تجاوز إلى المحتوى

من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)

طعام عبد الملك والأعرابي

وذكر عوانة بن الحكم: أن عبد الملك بن مروان صنع طعاماً، فأكثر، وأطاب ودعا الناس، فأكلوا، فقال بعضهم: ما أطيب هذا الطعام وما أكثره، وما أظن أحداً أكل أطيب منه. فقال أعرابي من ناحية القوم: أما أكثر، فلا! وأما أطيب فقد أكلت أطيب منه. فطفقوا يضحكون، فأشار إليه عبد الملك، فدنا منه، فقال: ما أنت لما تقول بحقيقٍ. قال: بلى، يا أمير المؤمنين؛ بينا أنا بهجر في ترابٍ أحمر في أقصاها حجراً إذ توفي أبي وترك كلا وعيالاً ونساء ونخلاً، وفي النخل نخلةٌ لم ير الناظرون مثلها، كأخفاف الرباع ولم ير تمرٌ قط أغلظ لحماً ولا أصغر نوىً، ولا أحلى حلاوةً منها. وكانت أتانٌ وحشيةٌ قد ألفت تلك النخلة، فتثبت برجليها، وترفع يديها وتعطو بفيها، وكادت تنفذ ما فيها، فانطلقت بقوسي وكنانتي وأسهمي وزندي، وأنا أظنني أرجع من ساعتي، فمكثت يوماً وليلة، حتى إذا كان السحر، أقبلت فرميتها فأصبتها، ثم عمدت إلى سرتها، فأبرزتها، ثم عمدت إلى حطبٍ جزلٍ

فجمعته، وإلى رضفٍ فوضعته، وإلى زندي فأوريته، ثم ألقيت سرتها في ذلك الحطب ثم أدركني النوم فنمت، فلم يوقظني إلا حر الشمس، فانطلقت فكشفتها وألقيت عليها من رطب تلك النخلة من مجزعه ومنقطه فسمعت لها أطيطاً كتداعي قطاً وغطيطا، ثم أقبلت أتناول الشحمة واللحمة والتمرة، فقال عبد الملك: لقد أكلت طيباً، فمن أنت؟ قال: أنا رجل جانبتني صأصأة اليمن، وعنعنة تميم وأسد، وكشكشة ربيعة، وتأنيث كنانة.

العنعنة: إبدال العين من الهمزة في مثل قول ذي الرمة:

أَعِنْ تَوَسّمت من خَرقاءَ منزلَةً،ماءُ الصّبابةِ مِنْ عَينَيك مَسْجُومُ

والكشكشة: إبدال الشين المعجمة من الكاف نحو: عليش وبش في موضع عليك وبك.

قال عبد الملك: فمن أنت؟ قال: أنا رجلٌ من أخوالك بني عذرة، قال عبد الملك: أولئك من أفصح العرب، فهل لك من معرفةٍ بالشعر؟ قال: سل عما بدا لك يا أمير المؤمنين، قال: أي بيتٍ قالت العرب أمدح؟ قال: قول الشاعر:

أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا،وَأَنْدَى العالَمِيْنَ بطونَ راحِ؟
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

قال: وكان جرير في القوم، فتحرك ورفع رأسه. قال عبد الملك: فأي بيتٍ قالت العرب أفخر؟ قال قوله:

إذا غضِبْتْ عليْكَ بَنو تَميمٍوَجَدْتَ النّاسَ كلَّهُمُ غِضَابَا

فتحرك جرير وتطاول. ثم قال عبد الملك: فأي بيتٍ قالت العرب أهجى؟ قال قوله:

فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُميرٍفلا كَعباً بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

فتحرك جرير. قال عبد الملك: فأي بيتٍ قالت العرب أحسن تشبيهاً؟ قال قوله:

سَرَى لَهُمُ لَيلٌ كأَنَّ نجُومَهُقَناديلُ فيهنّ الذُّبالُ المُفتَّلُ

قال: فقال جرير: أصلح الله شأن أمير المؤمنين، جائزتي لأخي عذرة؛ قال عبد الملك: ومثلها معها. قال: وكانت جائزة جرير عند الخلفاء

أربعة آلافٍ وما يتبعها من كسوةٍ. فخرج الأعرابي وفي يده اليمنى ثمانية آلافٍ وفي يده اليسرى رزمة ثياب.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.