من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)
معلقة امرىء القيس الطويل
قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكرَى حبيبٍ ومنزِلِبِسِقطِ اللِّوى، بينَ الدَّخُولِ، فحَوْمَلِ
فتُوضِحَ فالمِقْراةِ لم يَعفُ رَسْمُهالَما نَسجَتْها مِن جَنُوبٍ وشَمألِ
رخاءً تَسُحُّ الرّيحُ في جَنَباتِهاكَساها الصَّبا سَحْقَ المُلاءِ المُذَيّلِ
تَرَى بَعَرَ الآرامِ في عَرصَاتِهاوَقيعانِها، كأنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ
كأنّي غَداةَ البَينِ، يَومَ تَحَمَّلُوالدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنظَلِ
وُقُوفاً بها صَحْبي عَليَّ مَطِيَّهُمْيَقولونَ: لا تَهلِكْ أَسىً، وتجَمَّلِ
فَدَعْ عَنكَ شَيئاً قَد مَضَى لسَبيلِهِولكِنْ على ما غالكَ اليَوْمَ أقبِلِ
وقَفْتُ بها حتّى إذا ما تَرَدَّدَتْعمايَةُ مَحزونٍ بشوقٍ مُوَكَّلٍ
وإنّ شِفائي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌفهل عَنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ من مُعَوَّلِ
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبلَها،وَجارَتِها أُمِّ الرَّبابِ بِمَأْسَلِ
إذا قامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُما،نَسيمَ الصَّبا جاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
فَفَاضَتْ دُموعُ العَينِ منِّي صَبابةًعلى النَّحْرِ حتَّى بَلَّ دَمعيَ مِحمَلي
أَلا رُبَّ يَومٍ لي مِنَ البِيضِ صالحٍ،ولا سِيّما يومٍ بِدَارِةِ جُلْجُل
ِ
وَيومَ عَقَرْتُ للعَذَارَى مَطِيَّتي،فَيا عَجَباً مِنْ رَحْلِها المتَحَمَّلِ
ويا عَجَباً مِنْ حَلّها بَعدَ رَحْلِها!ويَا عَجَباً للجازِرِ المُتَبَذّلِ
فظَلّ العَذَارَى يَرتَمِيْنَ بلَحْمِهَاوشَحْمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّل
ِ
تُدارُ علينَا بالسّدِيفِ صِحافُهاويُؤتَى إلينا بالعَبيطِ المُثَمَّلِ
ويَومَ دَخَلتُ الخِدْرَ، خِدْرَ عُنَيزَةٍفقالتْ: لَكَ الوَيلاتُ إنَّكَ مُرْجِلي
تَقولُ، وَقَدْ مالَ الغَبِيْطُ بنا مَعاً:عَقَرْتَ بَعيرِي، يا امَرأ القيسِ، فانْزِلِ
فقُلتُ لها: سِيري وأَرْخي زِمامَهُ،ولا تُبعِديني مِنْ جَنَأكِ المُعَلَّلِ
دَعي البَكرَ لا تَرثي لهُ من رِدافِنا،وهاتي أذِيقينَا جَنَاةَ القَرَنْفُلِ
بِثَغرٍ كَمِثلِ الأُقحُوانِ مُنَوِّرٍنَقيِّ الثّنايا أشنَبٍ غَير أثْعَلِ
فمِثلِكِ حُبْلى قدْ طَرَقتُ ومُرْضِعٍ،فألهَيْتُها عنْ ذي تمائِمَ مُغْيَلِ
إذا ما بكَى من خَلفِها انصَرَفَتْ لَهُبِشِقِّ وَتَحتي شِقُّها لم يُحَوَّلِ
ويَوْماً على ظَهْرِ الكَثيبِ تَعَذَّرَتْعَليّ، وآلَتْ حَلْفَةً لم تُحَلَّلِ
أفاطِمَ، مَهْلاً، بَعْضَ هذا التَّدَلُّلِ،وإن كُنْتِ قد أَزْمَعتِ صَرْميَ فاجْملي
أَغَرَّكِ منّي أنّ حُبَّكِ قاتلي،وأنَّكِ مَهما تأْمُري القَلبَ يَفعَلِ
وأنّكِ قَسّمتِ الفُؤادَ، فنِصفُهُقَتيلٌ، ونِصفٌ بالحَديدِ مُكَبَّلِ
فإنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكَ منّي خَليقَةٌ،فَسُلِّي ثِيابي منْ ثيابِكِ تَنْسُلِ
وما ذَرَفَتْ عَيناكِ إلاّ لتَضْرِبيبِسَهْمَيكِ في أَعْشَارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ
وبَيضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها،تَمَتَّعْتُ مِن لَهوٍ بها، غَيرَ مُعجَلِ
تَجاوَزْتُ أَحْرَاساً إلَيها ومَعشَراًعليَّ حِرَاصاً لو يُسِرُّونَ مَقتَلي
إذا ما الثُّرَيّا في السَّماءِ تَعَرَّضَتْتَعَرُّضَ أَثناءِ الوِشاحِ المُفصَّلِ
فَجِئْتُ، وقد نَضَّتْ لنَوْمٍ ثِيابَهَالَدَ السِّترِ إلاّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ
فَقالَتْ: يَمينََ اللَّهِ ما لَكَ حِيْلَةٌوما إنْ أَرَى عَنكَ الغَوَايةَ تَنْجَلي
خَرَجْتُ بها أَمشي تَجُرُّ وَرَاءَناعلى أثَرَينا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ
فلَمَّا أَجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانتَحَتْبنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي حِقافٍ عقَنقَلِ
هَصَرْتُ بفَودَيْ رأْسِها فَتَمايَلَتْعليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلخَلِ
مُهَفهَفَةٌ بَيضاءُ، غَيرُ مُفَاضَةٍتَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضِ بِصُفْرَةٍ،غَذاها نَميرُ المَاءِ غَيرُ المُحَلَّلِ
تَصُدّ وتُبدي عَنْ أَسِيْلٍ وَتَتّقيبناظِرَةٍ منْ وَحشِ وَجرَةَ مُطْفِلِ
وَجِيْدٍ كَجِيْدِ الرِّيمِ ليسَ بِفاحِشٍ،إذا هيَ نَصَّتْهُ، ولا بمُعَطَّلِ
وفَرْعٍ يَزينُ المَتنَ أَسْوَدَ فاحِمٍأَثيثٍ كَقِنْوِ النّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
غَدائِرُهُ مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلاَتُضِلُّ المدارَى في مُثَنّىً ومُرْسَلِ
وكَشْحٍ لَطيفٍ كالجَديْلِ مُخَصَّرٍ،وَسَاقٍ كأُنْبوبِ السَّقيِّ المُذَلَّلِ
وتُضحي، فُتِيْتُ المِسكِ فوقَ فِراشِهانَؤُومُ الضُّحَى لم تَنتَطِقْ عن تَفَضُّلِ
وتَعطُو برَخْصٍ غيرِ شَنَئْنٍ كأنَّهُأَساريعُ ظَبيٍ أو مَسَاويكُ إسْحِلِ
تُضيءُ الظّلامَ بالعِشاءِ كأَنَّهامَنارَةُ مُمْسَى رَاهبٍ مُتَبَتِّلِ
إلى مِثلِها يَرنُو الحَليمُ صَبابَةًإذا ما اسبَكَرَّتْ بينَ دِرْعٍ ومِجْوَلِ
تَسَلَّتْ عَماياتُ الرِّجالِ عنِ الصِّبَاولَيسَ فؤاديْ عنْ هَواها بمُنسَلِ
ألا رُبَّ خَصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُهُنَصيحٍ على تَعذالِهِ غَيرِ مُؤتَلِ
ولَيلٍ كَمَوجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدولَهُعَليّ بأَنْواعِ الهُمُومِ ليَبتَلي
فَقُلْتُ لَهُ لمّا تَمَطَّى بِجَوْزِهِوَأَرْدَفَ أَعْجازاً ونَاءَ بكَلْكَلِ
أَلا أَيُّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلِبِصُبْحٍ، وما الإصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
فَيا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُبِكُلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدّتْ بِيَذْبُلِ
كأنّ الثُّرَيّا عُلّقَتْ في مَصابِهابأمراسِ كَتّانٍ إلى صُمّ جَنْدَلِ
وقِرْبَةِ أَقْوامٍ جَعَلْتُ عِصامَهاعلى كاهِلٍ مِنِّي ذَلُولٍ مرَحَّلِ
وَوَادٍ كَجَوْفِ العَيْرِ قَفْرٍ قَطعْتُهُبِهِ الذّئبُ يَعوي كالخَليعِ المُعَيَّلِ
فَقُلْتُ لَهُ لمّا عَوَى: إنَّ شَأْنَناقَليلُ الغنى إنْ كنتَ لَمّا تَمَوَّلِ
كِلانا إذا ما نالَ شَيْئاً أَفَاتَهُ،وَمَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثي وَحَرْثَك يَهْزِلِ
وقد أغتَدي والطّيرُ في وُكُناتِهابمُنجَردِ قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكَلِ
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاًكَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
كُمَيتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عن حاذِ مَتْنِهِكَمَا زَلَّتِ الصّفْوَاءُ بِالمُتَنَزِّلِ
على العَقْبِ جَيَّاشٍ كأَنَّ اهْتِزامَهُإذا جاشَ فيهِ حَمْيُهُ غَلْيُ مِرْجَلِ
مِسَحٍّ إذا ما السَّابِحَاتُ على الوَنَىأَثَرْنَ غُبَاراً بالكَدِيدِ المُرَكَّلِ
يُزِلُّ الغُلامَ الخِفَّ عَنْ صَهَواتِهِ،ويُلْوي بأَثوابِ العَنيفِ المُثَقَّلِ
دَريرٍ كَخُذْرُوفِ الوَليدِ أَمَرَّهُتَتابُعُ كَفَّيْهِ بِخَيْطٍ مُوَصَّلِ
لَهُ أَيْطَلا ظَبْيٍ وَساقَا نَعَامَةٍ،وإرْخَاءُ سِرْحانٍ وتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
ضَليعٍ إذا استدبَرْتَهُ سَدَّ فَرجَهُبِضَافٍ فُوَيقَ الأرضِ لَيسَ بِأَعْزَلِ
كأنّ سَراتَهُ لدَى البَيتِ قَائماًمَداكُ عَرُوسٍ أَوْ صَلايَةُ حَنْظَلِ
كأنّ دِماءَ الهادِيَاتِ بِنَحْرِهِعُصارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّلِ
فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَهُعَذَارَى دَوَارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ
فَأَدْبَرْنَ كَالجِزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُبِجِيْدٍ مُعَمٍ في العَشِيرَةِ مُخَوَلِ
فأَلْحَقَنَا بالهَادياتِ وَدُونَهُجواحِرُها في صَرَّةٍ لَمْ تَزَيَّلِ
فَعَادَى عِداءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍدِرَاكاً ولَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ
فظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ ما بَيْنَ مُنْضِجٍصَفِيفَ شِواءٍ أَوْ قَديرٍ مُعَجَّلِ
وَرُحْنا يَكاد الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُونَهُمتى ما تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَفَّلِ
فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلِجَامُهُوَبَاتَ بِعَيْنيَ قَائِماً غَيْرَ مُرْسَلِ
أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيْضَهُكَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبيٍ مُكَلَّلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ، أَوْ مَصَابيحُ رَاهبٍأَهَانَ السَّليِطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّلِ
قَعَدْتُ وأَصْحَابِي لَهُ بَيْنَ ضَارِجٍوبَيْنَ العُذَيْبِ، بُعْدَ ما مُتَأَمَّلي
على قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبِهِوأَيْسَرُهُ على السِّتَارِ فَيَذْبُلِ
فَأَضْحَى يَسُحُّ حَوْلَ كُتَيْفَةٍيَكُبُّ على الأَذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبُلِ
وَمَرَّ على القَنَانِ مِنْ نَفَيَانِهِفَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِن كلّ مَوئِلِ
وَتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍوَلاَ أُطُماً إلاّ مَشِيْداً بِجَنْدَلِ
كأَنَّ ثَبِيراً في عَرَانِينِ وَبْلِهِكَبِيرُ أُنَاسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيمِرِ غُدْوَةًمِنَ السَّيلِ والغُثّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
وَأَلْقَى بِصَحْراءِ الغَبِيْطِ بَعَاعَهُنُزُولَ اليَمَانيْ ذي العِيَابِ المُحَمَّلِ
كَأنَّ مَكَاكِيَّ الجِواءِ غُدَيَّةًصُبِحْنَ سُلافاً مِن رَحيقٍ مُفَلْفَلِ
كَأَنَّ السِّباعَ فيهِ غَرْقَى عَشِيَّةًبِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عُنْصُلِ
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع