من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
أوس بن حجر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو أوس بن حجر بن عتّاب. قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل مضر، حتّى نشأ النابغة وزهير فأخملاه. وقيل لعمرو بن معاذ، وكان بصيرا بالشعر: من أشعر الناس؟ فقال: أوس، قيل: ثم من؟ قال:
أبو ذؤيب. وكان أوس عاقلا فى شعره، كثير الوصف لمكارم الأخلاق. وهو من أوصفهم للحمر والسلاح، ولا سيّما للقوس. وسبق إلى دقيق المعانى، وإلى أمثال كثيرة.
وهو القائل:
وجاءت سليم قضّها وقضيضهابأكثر ما كانوا عديدا وأوكعوا
أوكعوا: اشتدّوا، يقال: «استوكعت المعدة وأوكعت» إذا اشتدّت.
وفى أمثال العرب: أسمحت قرونته. أى سمحت نفسه، قال أوس:
فلاقى امرءا من ميدعان وأسمحتقرونته باليأس منها فعجّلا
ويقال: «رجل مخلط مزيل» إذا كان ولّاجا خرّاجا، قال أوس:
وإن قال لى: ماذا ترى؟ يستشيرنىيجدنى ابن عمّى مخلط الأمر مزيلا
ومن جيّد معانيه قوله:
وما أنا إلّا مستعدّ كما ترىأخو شركىّ الورد غير معتّم
و «شركىّ ورد» ماء فى إثر ماء، وهو المتتابع، يقول: أغشاهم بما يكرهون، ومنه يقال «فلان يتورّدنا بشرّ» و «غير معتّم» غير محتبس.
وقوله:
وإن هزّ أقوام إلّى وحدّدواكسوتهم من خير بزّ متحّم
«هزّ» من السّير، و «متحّم» من الأتحمىّ، وهو برد، وهذا مثل ضربه، يقول: إنّه يهجوهم بأخبث هجاء يقدر عليه. ومنه قول الآخر:
سأكسوكما يا ابنى يزيد بن جعشمرداءين من قير ومن قطران
وقال أوس:
تركت الخبيث لم أشارك ولم أدقولكن أعفّ الله مالى ومطعمى
«لم أدق» لم أدن، ومنه قول ذى الرّمّة:
كانت إذا ودقت أمثالهنّ لهفبعضهنّ عن الألّاف منشعب
وقال أوس:
فقومى وأعدائى يظنّون أنّنىمتى يحدثوا أمثالها أتكلّم
«يظنّون» يوقنون، وليس من ظنّ الشك، قال الله جلّ وعزّ:
وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ
أى: أيقنوا.
قال أوس يصف قوسا:
كتوم طلاع الكفّ، لا دون ملئهاولا عجسها عن موضع الكفّ أفضلا
إذا ما تعاطوها سمعت لصوتها، إذا أنبضوا عنها، نئيما وأزملا
«النئيم» صوت البوم، «والأزمل» صوت الجنّ.
ثم وصف النابل والنّبل فقال:
كساهنّ من ريش يمان ظواهراسخاما لؤاما ليّن المسّ أطحلا
يخرن إذا أنفزن فى ساقط النّدىوإن كان يوما ذا أهاضيب مخضلا
خوار المطافيل الملمّعة الشّوىوأطلاؤها صادفن عرنان مبقلا
ثم وصف السيف فقال:
كأنّ مدبّ النّمل يتّبع الرّبىومدرج ذرّ خاف بردا فأسهلا
على صفحتيه بعد حين جلائهكفى بالذى أبلى وأنعت منصلا
هو من تميم، أسيدىّ، وهو شاعر تميم. قال أبو عبيدة: حدّثنى يونس عن أبى عمرو بن العلاء قال: كان أوس شاعر مضر، حتّى أسقطه النابغة وزهير، فهو شاعر تميم فى الجاهليّة غير مدافع.
وقال الأصمعىّ: قال أوس بن حجر:
لعمرك إنّا والأحاليف هؤلالفى حقبة أظفارها لم تقلّم
أى نحن فى حرب، فأخذ المعنى زهير والنابغة، قال زهير:
لدى أسد شاكى السّلاح مقذّفله لبد أظفاره لم تقلّم
وقال النابغة:
وبنو قعين لا محالة أنّهمآتوك غير مقلّمى الأظفار
وقال الأصمعىّ: أوس بن حجر أشعر من زهير، ولكنّ النابغة طأطأ منه، قال أوس:
ترى الأرض منّا بالفضاء مريضةمعضلة منّا بجمع عرموم
وقال النابغة:
جيش يظلّ به الفضاء معضّلايدع الإكام كأنّهنّ صحارى
فجاء بمعناه وزاد.
وقالت الشعراء فى نفار الناقة وفزعها فأكثرت، ولم تعد ذكر الهرّ المقرون بها وابن آوى، وقال أوس بن حجر:
كأنّ هرّا جنيبا عند غرضتهاوالتفّ ديك برجليها وخنزير
قالوا: وجمع ثلاثة ألفاظ أعجميّة فى بيت واحد، فقال:
وقارفت وهى لم تجرب وباع لهامن الفصافص بالنّمّىّ سفسير
«الفصافص» الرّطبة، وهى بالفارسيّة «إسبست»، «والنّمّىّ» الفلوس بالروميّة، «والسفسير» السمسار.
قال الأصمعىّ: ولم أسمع قطّ ابتداء مرثية أحسن من ابتداء مرثيته:
أيّتها النّفس أجملى جزعاإنّ الّذى تحذرين قد وقعا
قال: وأحسن فى وصف السحاب:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالرّاح
ينفى الحصى عن جديد الأرض مبتركاكأنّه فاحص أو لاعب داح
فمن بنجوته كمن بعقوتهوالمستكنّ يمشى بقرواح
ويستجاد له قوله:
إذا ما علوا قالوا: أبونا وأمّناوليس لهم عالين أمّ ولا أب
ويستجاد له قوله:
وإنى رأيت الناس، إلّا أقلّهمخفاف العهود يكثرون التّنقّلا
بنى أمّ ذى المال الكثير يرونهوإنّ كان عبدا، سيد الأمر جحفلا
وهم لمقلّ المال أولاد علّةوإن كان محضا فى العمومة مخولا
وليس أخوك الدائم العهد بالذىيسوءك إن ولّى ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك الناء ما كنت آمناوصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
ويستجاد له قوله فى السيف:
كأنّ مدبّ البيت.
وهو أوصف الناس للقوس، ثم تبعه الشمّاخ.
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع