تجاوز إلى المحتوى

من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)

باب ذكر طقبات من سمينا منهم

قال أبو عبيدة: أشعر الناس أهل الوبر خاصة، وهم امرؤ القيس، وزهير والنابغة، فإن قال قائل: إن امرأ القيس ليس من أهل نجد، فلعمري! إن هذه الديار التي ذكرها في شعره ديار بني أسد بن خزيمة.

وفي الطبقة الثانية الأعشى، ولبيد، وطرفة.

وقيل: إن الفرزدق قال: امرؤ القيس أشعر الناس؛ وقال جرير: النابغة أشعر الناس؛ وقال الأخطل: الأعشى أشعر الناس؛ وقال ابن أحمر: زهير أشعر الناس؛ وقال ذو الرمة: لبيد أشعر الناس؛ وقال ابن مقبل: طرفة أشعر الناس؛ وقال الكميت: عمرو بن كلثوم أشعر الناس؛ والقول عندنا ما قال أبو عبيدة: امرؤ القيس ثم زهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو وطرفة.

وقال المفضل: هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب السموط، فمن قال: إن السبع لغيرهم، فقد خالف ما أجمع عليه أهل العلم والمعرفة، وقد أدركنا أكثر أهل العلم يقولون: إن بعدهن سبعاً ما هن بدونهن، ولقد تلا أصحابهن أصحاب الأوائل، فما قصروا، وهن المجمهرات، لعبيد بن الأبرص، وعنترة بن عمرو، وعدي بن زيد، وبشر بن أبي خازم، وأمية بن أبي الصلت، وخداش بن زهير، والنمر بن تولب.

وأما منتقيات العرب: فهن للمسيب بن علس، والمرقش، والمتلمس، وعروة بن الورد، والمهلهل بن ربيعة، ودريد بن الصمة، والمتنخل بن عويمر.

وأما المذهبات: فللأوس والخزرج خاصة، وهن لحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس بن الخطيم، وأحيحة بن الجلاح، وأبي قيس بن الأسلت، وعمرو بن امرىء القيس.

وعيون المراثي سبع: لأبي ذؤيب الهذلي، وعلقمة بن ذي جدن الحميري، ومحمد بن كعب الغنوي، والأعشى الباهلي، وأبي زبيد الطائي، ومالك بن الريب النهشلي، ومتمم بن نويرة اليربوعي.

وأما مشوبات العرب، وهن اللاتي شابهن الكفر والإسلام،

فلنابغة بني جعدة، وكعب بن زهير، والقطامي، والحطيئة، والشماخ، وعمرو بن أحمر، وابن مقبل.

وأما الملحمات السبع فهن: للفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، وذي الرمة والكميت بن زيد، والطرماح بن حكيم.

قال المفضل: فهذه التسع والأربعون قصيدةً عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وأنفس شعر كل رجل منهم.

وذكر أبو عبيدة في الطبقة الثالثة من الشعراء: المرقش، وكعب بن زهير، والحطيئة، وخداش بن زهير، ودريد بن الصمة، وعنترة، وعروة بن الورد، والنمر بن تولب، والشماخ بن ضرار، وعمرو بن أحمر.

قال المفضل: هؤلاء فحول شعراء أهل نجد الذين ذموا ومدحوا، وذهبوا في الشعر كل مذهبٍ، فأما أهل الحجاز، فإنهم الغالب عليهم الغزل.

وذكر أبو عبيدة: أن الناس أجمعوا على أن أشعر أهل الإسلام: الفرزدق، وجرير، والأخطل، وذلك لأنهم أعطوا حظاً في الشعر لم يعطه أحدٌ في الإسلام، مدحوا قوماً فرفعوههم، وذموا قوماً فوضعوهم، وهجاهم قومٌ فردوا عليهم، فأفحموهم، وهجاهم آخرون، فرغبوا بأنفسهم عن جوابهم وعن الرد عليهم، فأسقطوهم، وهؤلاء شعراء أهل الإسلام، وهم أشعر الناس بعد حسان بن ثابت لأنه لا يشاكل شاعر رسول الله، ﷺ، أحدٌ.

وذكر عن أبي عبيدة قال: قيل لجرير: كيف شعر الفرزدق؟ قال: كذب من قال إنه أشعر من الفرزدق! قيل: فكيف شعرك؟ قال: أنا مدينة الشعر! قيل: كيف قول الراعي؟ قال: شاعر ما خليته وإبله وديمومته! يريد راعي الإبل؛ قيل: كيف شعر الأخطل؟ قال: أرمانا للأعراض! قيل: كيف شعر ذي الرمة؟ قال: نقط عروسٍ وبعر ظباء! وأما جرير فأعزنا بيتاً، وأما الفرزدق فأفخرنا بيتاً.

وقال أبو عبيدة: فتح الشعر بامرىء القيس، وختم بذي الرمة، رواه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء. وعنه: عن مسلم عن أبي بكر المديني قال: جاء رجل من بني نهشل إلى الفرزدق، وهو بالبصرة، فقال: يا أبا فراس! هل أحد اليوم يرمي معك؟ قال: والله ما أعلم نابحاً إلا وقد انحجر، ولا ناهساً إلا وقد أسكت، إلا أبياتاً جاءت من غلام بالمروة. قال: وما هي؟ قال قوله:

فإنْ لم تكنْ في الشّرقِ والغربِ حاجتيتَشاءمتُ أو حَوّلتُ وَجهي يَمانيَا
فُردِي جِمالَ الحيّ، ثمّ تَحَمَّليفما لكِ فيهم من مُقامٍ، ولا لِيَا
فإنّي لَمغرورٌ أُعَلَّلُ بالمُنى،لياليَ أدعو أنّ مالَكَ مالِيَا
بأيّ سِنانٍ تَطعنُ القَومَ، بعدمانزَعْتَ سِناناً من قَناتِكَ ماضِيَا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي رهبى ثم حي المطاليا»
بأيّ نِجادٍ تَحمِلُ السّيفَ، بعدماقَطَعْتَ القُوى من مَحملٍ كان باقيَا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي رهبى ثم حي المطاليا»
لِساني وسَيفي صارِمانِ كلاهماولَلْسَّيفُ أشوى وَقعةً من لسانِيَا

فقيل: من هو؟ قال: أخو بني يربوع.

وقال أبو عبيدة: قيل للأخطل: أنت أشعر أم الفرزدق؟ قال: أنا، غير أن الفرزدق قال أبياتاً ما استطعت أن أكافئه عليها:

يا ابنَ المَراغة! والهِجانُ إذا التَقَتْأَعنَاقُها وتَمَاحَ: َ الخصمانِ
كانَ الهَزيلُ يَقُودُ كُلَّ طِمِرَّةٍدَهْمَاءَ مُقْرَبَةٍ وكُلَّ حِصانِ
يا ابنَ المَراغَةِ! إنَّ تَغلِبَ وائلٍرَفَعُوا عِناني فوقَ كلِّ عِنانِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا ابن المراغة والهجاء إذا التقت»
ما ضَرّ تَغْلِبَ وائلٍ أَهَجَوْتَهَا،أم بُلْتَ حَيثُ تَناطَحَ البَحرانِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا ابن المراغة والهجاء إذا التقت»
إنّ الأراقِمَ لَن يَنالَ قَدْيِمَهَاكَلْبٌ عَوَى مُتَهَتِّمُ الأسنانِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا ابن المراغة والهجاء إذا التقت»

وقيل للفرزدق: أنت أشعر أم الأخطل؟ قال: أنا! غير أن الأخطل قال أبياتاً ما استطعت أن أكافئه عليها، وهي قوله:

وَلَقدْ شَدَدْتَ على المَراغةِ سرجَهاحَتّى نَزَعْتَ، وأنتَ غيرُ مَجيدِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أذكرت عهدك فاعترتك صبابة»
وَعَصَرْتَ نُطفَتَها لِتُدرِكَ دارِماً،هَيهاتَ من أملٍ علَيكَ بَعيدِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أذكرت عهدك فاعترتك صبابة»
وإذا تَعاظَمَتِ الأُمُورُ لدارِمٍطَأْطَأْتَ رَأْسَكَ عنْ قَبائلَ صِيْدِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أذكرت عهدك فاعترتك صبابة»
وإذا عَدَدْتَ بيوتَ قومِكَ لم تجدْبَيتاً كَبَيْتِ عُطارِدٍ ولَبيدِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أذكرت عهدك فاعترتك صبابة»
بَيتٌ تَزِلُّ العُصُمُ عن قُذُفاتِهِفي شاهِقٍ ذي مَنْعَةٍ، مَحمُودِ

وذكر محمد بن عثمان عن علي بن طاهر الهذلي قال: كنت عند عمرو بن عبيد أكتب الحديث، وكان فيمن حضر المجلس عيسى بن عمر الثقفي، وقد ذكر الشعر والشعراء أيهم أشعر؟ فقلت أنا: أشعر الناس الأعشى، قال عيسى: وكيف ذلك؟ فجعلت أنشد محاسن شعره الذي يفضل به، وهو منصتٌ، فلما فرغت قال: يا ناعس! أشعر الناس الأخطل حيث يقول:

وَنَجّى ابنَ بَدْرٍ ركضَةٌ من رِماحنا،وَلَيِّنَةُ الأَعْطافِ مُلْهَبَةُ الحُضْرِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»
كأنّ بقايا عُذْرِها وخُزامِها،أَداوَى تَسِحُّ المَاءَ من خَرزٍ وَفْرِ

الوفر: الجديدة: قال:

وَفْرَاءُ غَرفيَّةٌ أَثْأَى خَوارِزَهامُشَلشَلٌ ضَيَّعَتْهُ بينَها الكُتبُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

الكتب: الخرز. والمشلشل: كثير القطران.

يُشيرُ إلَيها والرّماحُ تَنُوشُهُ:فِدىً لكِ أُمّي إنْ دَأبْتِ إلى العصرِ

ثم قال: لله دره كيف ينتحل شعره.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.