من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
عروة بن حزام
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو من عذرة، وهو أحد العشّاق الّذين قتلهم العشق، وصاحبته عفراء بنت مالك العذريّة.
وكان عروة يتيما فى حجر عمّه، حتّى بلغ، فعلق عفراء علاقة الصّبى، وكانا نشآ معا، فسأل عمّه أن يزوّجه إيّاها، فكان يسوّفه، إلى أن خرج فى عير لأهله إلى الشأم، وخطب عفراء ابن عمّ لها من البلقاء، فتزوّجها، فحملها إلى بلده، وأقبل عروة فى عيره راجعا، حتّى إذا كان بتبوك، نظر إلى رفقة مقبلة من ناحية المدينة فيها امرأة على جمل أحمر، فقال لأصحابه: والله لكأنّها شمائل عفراء، فقالوا: ويحك! ما تترك ذكر عفراء على حال من الحال!! فلم يرع إلا بمعرفتها، فبئس قائما لا يحير جوابا، حتّى نفذ القوم فذلك قوله:
وإنّى لتعرونى لذكراك روعةلها بين جلدى والعظام دبيب
وما هو إلا أن أراها فجاءةفأبهت حتّى ما أكاد أجيب
وأصرف عن رأيى الّذى كنت أرتئىوأنسى الّذى أعددت حين تغيب
ويظهر قلبى عذرها ويعينهاعلىّ، فما لى فى الفؤاد نصيب
وقد علمت نفسى مكان شفائهاقريبا، وهل ما لا ينال قريب؟
لئن كان برد الماء أبيض صافياإلىّ حبيبا، إنّها لحبيب
ثم انصرف إلى أهله باكيا محزونا، فأخذه الهلاس، حتّى لم يبق منه شىء، وقال قوم: هو مسحور، وقال قوم: به جنّة، وقالوا: باليمامة طبيب يقال له سالم، له تابع من الجنّ، وهو أطبّ الناس، فساروا إليه من أرض بنى عذرة حتّى جاؤوه، فجعل يسقيه وينشّر عنه، فقال: يا هناه! هل عندك من الحبّ رقية قال: لا والله، فانصرفوا، فمرّوا بطبيب بحجر، فعالجه وصنع به مثل ذلك، فقال عروة: إنّه والله ما دوائى إلا شخص بالبلقاء، فانصرفوا به، وفى ذلك يقول:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمهوعرّاف حجر إن هما شفيانى
فما تركا من رقيّة يعلمانهاولا سلوة إلا بها سقيانى
فقالا: شفاك الله، والله ما لنابما حمّلت منك الضّلوع يدان
(وفيها يقول:
ألا يا غرابى دمنة الدار خبّراأبالبين من عفراء تنتحبان؟
فإن كان حقّا ما تقولان فانهضابلحمى إلى وكريكما فكلانى
وعرّاف اليمامة: هو رياح أبو كلحبة مولى بنى الأعرج بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، واسم الأعرج الحارث.
ولعرّاف اليمامة عقب باليمامة كثير.
وقال عروة أيضا:
فقلت لعرّاف اليمامة داونىفإنّك إن داويتنى لطبيب
فما بى من سقم ولا طيف جنّةولكنّ عبد الأعرجىّ كذوب
فردّ إلى أهله، فمرّضوه دهرا، فقال لهنّ يوما: أعلمتنّ أنى لو نظرت إلى عفراء يوما ذهب وجعى؟ فخرجوا به حتّى نزلوا البلقاء مستخفين، فكان لا يزال يلمّ بعفراء وينظر إليها، وكانت عند رجل كثير المال، فبينا عروة يوما بسوق البلقاء لقيه رجل يعرفه من بنى عذرة، فسأله متى قدم؟ فأخبره، فقال: لقد عهدتك مريضا وأراك قد صححت، ثم سار إلى زوجها، فقال: متى قدم عليكم هذا الكلب الذى قد فضحكم فى الناس؟ فقال زوج عفراء: أىّ كلب؟
قال: عروة، قال: أو قد قدم؟ قال: نعم، قال: أنت أولى بأن تكون كلبا منه! ما علمت بمقدمه، ولو كنت علمت لضممته إلى منزلى، فلمّا أصبح غدا يستدلّ عليهم حتّى جاءهم، فقال لهم: قدمتم ولم تروا أن تعلمونى فيكون منزلكم عندى، ثم حلف لا يكون نزولهم إلا عليه، قالوا: نعم، نتحوّل إليك الليلة أو غدا، فلمّا ولّى قال عروة لأهله: قد كان من الأمر ما ترون، فالحقن بقومكنّ، فإنّه لا بأس علىّ، فقرّوا ظهرهم وارتحلوا، فنكس، فلم يزل مدنفا حتّى نزل بوادى القرى.
حدثنى ابن مرزوق عن ابن الكلبىّ عن أبى السائب المخزومىّ عن هشام بن عروة عن أبيه عن النعمان بن بشير قال: بعثنى عثمان أو معاوية مصدّقا لبنى عذرة، فصدّقتهم، ثم أقبلت راجعا، فإذا أنا ببيت حريد ليس قربه أحد، وإذا رجل بفنائه مستلق على قفاه، لم يبق منه إلا جلد وعظم، فلمّا سمع وجسى ترنم بصوت حزين:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمه
الأبيات كلها، قال: وإذا أمثال التماثيل حوله، أخواته وأمّه وخالته، فقلت له: أنت عروة؟ قال: نعم، قلت: صاحب عفراء؟ قال: نعم، ثم استوى قاعدا، وقال: وأنا الذى أقول:
وعينان ما أوفيت نشزا فتنظرابمأقيهما إلا هما تكفان
كأنّ قطاة علّقت بجناحهاعلى كبدى من شدّة الخفقان
ثم التفت إلى أخواته فقال:
من كان من أخواتى باكيا أبدافاليوم إنّى أرانى اليوم مقبوضا
يسمعننيه فإنّى غير سامعهإذا علوت رقاب القوم معروضا
سمعه بعض المحدثين فأخذه فقال:
من كان يبكى لما بىمن طول وجد أسيس
فالآن قبل وفاتىلا عطر بعد عروس
ثم رجع الحديث، قال: فبرزن والله يضربن وجوههنّ ويشققن جيوبهنّ، ثم لم أبرح حتّى مات، فهيّأت من أمره وصلّيت عليه ودفنته هذا معنى الحديث.
ولمّا بلغ عفراء موته قالت لزوجها: يا هناه، قد كان من أمر هذا الرجل ما قد علمت، وما كان والله إلا على الحسن الجميل، وقد بلغنى أنّه قد مات فى أرض غربة، فإن رأيت أن تأذن لى فأخرج فى نسوة من قومى فنندبه ونبكى عليه؟ فأذن لها فخرجت وهى تقول:
ألا أيّها الرّكب المخبّون ويحكمبحقّ نعيتم عروة بن حزام؟
فلا نفع الفتيان بعدك لذّةولا رجعوا من غيبة بسلام
وقل للحبالى لا يرجّين غائباولا فرحت من بعده بغلام
فما زالت تردّد هذه الأبيات حتّى ماتت. فبلغ الخبر معاوية، فقال: لو علمت بحال هذين الشريفين لجمعت بينهما.
قالوا: وكان عروة حين أخرجت عفراء يلصق بطنه بحياض النّعم يريد بردها، فيقال له: مهلا لا تقتل نفسك؟، ألا تتّقى الله!! فيقول:
بى اليأس أو داء الهيام شربتهفإيّاك عنّى لا يكن بك ما بيا
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع