تجاوز إلى المحتوى

من «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن أيدمر المستعصمي (ت ٧١٠هـ)

الاسْتِعَارَاتُ المُسْتْكْرَهَةُ

كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّعْدِيينَ:

سَأمْنَعُهَا أَوْ سَوْفَ أَجْعَلُ أَمْرَهَاإِلَى مَلِكٍ أظْلَافُهُ لَمْ تَشَقَّقِ

فَاسْتِعَارَةُ الأظْلَافِ لِلرَّجُلِ -وَلَا ظِلْفَ لَهُ- إِنَّمَا أَرَادَ قَدَمَيْهِ اسْتِعَارَةٌ مُسْتَكْرَهَةٌ، وَكقَوْلِ الحُطَيْئَةِ:

سَقُوا جَارَكَ العَيْمَانَ لَمَّا أَتَاهُمُوَقَلَّصَ عَنْ بَرْدِ الشَّرَابِ مَشَافِرُه

فَاسْتَعَارَ لِلرَّجُلِ مَشَافِرَ، وَإِنَّمَا لَهُ شَفَتَانِ، وَالمَشَافِرُ لِلإِبلِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرَ:

فلو كُنْتَ ضَبِيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِيوَلَكِنَّ زَنْجِيًّا غَلِيْظَ المَشَافِر

وَلَا يَكَادُوْنَ يَسْتَعْمِلُوْنَ أَمْثَالَ هَذَا فِي بَنِي آدَمَ إِلَّا فِي الذَّمِّ، وَمَا حَرَّفُوا

فيْهِ الاسْمُ عَنْ جِهَتِهِ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُم:

إِنْ ينْسِنَا الأَيَّامُ وَالدَّهْرُ تَعْلَمُوابَنِي قَارِبٍ أنَّا غِضَابٌ بِمَعْبَدِ

أَرَادَ بِعَبْدِ اللَّهِ. وَهُوَ أخُو دُرَيْدٍ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ القَصِيْدَةِ:

تَنَادَوَا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِسًافَقُلْتُ أَعَبْدُ اللَّهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي؟
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

وَقَالَ المُفَضلُ اليَشْكُرِيُّ:

وَسَائِلَةٍ بِثَعْلَبَةَ بنِ شَيْرٍوَقَدْ عَلِقَتْ بِثَعْلَبَةَ العَلُوْقُ

يُرِيْدُ بِقَوْلِهِ: ابنِ شَيْرٍ ابنَ سَيَّارٍ.

وَمَا غَلِطُوا فِيْهِ، كَقَوْلِ بَعْضِهِم:

مِثْلَ النَّصَارَى قَتَلُوا المَسِيْحَا

فَتَوهَّمَ أَنَّ النَصَارَى قَتَلُوْهُ.

وَقَالَ أَبُو نُخَيْلَةَ، وَتَوَهَّمَ أَنَّ الفُسْتُقَ مِنَ البُقُوْلِ:

بَرِّيَّة لَمْ تَأْكُلِ المُرَقَّقَاوَلَمْ تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقَا

وَالكِنَايَةُ بِالشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ؛ وَهُوَ أَنْ يَرِيْدَ الشَّيْءَ، فَيُكِني بِهِ عَنْ غَيْرِهِ عَلَى سَبِيْلِ الاتِّسَاعِ.

وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: إِذَا ذَكَرَتِ العَرَبُ الثَّوْبَ، فَإنَّمَا يُرِيْدُوْنَ بِهِ البَدَنَ. قَالَتْ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ:

رَمَوْهَا بِأَثْوَابٍ خِفَافٍ فَلَا تَرَىلَهَا شَبْهًا إِلَّا النَّعَامَ المُنَفِّرَا
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

تَقُوْلُ: رَمُوْهَا بِأَجْسَامٍ خِفَافٍ، أَيْ صَارُوا عَلَيْهَا خِفَافًا.

وَيُقَالُ: فُلَانٌ أوْسَعُ بَنِي أَبيْهِ ثَوْبًا، أي أَكْثَرَهُمْ عِنْدَهُمْ مَعْرُوْفًا. وَفُلَانٌ غَمْرُ الرّدَاءِ: إِذَا كَانَ وَاسِعَ الخُلُقِ. وَأَنْشَدَ هُوَ قَوْلُ كُثَيِّرٍ فِي عَبْدِ العَزِيْزِ بن مَرْوَانَ:

غَمْرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضاحِكًاغَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ المَالِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «إربع فحي معارف الأطلال»

وَقَالَ رُؤْبَةُ:

فَقَدْ أَرَى وَاسِعَ جَيْبِ الكُمِّ

يُرِيْدُ: وَاسِعَ الصَّدْرِ كَثيْرَ العَطَاءِ؛ لأنَّ العَرَبَ تَكْنِي عَنِ القَلْب بالجيْب.

وَقَالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌوَأَوْجهُهُمْ عِنْدَ المَشَاهِدِ غُرَّانُ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا إِن قوماً كنتم أمس دونهم»

أَرَادَ أنَّهُمْ بَرِؤونَ مِنَ الأَدْنَاسِ وَالعُيُوْبِ.

وَيَقُوْلُوْنَ: فِدًى لَكَ ثَوْبَايَ، وَفِدَاءً لَكَ رِجْلَاىَ. مَعْنَاهُ: أَنَا أَفْدِلْكَ.

وَيُقَالُ فُلَانٌ دَنِسُ الثَّوْبِ: إِذَا كَانَ غَادِرًا فَاجِرًا.

وَيَقُوْلُوْنَ: فِدًى لَكَ إِزَارِي، أيْ نَفْسِي. قَالَ الشَّاعِرُ:

ألَا أَبْلِغْ أبَا حَفْصٍ رَسُوْلًافِدًى لَكَ مِنْ أَخِي ثِقَةٍ إزَارِي

وَمَا يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَجِيْئُوا بِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ، فَيَأتُوْنَ بِشَيْءٍ مِنْ سَبَبِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:

كَالنَّحْلِ فِي مَاءِ الرُّضَابِ العَذبِ

أَيْ كَالعَسَلِ.

وَقَالَ لَبِيْدٌ:

بِجُلَالَةٍ تُوْفِي الجدِيْلَ سَرِيْحَةٍمِثْل الفَتِيْقِ هَنَّأتَهُ بِعَصِيْمِ

وَالعَصِيْمُ: أَثَرُ الهِنَاءِ، وَأَثَرُ الخِضَاب. فَأَرَادَ: هَنِّأتَهُ بِهِنَاءِ. فَقَالَ بعَصِيْمٍ؛ لأَنَّهُ مِنْ سَبَبِ الهِنَاءِ.

وَقَالَ الجَعْدِيُّ:

كَأَنَّ فَاهَا إذَا تُوُسِّنَ فِيطِيْبِ مَشَمٍّ وَحُسْنِ مُبْتَسَمِ
رُكِّبَ فِي السَّامِ وَالزَّبِيْبِأَقَاحِيَّ كَثِيْبٍ تَنْدَى مِنَ الرِّهْمِ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «هل بالديار الغداة من صمم»

أَرَادَ أَنْ يَقُوْلَ: رُكِّبَ فِي السَّامِ وَالخَمْرِ، فلم يُمْكِنُهُ، فَسَمَّى الخَمْرُ بِالزَّبِيْبِ؛ إِذْ كَانَ مِنْ سَبَبِهِ.

وَمَا اتَّسَعُوا فِيْهِ، فَجَعلُوا الفَاعِلَ مَفْعُوْلًا، وَالمَفْعُولَ فَاعِلًا. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهُ تَعالَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيْمٌ﴾ أَيْ مُؤْلِمٌ.

وَقَالَ العَبَّاسُ بن مِرْدَاسٍ:

فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمَالِيوَلَا آلُوْكَ إِلَّا مَا أُطِيْقُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «فديت بنفسه نفسي ومالي»

أَرَادَ فَدَيْتُ نَفْسَهُ بِنَفْسِي.

وَقَالَ الأَخْطَلُ:

مِثْلُ القَنَافِذِ هَدَّاجُوْنَ قَدْ بَلَغَتْنَجْرَانَ أَوْ بَلَغَتْ سَوْآتِهِمْ هَجَرُ

يُرِيْدُ أَوْ بَلَغَتْ سَوْآتُهُمْ هَجَرَ.

وَأنْشَدَ أَبُو عَمْرو بنِ العَلَاءِ:

إِنَّ بَنِي شرَحْبِيْلَ بنِ عَمْرٍوتَمَادَوا والفُجُوْرُ مِنَ التَّمَادِي

أَرَادَ: أَنَّ التَّمادي مِنَ الفُجُورِ.

وَاسْمَانِ يَغْلُبُ أحَدُهُمَا، فَيُنْسَبُ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ. قَالَ الأَصمَعِيُّ: إِذَا كَانَ أَخَوَانِ أَوْ صاحِبَانِ أحَدُهُمَا أشْهَرُ مِنَ الآخَرِ، سُمِّيَا جَمِيْعًا باسْمِ الأَشْهَر. قَالَ الشَّاعِرُ:

ألَا مَنْ مُبْلِغُ الحُرَّيْنِ عَنِّيمُغَلْغَلَةً وَخُصَّ بِهَا أُبَيَّا

فَقَالَ: الحُرَّيْنِ، وَهُمَا أَخَوَانِ: الحُرُّ وَأُبَيُّ.

وَمِثْلُهُ قَوْلُ الآخَر:

فَقُرَى العِرَاقِ مَسِيْرَ يَوْمٍ وَاحِدٍوَالبَصْرَتَانِ وَوَاسِطٌ تَكْمِيْلُهُ

أَرَادَ الكُوْفَةَ وَالبَصْرَةَ.

وَمِثْلُهُ قَوْلُ الآخَر:

جَزَانِي الزّهْدَمَانِ جَزَاءَ سَوْءٍوَكُنْتُ المَرْءَ يُجْزَى بِالكَرَامَهْ

وَالزّهْدَمَانِ مِنْ بَنِي عَبْسٍ. يُقَالُ لأَحَدِهُمَا: زَهْدَمٌ، وَلِلآخَرِ قَيْسٌ.

وَمِثْلهُ أَيْضًا:

أَخَذْنَا بِآفاَقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُلنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُوْمُ الطَّوَالِعُ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا أنت يا ابن الكلب ألقتك نهشل»

أَرَادَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ.

وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ: العُمَرَانِ. يُرِيْدُوْنَ: أبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مقدمة المؤلف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.