وقال البحتري:
أخجلتني بندى يديكَ، فسودتْما بيننا تلكَ اليدُ البيضاءُ
صلةٌ غدتْ في الناسِ وهي قطيعةٌعجباً، وبرٌ راحَ وهو جفاءُ
وقيل في صفة جولان القوافي:
ألستُ إذا ما قلتُ بيتاً تناوحتْبهِ الريحُ في شرقيها والمغاربِ
يقصرُ للسارينَ من ليلةِ السرىويغدى عليه بالقيانِ الضواربِ
ولدعبل في المعنى:
من كلِّ عابرةٍ إذا وجهتهاطلعتْ بها الركبانُ كلَّ نجادِ
طوراً يمثلها الملوكُ، وتارةًبين الثديِّ تراضُ والأكبادِ
ولمروان بن أبي حفصة:
إني أقولُ قصائداً جوالةًأبداً تجولُ خوالعاً أرسانها
من كل قافيةٍ إذا أجريتهاجمحتْ، فلم تملكْ يدايَ عنانها
ولبشار:
ومثلكَ قد سيرتهُ بقصيدةٍفسارَ، ولم يبرحْ عراصَ المنازلِ
رميتُ بها شرقاً وغرباً فأصبحتْبه الأرضُ ملآى من مقيمٍ وراحلِ
وما أحسن قول ابن حازم:
أبى لي أن أطيلَ الشعرَ قصديإلى المعنى، وعلمي بالصوابِ
فأبعثهنَّ أربعةً وستاًمثقفةً بألفاظٍ عذابِ
وهنَّ إذا وسمتُ بهنَّ قوماًكأطواقِ الحمائمِ في الرقابِ
وهنَّ إذا أقمنَ مسافراتتهاداها الرواة مع الركابِ
وقول البحتري:
وأنا الذي أوضحتُ غيرَ مدافعٍنهجَ القوافي، وهي رسمٌ دارسُ
وشهرتُ في شرقِ البلادِ وغربهافكأنني في كلِّ نادٍ جالسُ
ولبعضهم:
فلا تبعدني من نداكَ فإنَّ ليلساناً ملا الدنيا، وأنتَ ابنُ خالدِ
وكان دعبل صاحباً للفضل بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن عقبة، مكلم الذئب الخزاعي، وغزا كابل وافتتحها، ودعبل يدل عليه لأنه أدبه، فعاتبه في جملة قصيدة، قال:
ألا أيها القطاعُ هل أنتَ عارفٌلنا حرمةً، أمْ قد نكرتَ التحرما
فهلا بطوسٍ، والبلادُ حميدةٌتعولُ الليالي والمطيَّ المرسما
وأسلمتني من بعد ما صوحَ الكلاوغاضتْ بقايا الحسي، والمزنُ أنجما
ستعلمُ إن راجعتَ نفسكَ أوسختْعن الضفِّ يوماً: أينا كان ألوما
قال دعبل الخزاعي: حججت أنا وأخي رزين، وأخذنا كتباً إلى المطلب، صاحب مصر، فصرنا من مكة إلى مصر، فصحبنا رجل يعرف بأحمد بن السراج، ما زال يحدثنا ويؤنسنا ويتولى خدمتنا، وكان شاعراً، وكتمنا نفسه.
فعرضنا عليه أن يقول في المطلب قصيدة ننحله إياها، فقال: إن شئتم. فعملنا له قصيدة، فلما دخلنا إلى المطلب وأوصلنا إليه الكتب التي كانت معنا، وأنشدنا ووصفنا له أحمد بن السراج، فأذن له، ونحن نظن أن سينشده القصيدة التي نحلناه إياها. فلما مثل بين يديه عدل عنها وأنشده:
لم آتِ مطلباً إلا لمطلبِوهمةٍ بلغتْ بي غايةَ الرتبِ
أفردتهُ برجائي أن تشاركهُفي الوسائلُ، أو ألقاهُ بالكتبِ
رحلتُ عنسي إلى البيت الحرام علىما كان من نصبٍ فيها، ومن وصبِ
ألقى بها وبوجهي كلَّ هاجرةٍتكادُ تقدحُ بينَ الجلدِ والعصبِ
حتى إذا ما قضتْ حاجاً ثنيتُ لهاعطفَ الزمامِ فأمتْ سيدَ العربِ
فيممتكَ وقد ذابتْ مفاصلهامن طولِ ما تعبٍ لاقت ومن نصبِ
إني استجرتُ بأستارينِ مستلماًركنين: مطلباً والبيتَ ذا الحجبِ
فذاك للأجلِ المرجو آملهُوأنتَ للعاجلِ المرجو والطلبِ
هذا ثنائي، وهذي مصرُ سانحةًوأنتَ أنتَ، وقد ناديتُ من كثبِ
قال: فصاح المطلب: لبيك، لبيك ثم قام وأخذ بيده وأجلسه معه، واستدعى بالبدر فأحضرت، ثم الخلع فنشرت، فأمن له بذلك ما ملأ عينه، وحسدناه على ذلك.
ولدعبل:
فأنتَ إذا ما التقوا آخرٌوأنتَ إذا انهزموا أولُ
وعاديتَ قوماً فما ضرهمْوقدمتَ قوماً فلم ينبلوا
إذا الحربُ كنتَ أميراً لهافحظهمُ منكَ أنْ يقتلوا
شعاركَ في الحربِ يومَ الوغىإذا انهزموا: عجلوا، عجلوا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع