تجاوز إلى المحتوى

من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

حاتم بن عبد الله الطائى

فيه ٣٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، من طيّئ، وأمّه عنبة بنت عفيف، من طيئ.

وكان جوادا شاعرا جيد الشعر، وكان حيث ما نزل عرف منزله.

وكان ظفرا، إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذ أسر أطلق.

ومرّ فى سفره على عنزة، وفيهم أسير، فاستغاث به الأسير، ولم يحضره فكاكه، فاشتراه من العنزيّين، وأقام مكانه فى القدّ حتّى أدّى فداءه. وقسم ماله بضع عشرة مرّة. وكان أقسم بالله لا يقتل واحد أمّه.

قال أبو عبيدة: أجواد العرب ثلاثة: كعب بن مامة، وحاتم طيئ، (وكلاهما ضرب به المثل)، وهرم بن سنان صاحب زهير.

وكانت لحاتم قدور عظام بفنائه، لا تنزل عن الأثافىّ. وإذا أهلّ رجب نحر كلّ يوم وأطعم.

وكان أبوه جعله فى إبل له وهو غلام، فمرّ به عبيد بن الأبرص وبشر بن أبى خازم والنابغة الذّبيانىّ، وهم يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من إبله، وهو لا يعرفهم، ثم سألهم عن أسمائهم، فتسمّوا (له)، ففرّق فيهم الإبل كلّها، وبلغ أباه ما فعل، فأتاه فقال له: ما فعلت الإبل؟ فقال: يا أبه، طوّقتك مجد الدهر طوق الحمامة، وأخبره بما صنع، فقال له أبوه: إذا لا أساكنك أبدا ولا أوويك، قال حاتم: إذا لا أبالى، فاعتزله.

وكانت أمّه عنبة لا تليق سيئا سخاء وجودا، وكان إخوتها يمنعونها من ذلك فتأبى (عليهم)، وكانت موسرة، فحبسوها فى بيت سنة يرزقونها قوتا، لعلّها تكفّ عمّا كانت عليه إذا ذاقت طعم البؤس وعرفت فضل الغنى، ثم أخرجوها ودفعوا إليها صرمة من مالها، فأتتها امرأة من هوازن فسألتها، فقالت (لها): دونك الصرمة، فقد، والله، مسّنى من الجوع ما آليت معه ألا أمنع الدهر سائلا شيئا! ثم أنشأت تقول:

لعمرى لقدما عضّنى الجوع عضّةفآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا
فقولا لهذا اللّائمى الآن أعفنىوإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا
ولا ما ترون اليوم إلّا طبيعةفكيف بتركى، يا ابن أم، الطّبائعا

قال عدىّ بن حاتم: كان حاتم رجلا طويل الصمت، وكان يقول:

إذا كان الشىء يكفيكه التّرك فاتركه.

وقالت النّوار امرأته: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض، واغبرّ أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنّت المراضع عن أولادها فما تبضّ بقطرة، وجلفت السنة المال، وأيقنّا أنّه الهلاك. فو الله إنى لفى ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطّرفين، إذ تضاغى أصيبيتنا من الجوع، عبد الله وعدىّ وسفّانة، فقام حاتم إلى الصبيّين، وقمت إلى الصبيّة، فو الله ما سكنوا إلّا بعد هدأة من الليل، ثم ناموا ونمت أنا معه، وأقبل يعلّلنى بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلمّا تهوّرت النجوم إذا شىء قد رفع كسر البيت، فقال: من هذا؟ فولّى ثم عاد، فقال: من هذا؟ فولّى ثم عاد فى آخر الليل، فقال: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند أصيبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع، فما وجدت معوّلا إلّا عليك أبا عدىّ، فقال:

والله لأشبعنّهم، فقلت: من أين؟ قال: لا عليك، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإيّاهم، فأقبلت المرأة تحمل ابنين ويمشى جانبيها أربعة، كأنّها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبّته بمديته، فخرّ، ثم كشطه، ودفع المدية إلى المرأة فقال: شأنك (الآن)، فاجتمعنا على اللحم، فقال: سوأة! أتأكلون دون الصّرم؟! ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول؛ هبّوا أيّها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله ما ذاق منه مزعة، وإنه لأحوج إليه منّا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس، إلّا عظم أو حافر، (فعذلته على ذلك)، فأنشأ حاتم يقول:

مهلا نوار أقلّى اللّوم والعذلاولا تقولى لشىء فات: ما فعلا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «مهلا نوار أقلي اللوم والعذل»
ولا تقولى لمال كنت مهلكهمهلا، وإن كنت أعطى الجنّ والخبلا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «مهلا نوار أقلي اللوم والعذل»
يرى البخيل سبيل المال واحدةإنّ الجواد يرى فى ماله سبلا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «مهلا نوار أقلي اللوم والعذل»
لا تعذلينى فى مال وصلت بهرحما، وخير سبيل المال ما وصلا

وأتى حاتم ماويّة بنت عفزر يخطبها، فوجد عندها النابغة الذّبيانىّ ورجلا من النّبيت يخطبانها، فقالت لهم: انقلبوا إلى رحالكم، وليقل كلّ رجل منكم شعرا يذكر فيه فعاله ومنصبه، فإنى متزوّجة أكرمكم وأشعركم، فانطلقوا، ونحر كلّ رجل منهم جزورا، ولبست ماويّة ثيابا لأمة لها واتّبعتهم، فأتت النّبيتىّ فاستطعمته، فأطعمها ذنب جزوره، فأخذته، وأتت النابغة فأطعمها مثل ذلك، فأخذته، وأتت حاتما وقد نصب قدوره، فاستطعمته، فقال: انتظرى حتّى تبلغ القدر إناها، فانتظرت حتى بلغت، فأطعمها أعظما من العجز وقطعة من الحارك، ثم انصرفت، وأهدى إليها النابغة والنّبيتىّ ظهرى جزوريهما، وأهدى إليها حاتم مثل ما أهدى إلى امرأة من جاراته، وصبّحوها، فاستنشدتهم، فأنشدها النّبيتىّ:

هلّا سألت، هداك الله، ما حسبىعند الشّتاء إذا ما هبّت الرّيح
وردّ جازرهم حرفا مصرّمةفى الرّأس منها وفى الأنقاء تمليح
إذا اللّقاح غدت ملقى أصرّتهاولا كريم من الولدان مصبوح

ثم استنشدت النابغة فأنشدها:

هلّا سألت بنى ذبيان ما حسبىإذا الدّخان تغشّى الأشمط البرما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»
وهبّت الريح من تلقاء ذى أرلتزجى مع الصّبح من صرّادها صرما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»
إنى أتمّم أيسارى وأمنحهممثنى الأيادى وأكسو الجفنة الأدما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»

ثم استنشدت حاتما فأنشدها:

أماوىّ إنّ المال غاد ورائحويبقى من المال الأحاديث والذّكر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
أماوىّ إنى لا أقول لسائلإذا جاء يوما: حلّ فى مالنا نذر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
أماوىّ إمّا مانع فمبيّنوإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
أماوىّ إن يصبح صداى بقفرةمن الأرض لا ماء لدىّ ولا خمر
ترى أنّ ما أنفقت لم يك ضرّنىوأنّ يدى ممّا بخلت به صفر
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتماأراد ثراء المال كان له وفر
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «علا لك ذكر لا يشابهه ذكر»

فلمّا فرغ من إنشاده دعت ماويّة بالغداء فقدّم إلى كلّ رجل ما كان أطعمها، فنكّس النّبيتىّ والنابغة رؤوسهما، فلمّا رأى حاتم ذلك رمى بالذى قدّم إليهما، وأطعمهما ممّا قدّم إليه، فتسلّلا لواذا، فتزوّجت حاتما. (وفيها يقول:

وإنى لمزجاء المطىّ على الوجىوما أنا من خلّانك ابنة عفزرا
فلا تسألينى واسألى: أىّ فارس؟إذا الخيل جالت فى قنا قد تكسّرا
وإنى لوهّاب قطوعى وناقتىإذا ما انتشيت، والكميت المصدّرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
وإنى كأشلاء اللّجام، ولن ترىأخا الحرب إلّا ساهم الوجه أغبرا
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «حننت إلى الأجبال أجبال طيئ»
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّهاوإنّ شمّرت يوما به الحرب شمّرا

وكانت من بنات ملوك اليمن. ويقال إن عدىّ بن حاتم منها، ويقال: بل عدىّ وعبد الله وسفّانة من النّوار. وعقب حاتم من ولد عبد الله، وليس لعدى عقب من الذكور.

ومما سبق إليه (فأخذ منه) قوله:

إذا كان بعض المال ربّا لأهلهفإنى بحمد الله مالى معبّد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد»

أخذه حطائط بن يعفر فقال:

ذرينى أكن للمال ربّا، ولا يكنلى المال ربّا، تحمدى غبّه غدا
للشاعر الحطائط بن يعفر النهشلي، اقرأ القصيدة
أرينى جوادا مات هزلا، لعلّنىأرى ما ترين. أو بخيلا مخلّدا
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أريني جواداً مات هزلاً لعلني»

ويستحسن له قوله:

ألا أبلغا وهم بن عمرو رسالةفإنّك أنت المرء بالخير أجدر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أبلغا وهم بن عمرو رسالة»
رأيتك أدنى من أناس قرابةوغيرك منهم كنت أحبو وأنصر
إذا ما أتى يوم يفرق بيننابموت، فكن أنت الّذى يتأخّر

ومن شعره:

فإنّك إن أعطيت بطنك سؤلهوفرجك، نالا منتهى الذّمّ أجمعا

وتذكر طيّئ أن رجلا يعرف بأبى خيبرىّ مرّ بقبر حاتم، فنزل به، وبات يناديه: يا أبا عدىّ اقر أضيافك! فلمّا كان فى السّحر وثب أبو خيبرىّ يصيح: واراحلتاه! فقال له أصحابه: ما شأنك؟ فقال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتى وأنا أنظر إليه، فنظروا إلى راحلته فإذا هى لا تنبعث، فقالوا: قد والله قراك، فنحروها وظلّوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا، فبينا هم كذلك فى مسيرهم، طلع عليهم عدىّ بن حاتم ومعه جمل أسود قد قرنه ببعيره، فقال: إن حاتما جاءنى فى المنام فذكر لى شتمك إيّاه، وأنّه قراك وأصحابك راحلتك، وقد قال فى ذلك أبياتا، وردّدها علّى حتى حفظتها:

أبا خيبرىّ وأنت امرؤحسود العشيرة لوّامها
فماذا أردت إلى رمّةبداويّة صخب هامها
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أبا الخيبري وأنت امرؤ»
تبغّى أذاها وإعسارهاوحولك عوف وأنعامها
للشاعر حاتم الطائي، اقرأ القصيدة

وأمرنى بدفع جمل مكانها إليك، فخذه، فأخذه.

النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «الشعر والشعراء»