من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ابن التعاويذي الشاعر
أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله الكاتب المعروف بابن التعاويذي، الشاعر المشهور؛ كان مولى لابن المظفر واسمه نشتكين، فسماه ولده المذكور عبيد الله، وهو سبط أبي محمد المبارك بن علي بن نصر السراج الجوهري الزاهد المعروف بابن التعاويذي، وإنما نسب إلى جده المذكور لأنه كفله صغيرا، ونشأ في حجره فنسب إليه.
وكان أبو الفتح المذكور شاعر وقته، لم يكن فيه مثله، جمع شعره بين جزالة الأافاظ وعذوبتها ورقة المعاني ودقتها، وهو في غاية الحسن والحلاوة، وفيما أعتقد لم يكن قبله بمائتين سنة من يضاهيه، ولا يؤاخذني من يقف على هذا الفصل فإن ذلك يختلف بميل الطباع، ولله القائل:
وللناس فيما يعشقون مذاهب ... وكان كاتبا بديوان المقاطعات ببغداد، وعمي في آخره عمره سنة تسع وسبعين، وله في عماه أشعار كثيرة يرثي بها ويندب زمان شبابه وتصرفه، وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل العمى، وعمل له خطبة طريفة، ورتبه أربعة فصول،
وكل ما جدده بعد ذلك سماه " الزيادات " فلهذا يوجد ديوانه في بعض النسخ خاليا من الزيادات، وفي بعضها مكملا بالزيادات، ولما عمي كان باسمه راتب في الديوان، فالتمس أن ينقل باسم أولاده، فلما نقل كتب إلى الإمام لدين الله هذه الأبيات يسأله أن يحدد له راتبا مدة حياته، وهي:
خليفة الله أنت بالدين والدنيا وأمر الإسلام مضطلع
أنت لما سنه الأئمة أعلام الهدى مقتنف ومتبع
قد عدم العدم في زمانك والجور معا والخلاف والبدع
فالناس في الشرع والسياسةوالإحسان والعدل كلهم شرع
يا ملكا يردع الحوادثوالأيام عن ظلمها فترتدع
ومن له أنعم مكررةلنا مصيف منها ومرتبع
أرضي قد أجدبت وليس لمنأجدب يوما سواك منتجع
ولي عيال لا در درهمقد أكلوا دهرهم وما شبعوا
إذا رأوني ذا ثروة جلسواحولي ومالوا إلي واجتمعوا
وطالما قطعوا حبالي إعراضا إذا لم تكن معي قطع
يمشون حولي شتى كأنهمعقارب كلما سعوا لسعوا
فمنهم الطفل والمرهق والرضيع يحبو والكهل واليفع
لا قارح منهم أؤمل أنينالني خبره ولا جذع
لهم حلوق تفضي إلى معدتحمل في الأكل فوق ما تسع
من كل رحب المعاء أجوف ناري الحشا لا يمسه الشبع
لا يحسن المضغ فهو ينزل فيفيه بلا كلفة ويبتلع
ولي حديث يلهي ويعجب منيوسع لي خلقه فيسمع
نقلت ريمي جهلا إلى ولدلست بهم ما حييت أنتفع
نظرت في نفعهم وما أنا في اجتلاب نفع الاولاد مبتدع
وقلت هذا بعدي يكون لكمفما أطاعوا أمري ولا سمعوا
واختلسوه مني فما تركواعيني عليه ولا يدي تقع
فبئس والله ما صنعت فأضررت بنفسي وبئس ما صنعوا
فإن أردتم أمراً يزول به الخصام من بيننا ويرتفع
فاستأنفوا لي رسما أعود علىضنك معاشي به فيتسع
وإن زعمتم أني أتيت بهاخديعة فالكريم ينخدع
حاشا لرسمي الكريم ينسخ مننسخ دواوينكم فينقطع
فوقعوا لي بما سألت فقدأطعت نفسي واستحكم الطمع
ولا تطيلوا معي فلست ولودفعتوني بالراح اندفع
وحلفوني أن لا تعود يدي ... ترفع في نقله ولا تضع فما ألطف ما توصل به إلى بلوغ مقصوده بهذه الأبيات التي لو مرت بالجماد لاستمالته وعطفته، فأنعم عليه أمير المؤمنين بالراتب، فكان يصله بصلة من الخشكار الرديء، فطتب إلى فخر الدين صاحب المخزن أبياتا يشكو من ذلك أولها:
مولاي فخر الدين أنت إلى الندىعجل وغيرك محجم متباطي ومنها:
حاشاك ترضى أن تكون جرايتيكجراية البواب والنفاط
سوداء مثل الليل سعر قفيزهاما بين طسوج إلى قيراط
أخنت علي الحادثات وأفرطتفيها الرداءة أيما إفراط
قد كدرت حسي المضيء، وغيرتطبعي السليم، وعفنت أخلاطي
فتول تدبيري فقد أنهيت ما ... أشكوه من مرضي إلى بقراط وكان وزير الديوان العزيز شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم التميمي وزير الإمام المستنجد بالله المعروف بابن البلدي، وقد عزل أرباب الدواوين وحسبهم وحاسبهم وصادرهم وعاقبهم ونكل بهم، فعمل سبط ابن التعاويذي المذكور في ذلك قوله:
يا قاصدا بغداد حد عن بلدةللجور فيها زخرة وعباب
إن كنت طالب حاجة فارجع فقدسدت على الراجي بها الأبواب
ليست، وما بعد الزمان، كعهدهاأيام يعمر ربعها الطلاب
ويحلها الرؤساء من ساداتهاوالجلة الأدباء والكتاب
والدهر في أولى حداثته وللأيام فيها نضرة وشباب
والفضل في سوق الكرام يباع بالغالي من الأثمان، والآداب
بادت وأهلوها معا، فبيوتهمببقاء مولانا الوزير خراب
وارتهم الأجداث أحياء تهال جنادل من فوقهم وتراب
فهم خلود في محابسهم يصبعليهم بعد العذاب عذاب
لا يرتجى منها إيابهم، وهليرجى لسكان القبور إياب
والناس قد قامت قيامتهم، فلاأنساب بينهم ولا أسباب
والمرء يسلمه أبوه وعرسهويخونه القرباء والأحباب
لا شافعاً تغني شفاعته، ولاجان له مما جناه متاب
شهدوا معادهم فعاد مصدقامن كان قبل ببعثه يرتاب
حشر وميزان وعرض جرائدوصائف منشورة وحساب
وبها زبانية تبث على الورىوسلاسل ومقامع وعذاب
ما فاتهم من كل ما وعدوا بهفي الحشر إلا راحم وهاب وله في الوزير المذكور:
يا رب أشكو إليك ضراأنت على كشفه قدير
أليس صرنا زمان ... فيه أبو جعفر وزير وذكر محب الدين المعروف بابن النجار فيتاريخ بغداد أن الإمام المستنجد بالله توفي يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر سنة وستين وخمسمائة وتولى بعده ولده المستضيء بأمر الله وجلس للمبايعة يوم الثلاثاء ثاني اليوم المذكور، فخرج أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج المذكور عقيب هذا ومعه ابن السيبي فقال له: إن الخليفة قد تقدم أن يستوفي القصاص من هذان وأشار إلى الوزير، فأخذ وسحب وقطع أنفه ويده ورجلهن ثم ضربت رقبته، وجمع في ترس وألقي في دجلة، وكان هذا الوزير قد قطع أنف أم ابن السيبي المذكور ويد أخيه ورجله في أيام ولايته، فاقتص منه في هذا اليوم، نعوذ بالله من سوء العاقبة.
وكتب سبط ابن التعاويذي إلى عضد الدين أبي الفرج محمد بن المظفر، وهو من ابناء مواليه يطلب منه شعيرا لفرسه، وهو الذي فعل بالوزير ابن البلدي تلك الفعلة المذكورة قبل هذا:
مولاي يا من له أيادليس إلى عدها سبيل
ومن إذا قلت العطايافجوده وافر جزيل
إليه إن جارت الليالينأوي، وفي ظله نقيل
إن كميتي العتيق سناله حديث معي يطول
كان شرائي له فضولاًفأعجب لما يجلب الفضول
ظننته حاملاً لرحليفخاب ظني به الجميل
ولم أخل للسقاء أنيلثقل أعبائه حمول
فإن أكن عاليا عليهفهو على كاهلي ثقيل
أرجل كالبوم ليس فيهخير كثير ولا قليل
ليس له مخبر حميدولا له منظر جميل
وهو حرون وفيه بطءولا جواد ولا ذلول
لا كفل معجب لراءإذا رآه ولا تليل
مقصرا إن مشى، ولكنإن حضر الاكل مستطيل
يعجبه التبن والشعيرالمغسول والقت والقصيل
إذا رأى عكرشا رأيتاللعاب من شدقه يسيل
وليس فيه من المعانيشيء سوى أنه أكول
فهب له اليوم ما تسنىوهبه من نعض ما تنيل
ولا تقل إن ذا قليل ... فالجل في عينيه جليل وإنما أوردت هذه المقاطيع من شعره لكونها مستملحة. وأما قصائده المشتملة على النسيب والمدح فإنها في غاية الحسن، وصنف كتابا سماهالحجبة والحجاب يدخل في مقدار خمس عشرة كراسة، وأكال الكلام فيه، وهو قليل الوجود.
وذكر العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة أن ابن التعاويذي المذكور كان
صاحب لما كان بالعراق، فلما انتقل العماد إلى الشام واتصل بخدمة السلطان صلاح الدين كتب إليهابن التعاويذي رسالة يطلب منه فروة، وذكر الرسالةن وهيوقد كلف مكارمه وإن لم يكن للجود عليها كلفة، وأتحفه بما وجهه إليه من أمله وهو لعمر الله تحفه، أهدى فروة دمشقية، سرية نقية، يلين لمسها، ويزين لبسها، ودباغتها نظيفة، وخياطتها لطيفة، طويلة كطوله، سابغة كأنعمه حالية كذكره، جميلة كفعله، واسعة كصدره، نقية كعرضه، رفيعة كقدره، موشية كنظمه ونثره، ظاهرها كظاهره، وباطنها كباطنه، يتجمل بها اللابس، وتتحلى بها المجالس، وهي لخادمه سربال، وله - حرس الله مجده - جمال، يشكره عليها من لم يلبسها، ويثني عليه من لم يتدرعها، تذهب خميلة وبرها، ويبقى حميد أثرها، ويخلق إهابها وجلدها، ويتجدد شكرها وحمدها، وقد نظم أبياتا ركب في نظمها الغرر، وأهدى بها التمر إلى هجر، إلا أنه قد عرض الطيب على عطاره، ووضع الثوب في يد بزازة، وأحل الثناء في محله، وجمع بين الفضل وأهله، وهي في حسنه وخفارة كرمه ثم ذكر القصيدة التي أولها:
بأبي من ذبت في الح ... ب له شوقا وصبوة وهي موجودة في ديوانه. وكتب العماد جواب القصيدة على هذا الروي أيضا، وهما طويلتان.
وذكر العماد قبل ذكر الرسالة والقصيدة في حقه: هو شاب فيه فضل وآداب ورياسة وكياسة ومروة وأبوه وفتوة، جمعني وإياه صدق العقيدة في عقد الصداقة، وقد كملت فيه أسباب الظرف واللطف واللباقة؛ ثم أتى بالرسالة والقصيدة وجوابها، وهذه الرسالة لم أر مثلها في بابها، سوى ماسيأتي في ترجمة بهاء الدين ابن شداد - في حرف الياء إن شاء الله تعالى - فان ابن خروف المغربي كتب إليه رسالة بديعة يستجديه فروة يستجديه فروة قرظ.
وكانت ولادة ابن التاويذي المذكور في العاشر من رجب يوم الجمعة سنة تسع عشرة وخمسمائة. وتوفي في ثاني شوال سنة أربع، وقيل ثلاث
وثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن في باب أبرز، رحمه الله تعالى. وقال ابن النجارفي تاريخه: مولده يوم الجمعة، وتوفي يوم السبت ثامن عشر شوال.
والتعاويذي: بفتح التاء المثناة من فوقها والعين المهملة وكسر الواو بعد الألف وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم ذال معجمة، هذه النسبة إلى كتبه التعاويذ وهي الحروز.
واشتهر بها أبو محمد المبارك بن المبارك بن السراج التعاويذي البغدادي الزاهد، المقدم ذكره في أول هذه الترجمة، وكان صالحا. ذكره ابن السمعاني في كتاب " الذيل " وكتاب الأنساب وقال: لعل أباه كان يرقي ويكتب التعاويذ، وسمع منه ابن السمعاني المذكورن وقال: سألته عن مولده، فقال: ولدت في سنة ست وتسعين وأربعمائة بالكرخ. وتوفي في جمادى الأولى سنة ثىث وخمسين وخمسمائة، ودفن في جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الشوينزي، رحمه الله تعالى. وقال السمعاني: أنشدني أبو محمد المبارك المذكور لنفسه قوله:
اجعل همومك واحداوتخل عن كل الهموم
فعساك أن تحظى بما ... يغنيك عن كل العلوم ثم قال، قال لي ابن التعاويذي: ما قلت من الشعر غير هذين البيتين.
ونشتكين: بضم النون وسكون الشين المعجمة وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وبعدها النون وسكون الشين المعجمة وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم نون، وهو اسم أعجمي تسمى به المماليك، وقد تقدم في أول الترجمة أنه كان من مماليك أحد بني المظفر رئيس الرؤساء، وله فيهم مدائع بديعة، وأفراد مدائعهم في فصل من الفصول الأربعة المرتبة في ديوانه لكونهم مواليه، وكانوا يحسنون إليه، والله أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع