من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
عدى بن زيد العبادى
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عدىّ بن زيد بن حمّاد بن أيّوب، من زيد مناة بن تميم.
وكان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شىء كثير جدّا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة.
وله أربع قصائد غرر، إحداهنّ:
أرواح مودّع أم بكورلك؟ فاعمد لأىّ حال تصير
وفيها يقول:
أيّها الشامت المعير بالدّهر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيّام أم أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم مّنذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبوساسان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّوم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كلسا فللطّير فى ذراه وكور
وتبيّن رّبّ الخورنق إذ أشرف يوما، وللهدى تفكير
سرّه حاله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسّدير
فارعوى قلبه فقال: وما غبطة حىّ إلى الممات يصير
ثمّ بعد الفلاح والملك والإمّة وارتهم هناك القبور
ثمّ أضحوا كأنّهم ورق جفّ فألوت به الصّبا والدّبور
والثانية:
أتعرف رسم الدار من أمّ معبدنعم، فرماك الشّوق قبل التّجلّد
وفيها يقول:
أعاذل ما يدريك أنّ منيّتىإلى ساعة فى اليوم أوفى ضحى الغد
ذرينى فإنى إنما لى ما مضىأمامى من مالى إذا خفّ عوّدى
وحمّت لميقات إلىّ منيّتىوغودرت قد وسّدت أو لم أوسّد
وللوارث الباقى من المال، فاتركىعتابى، فإنى مصلح غير مفسد
والثالثة:
لم أر مثل الفتيان فى غبن الّأيّام ينسون ما عواقبها
والرابعة:
طال ليلى أراقب التّنويراأرقب اللّيل بالصّباح بصيرا
وهو القائل فى قصّة الزّبّاء وجذيمة وقصير الطالب بالثأر:
دعا بالبقّة الأمراء يوماجذيمة عصر ينجوهم ثبينا
فطاوع أمرهم وعصى قصيراوكان يقول، لو تبع، اليقينا
ودسّت فى صحيفتها إليهليملك بضعها ولأن تدينا
فأردته، ورغب النّفس يردىويبدى للفتى الحين المبينا
وخبّرت العصا الأنباء عنهولم أر مثل فارسها هجينا
وقدّمت الأديم لراهشيهوألفى قولها كذبا ومينا
ومن حذر الملاوم والمخازىوهنّ المنديات لمن منينا
أطفّ لأنفه الموسى قصيرليجدعه وكان به ضنينا
فأهواه لمارنه فأضحىطلاب، الوتر، مجدوعا مشينا
وصادفت امرءا لم تخش منهغوائله، وما أمنت أمينا
فلما ارتدّ منها ارتدّ صلبايجرّ المال والصّدر الضّغينا
أتتها العيس تحمل ما دهاهاوقنّع فى المسوح الدّار عينا
ودسّ لها على الأنفاق عمرابشكّته، وما خشيت كمينا
فجلّلها قديم الأثر عضبايصكّ به الحواجب والجبينا
فأضحت من خزائنها كأن لمتكن زبّاء حاملة جنينا
وأبرزها الحوادث والمناياوأىّ معمّر لا يبتلينا
إذا أمهلن ذا جدّ عظيمعطفن له ولو فرّطن حينا
ولم أجد الفتى يلهو بشىءولو أثرى ولو ولد البنينا
هو عدىّ بن زيد بن حماز بن زيد بن أيّوب بن محروف ابن عامر بن عصيّة بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. وأوّل من نزل الحيرة منهم أيّوب، بسبب دم أصابه، وكان منزله اليمامة. وكان حماز أوّل من تعلم الكتابة من بنى أيّوب، وكتب للنعمان الأكبر.
وكان عدىّ ترجمان أبرواز ملك فارس وكاتبه بالعربيّة، فلما قتل عمرو بن هند وصف له عدىّ بن زيد النعمان بن المنذر بن امرئ القيس، وأشار عليه بتوليته العرب، واحتال فى ذلك حتى ولّاه من بين إخوته، وكان أدمّهم وأقبحهم. ثم بلغ النعمان عن عدىّ شىء فخافه، فاحتال حتى وقع فى يده، فحبسه، فقال فى الحبس أشعارا وبعث بها إليه، فمنها قوله:
ألا من مبلغ النّعمان عنّىعلانية، وما يغنى السّرار
بأنّ المرء لم يخلق حديداولا هضبا توقّله الوبار
ولكن كالشهاب سناه يخبووحادى الموت عنه ما يحار
فهل من خالد إمّا هلكناوهل بالموت، ياللنّاس! عار
ومنها قوله:
أبلغ النّعمان عنّى مألكاأننى قد طال حبسى وانتظارى
لو بغير الماء حلقى شرقكنت كالغصّان بالماء اعتصارى
فلم يزل فى حبسه حتّى مات، ويقال إنه قتله.
وكان له ابن يقال له زيد بن عدىّ، فتوصّل إلى أبرواز حتّى حلّ محلّ أبيه، وذكر زيد لأبرواز نساء آل المنذر، ونعتهنّ له، بالجمال، فكتب أبرواز إلى النعمان يأمره أن يزوّجه أخته أو ابنته! فلمّا قرأ النعمان الكتاب قال للرسول:
فأين الملك عن مها السّواد؟ فرجع الرسول فأخبره بما قال، وحرّف زيد القول عنده، وقال: فأين هو عن بقر العراق؟ فطلبه أبرواز، وهرب النعمان منه حينا، ثم بدا له أن يأتيه، فأتاه بالمدائن، فصفّ له كسرى ثمانية آلاف جارية صفّين، فلمّا صار بينهما قلن له: أما فينا للملك غنى عن بقر العراق؟! وعلم النعمان أنّه غير ناج منه، وأمر به كسرى فحبس فى ساباط المدائن، ثم ألقى تحت أرجل الفيلة، فتوطّأته حتّى مات.
وذكر أبو عبيدة عن أبى عمرو بن العلاء قال: كان عدىّ بن زيد فى الشعراء بمنزلة سهيل فى النجوم، يعارضها ولا يجرى مجاريها. قال:
والعرب لا تروى شعره، لأنّ ألفاظه ليست بنجديّة، وكان نصرانيّا من عباد الحيرة، قد قرأ الكتب.
قال الأصمعىّ: كان عدىّ لا يحسن أن ينعت الخيل، وأخذ عليه قوله فى صفة الفرس فارها متتايعا وقال: لا يقال للفرس «فارس» إنما يقال له «جواد» و «عتيق» ويقال للكودن والبغل والحمار «فاره».
ووصف الخمر بالخضرة، ولم يعلم أحد وصفها بذلك، قال:
والمشرف الهندىّ نسقى بهأخضر مطموثا بماء الخريص
وهو أوّل من شبّه أباريق الخمر بالظّباء، قال يذكر بيت الخمّار:
بيت جلوف بارد ظلّهفيه ظباء ودواخيل خوص
فقال بعده:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف
ويستجاد له قوله:
قد يدرك المبطئ من حظّهوالخير قد يسبق جهد الحريص
ويستجاد له قوله فى وصف السّقاة:
والرّبرب المكفوف أردانهيمشى رويدا كمشى الرّهيص
ثم قال بعد أن وصف الخمر والنّدامى:
ذلك خير من فيوج على الباب وقيدين وغلّ قروص
أو مرتقى نيق على مركبأدفر عود ذى إكاف قموص
لا يحسن المشّى ولا يقبل الرّدف ولا يعطى به قلب خوص
ومن نسور حول موتى يمزّقن لحوما من طرىّ الفريص
قالوا: وهذان لا يتقاربان، وكيف يجعل هذا خيرا من هذا؟ ومما سبق إليه فأخذ منه قوله لأخيه يحذّره أن يدخل أرض النعمان:
فلا تلفينّ كأمّ الغلام إلّا تجد عارما تعترم
أخذه ابن مقبل فقال:
لا ألفينّ وإيّاكم كعارمةإلّا تجد عارما فى الناس تعترم
قال أبو محمد: معناه: إن لم تجد من يرضعها رضعت ثدى نفسها، يقال «عرم الصبىّ أمّه» إذا رضعها، ويقال: إن لم تجد من يخادشها ويقاتلها خدشت وجه نفسها وادّعته على برىّ.
وهو ممن أقرّ على نفسه بالزنا، فقال:
بنات كرام لم يربن بضرّةدمى شرقات بالعبير روادعا
لهوت لهنّ بين سرّ ورشدةولم آل عن عهد الأحبّة خادعا
يسارقن م الأستار طرفا مفتّراويبرزن من فتق الخدور الأصابعا
وينسب إلى الكذب بقوله:
ربّ نار بتّ أرمقهاتقضم الهندىّ والغارا
يريد بالهندىّ العود.
قال أبو محمد: وليس هذا عندى كذبا، لأنّه لم يرد أنّه يوقدها بالعود، وإنّما أراد أنّها توقد بالغار، وهو شجر، وتلقى قطع العود على ذلك للطّيب.
وهو مثل قول الحارث بن حلّزة:
أوقدتها بين العقيق فشرخين بعود كما يلوح الضّياء
أراد أنّها أوقدتها وألقت عليها عود البخور.
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع