من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
الأبلة الشاعر
أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد الله الولد، المعروف بالأبلة البغدادي، الشاعر المشهور أحد المتأخرين المجيدين، جمع في شعره بين الصناعة والرقة، وله ديوان شعر بايدي الناس كثير الوجود.
وذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة " فقال: هو شاب ظريف يتزيا بزي الجند، رقيق أسلوب الشعر حلو الصناعة رائق البراعة عذب اللفظ، أرق من النسيم السحري وحسن من الوشي التستري، وكلما ما ينظمه، ولو أنه يسير، يسير، والمغنون يغنون برائقات أبياته عن أصوات القدماء، فهم يتهافتون على نظمه المطرب تهافت الطير الحوم على عذب المشرب. ثم قال: أنشدني لنفسه من قصيدة سنة خمس وخمسين وخمسمائة ببغداد:
زار من أحيا بزورتهوالدجى في لون طرته
قمر يثني معانقهبانة في طي بردته
بت أستجلي المدام علىغرة الواشي وغرته
يا لها من زورة قصرتفأملت طول جفوته
آه من حضر له وعلىرشفة من برد ريقته
يا له في الحسن من صنمكلنا من جاهليته
ومن أبياته السائرة قوله من جملة قصيدة أنيقة:
لا يعرف الشوق إلا من يكابدهولا الصبابة إلا من يعانيها ومن رقيق شعره قوله في غزل قصيدة:
دعني أكابد لوعتي وأعانيأين الطليق من الأسير العاني
آليت لا أدع الملام يغرنيمن بعد ما أخذ الغرام عناني
أولا تروض العاذلات وقد أرىروضات حسن في خدود حسان
ولدي يلتمس السلو، ولم أزلحي الصبابة ميت السلوان
يا برق إن تجف العقيق فطالماأغنته عنك سحائب الأجفان
هيهات أن أنسى رباك ووقفهفيها أغير بها على الغيران
ومهفهف ساجي اللحاظ حفظتهفأضاعني وأطعته فعصاني
يصمي قلوب العاشقين بمقلةطرف السنان وطرفها سيان
خنث الدلال: بشعره وبثغرهيوم الوداع أضلني وهداني
ما قام معتد لا يهز قوامهإلا وبانت خجلة في البان
يا أهل نعمان إلى وجناتكمتعزى الشقائق لا إلى نعمان
ما يفعل المران من يد قلب ... في القلب فعل مرارة الهجران وهي قصيدة طويلة ومديحها جيد، وجميع شعره على هذا الأسلوب والنسق ومخالصة من الغزل إلى المدح في نهاية الحسن، وقل من يلحقه فيها، فمن ذلك قوله من قصيدة أولها:
جنيت جني الورد من ذلك الخدوعانقت غصن البان من ذلك القد فلما انتهى إلى مخلصها قال:
لئن يوما بسمعي ملامةلهند فلا عفت الملامة في هند
ولا وجدت عيني سبيلا إلى البكاولا بت في أسر الصبابة والوجد
وبحت بما ألقى ورحت مقابلاسماحة مجد الدين بالكفر والجحد وقوله من قصيدة أخرى:
فلا وجد سوى وجدي بليلىولا مجد كمجد ابن الدوامي وقوله في أخرى:
فأقسم أني أفي الصبابة واحدوأن كمال الدين في الجود واحد إلى غير ذلك
وكانت وفاته، على ماقاله ابن الجوزي في تاريخه، في جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين، وقال غيره: سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد، ودفن في باب أبرز محاذي التاجية، رحمه الله تعالى.
والأبله: معروف فلا حاجة إلى ضبطه، وإنما قيل له أبله لأنه كان فيه طرف بله، وقيل لأنه كان في غاية الذكاء، وهو من أسماء الأضداد، كما قيل للأسود: كافور.
وكان له ميل إلى بعض أبناء البغاددة، فعبر على باب داره فوجد خلوة، فكتب على الباب، قال العماد الكاتب: وأنشدنيهما:
دارك يا بدر الدجى جنةبغيرها نفسي ما تلهو
وقد روي في خبر أنه ... أكثر أهل الجنة البله ولابن التعاويذي المذكور بعده فيه هجاء أفحش فيه، فأضربت عن ذكره مع أنها أبيات جيدة، والله أعلم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع