من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)
عنترة بن شداد الكامل
هَلْ غَادَرَ الشّعراءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ؟أَمْ هَلْ عَرَفتَ الدّارَ بَعدَ تَوَهّمِ؟
إلاّ رواكِدَ بَيْنَهُنّ خَصائِصٌوبَقيّةٌ مِنْ نُؤيِها المُجْرَنْثِمِ
دارٌ لآِنِسَةٍ غَضيضٍ طَرْفُهاطَوْعِ العِنانِ لَذيذَةِ المُتَبَسِّمِ
يا دارَ عَبلَةَ بالجِواءِ تَكَلّمي،وَعِمي صَباحاً دارَ عبلةَ واسلَمي
فَوقَفتُ فيها ناقَتي وكأَنّهافَدَنٌ لأقضِيَ حاجَةَ المُتَلوِّمِ
وتَحُلّ عَبلةُ بالجواءِ، وأَهْلُنابالحَزْنِ فالصَّمّانِ فَالمُتَثَلَّمِ
وَتَظلّ عَبْلَةُ في الخُزُوزِ تَجُرّهاوَأَظَلّ في حَلَقِ الحَديدِ المُبْهَمِ
حُييّتَ مِنْ طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُأَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمّ الهَيثَمِ
حَلّتْ بأرْضِ الزّائرينَ، فأَصْبَحَتْعَسِراً عليّ طِلابُكِ ابنةَ مَخْرَمِ
عُلِّقْتُها عَرَضاً وأقتُلُ قَوْمَهازَعْماً لَعَمرُ أبيكَ لَيْسَ بِمَزْعَمِ
وَلَقَدْ نَزَلتِ، فلا تَظُنّي غَيرَهُ،منّي بِمَنزِلَةِ المُحَبِّ المُكرَمِ
أنّي عَداني أَنْ أَزورَكِ فاعْلَميما قَدْ عَلِمتِ وبعضَ ما لم تَعْلَمي
يا عَبْلَ لَوْ أَبْصَرْتِني لرأيتنيفي الحربِ أُقدِمُ كالهزْبرِ الضّيغمِ
حالَتْ رِماحُ بَني بَإيضٍ دونَكُمْوزوت جوابي الحْرب مَنْ لم يُجرِمِ
كَيفَ المَزارُ وقد تَرَبّعَ أهلُهابعُنَيزَتَينِ، وأهلُنا بالغَيلَمِ
إن كُنتِ أَزْمعتِ الفِراقَ، فإنّمازُمّتْ رِكابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظلمِ
ما راعَني، إلاّ حَمُولَةُ أهلِهاوَسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمخِمِ
فيها اثنَتانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً،سُوداًَ كخافيَةِ الغُرابِ الأسْحَمِ
فصِغارُها مثْلُ الدّبَى وكِبارُهامثل الضّفادعِ في غَديرٍ مُفْعَمِ
ولقد نَظَرْتُ غَداةَ فارَقَ أَهْلُهانَظَرَ المُحِبّ بِطرْفِ عَيْنَيْ مُغرَمِ
إذْ تَستَبيكَ بذي غُرُوبٍ واضحٍ،عَذْبٍ مُقَبَّلُهُ، لَذيذِ المَطعَمِ
وأُحبّ لوْ أُسقيكِ غيرَ تَمَلّقٍواللَّهُ مِنْ سَقَمٍ أَصَابكِ من دَمِ
وكأنّ فارَةَ تاجِرٍ بقَسيمَةٍ،سَبَقَتْ عَوارِضَها إليَكَ من الفَمِ
أو رَوضَا أُنُفاً تَضَمّنَ نَبتَهاغَيثٌ قليلُ الدِّمنِ، لَيسَ بمعَلَمِ
نَظرَتْ إلَيْهِ بِمُقْلَةٍ مَكْحُولَةٍنَظَرَ المَليلِ بطَرْفِهِ المُتَقَسِّمِ
وبحاجِبٍ كالنُّونِ زَيَّنَ وَجْهَهَاوبناهِدٍ حَسَنٍ وكَشحٍ أَهْضَمِ
ولقد مَرَرْتُ بدارِ عَبْلَةَ بَعدَمَالَعِبَ الرَّبيعُ برَبْعِها المُتَوسّمِ
جادَتْ عَلَيهِ كلُّ بِكْرٍ حُرّةٍفَتَركنَ كلّ قَرارَةٍ كالدّرْهَمِ
سَحّاً وتَسكاباً، فكُلَّ عَشِيّةٍيَجري عليها المَاءُ لَمْ يَتَصَرّمِ
خَلا الذُّبابُ بها، فَلَيسَ ببارِحٍ،غَرِداً كَفعلِ الشّارِبِ المُتَرَنَّمِ
هَزِجاً يَحُكُّ ذِراعَهُ بذِراعِهِ،قَدْحَ المُكِبِّ على الزّنَادِ الأجْذَمِ
تُمسي وتُصبِحُ فَوقَ ظَهرِ حَشِيّةٍوَأَبيتُ فَوقَ سَراةِ أَدْهَمَ مُلجَمِ
وحَشيّتي سَرْجٌ على عَبْلِ الشَّوَىنَهدٍ مَراكِلُهُ، نَبيلِ المَحْزِمِ
هَلْ تُبلِغَنّي دارَها شَدَنِيَّةٌ،لُعِنَتْ بِمَحْرُومِ الشّرابِ مُصَرَّمِ
خَطّارَةٌ غِبَّ السُّرَى، زَيّافَةٌ،تَطِسُ الإِكَامَ بذاتِ خُفٍ مِيثَمِ
وكأنّما أقِصُ الإِكامَ عَشِيّةًبقَريبِ بَينض المَنسِمَينِ مُصَلَّمِ
تَأْوِي لَهُ قُلُصُ النّعامِ كما أَوَتْحِزَقٌ يَمانيةٌ لأَعْجَمَ طِمْطِمِ
يَتبَعنَ قُلّةَ رأسِهِ، وكأنّهُحِدْجٌ على نَعشٍ لهنّ مُخَيَّمِ
صَعْلٍ يَعُودُ بذي العُشَيرَةِ بَيضَهُ،كالعَبدِ ذي الفَرْوِ الطّويلِ الأصلَمِ
شَرِبَتْ بِمَاءِ الدُّحرُضَينِ فأَصْبَحَتْزَوْراءَ تَنْفِرُ عَنْ حِياضِ الدَّيْلَمِ
وكَأنما تَنْأَى بِجَانِبِ دَفّها الوَحشيّ مِنْ هَزِجِ العَشيّ مُؤوَّمِ
هِرٍّ جَنيبٍ كلّما عَطَفَتْ لَهُغَضبَى اتّقاها باليَدَينِ وبالفَمِ
أَبْقَى لها طُولُ السّفارِ مُقَرْمَداً،سَنَداً، ومِثلَ دَعائِمِ المُتَخَيِّمِ
بَرَكَتْ على ماءِ الرِّداعِ كَأنمابَرَكتْ على قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ
وكأَنّ رُبّاً أو كُحَيلاً مُعقَداًحِشَّ الوَقُودُ بِهِ جَوانِبَ قُمقُمِ
يَنباعُ مِنْ ذِفَري غَضُوبٍ جَسرَةٍ،زَيّافَةٍ، مِثلَ الفَنيقِ المُكَدَمِ
إنْ تُغدِفي دثوني القِنَاعَ، فَأنّنيسَهلٌ مُخَالَقَتي، إذا لَمْ أُظْلَمِ
أثني عَليّ بِمَا عَلِمتِ، فإنّنيطَبٌّ بِأَخْذِ الفارِسِ المُستَلْئِمِ
فإذا ظُلِمتُ فإنَّ ظثلمَيَ باسِلٌمُرٌّ مَذَاقَتُهُ كَطَعْمِ العَلْقَمِ
وَلَقَدْ أَبِيتُ على الطّوَى وأَظَلُّهُحَتّى أَنَالَ بِهِ لَذيِذَ المَطْعَمِ
وَلَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ المُدَامَةِ بَعْدَمَارَكَدَ الهَواجِرُ بِالمَشُوفِ المُعَلَمِ
بِزُجاجَةٍ صَفْرَاءَ ذاتِ أسِرَّةٍ،قُرِنَتْ بِأَزْهَرَ في الشِّمالِ مُفَدَّمِ
فإذا شَرِبْتُ فإنّني مُسْتَهلِكٌمالي وعِرضِي وافِرٌ لَمْ يُكَلَمِ
وإذا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عن نَدىًوكَمَا عَلِمْتِ شَمائِلي وَتَكَرُّمي
وحَليلِ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلاً،تَمكُو فَريصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلَمِ
سَبَقَتْ يَدايَ لَهُ بِعَاجِلِ ضَرْبَةٍوَرَشاشِ نافِذَةٍ كَلَونِ العَنْدَمِ
هَلاّ سَأَلْتِ الخَيْلَ يا ابنَةَ مالِكٍإنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمي
لا تَسْأليني واسألي في صُحْبَتييَمْلأْ يَدَيْكِ تَعَفُّفي وتكَُّمي
يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقيعَةَ أنّنيأَغشَى الوَغَى، وأَعفُّ عندَ المَغنَمِ
إذْ لا أزالُ على رِحَالَةِ سابِحٍ،نَهدٍ، تعاوَرُهُ الكُماةُ مُكَلَّمِ
طَوراً يُجَرَّدُ للطَعانِ وتارَةًيَأْوي إلى حَصِدِ القِسيّ عَرَمْرَمِ
ومُدَحَّجٍ كَرهَ الكُماةُ نِزالَهُ،لا مُمعِنٍ، هَرَباً ولا مُستَسْلِمِ
جَادَتْ يَدايَ لَهُ بِعَأجِلِ طَعْنَةٍبِمُثَقَّفٍ صَدْقٍ الكُعُوبِ مُقَوَّمِ
فشَكَكْتُ بالرّمْحِ الأصَمّ ثِيابَهُ،لَيْسَ الكَريمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ
فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشَنهُ،ما بَيْنَ قُلّةِ رَأْسِهِ والمِعْصَمِ
ومِشَكِّ سابِغَةٍ هَتَكْتُ فُرُوجَهابالسّيْفِ عن حامي الحَقِيقَةِ مُعَلِمِ
رَبِذٍ يَداهُ بالقِداحِ، إذا شَتَا،هَتّاكِ غَايَاتِ التِّجَارِ مُلَوَّمِ
لَمّا رَآني قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ،أَبدَى نَواجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسّمِ
فَطَعَنْتُهُ بالرّمْحِ، ثمّ عَلَوْتُهُبِمُهَنَّدٍ صافي الحَديدةِ، مِخذَمِ
عَهدي بِهِ مَدَّ النّهارِ، كَأنّماخُضِبَ البَنانُ ورأَسُهُ بالعِظِلِمِ
بَطَلٍ كأنّ ثِيَابَهُ في سَرْحَةٍ،يُحذَى نِعالَ السِّبتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ
يا شاةَ ما قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لهُحَرُمَتْ عَليّ، وَلَيْتَها لم تَحْرُمِ
فَبَعَثْتُ جَاريتي فقُلْتُ لها اذهبيفَجَسّسي أَخبارَها ليَ واعلَمي
قالَتْ: رَأَيْتُ مِنَ الأعادي غِرّةً،والشّاةُ مُمكِنَةٌ لِمَنْ هُوَ مُرْتَمِ
وكَأنّما التَفَتَتْ بِجيدِ جَدَايَةٍ،رَشَأٍ مِنَ الغِزْلاَنِ، حُرٍ أَرْثَمِ
نُبّئْتُ عَمْراً غيرَ شاكِرِ نِعْمَتيوالكُفرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ
ولَقَدْ حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمّي بالضّحىإذ تَقلِصُ الشّفتَانِ عن وَضَحِ الفَمِ
في حَوْمَةِ المَوتِ التي لا تَشتكيغَمراتِها الأبطالُ غيرَ تَغمغُمِ
إذْ يتّقُونَ بيَ الأسِنّةَ لَمْ أَخِمْعَنْهَا ولكنّي تَضايَقَ مُقَدَمي
لَمّا سَمِعْتُ نِداءَ مُرّةَ قَدْ عَلاَ،وابْنَيْ رَبِيعَةَ في الغُبَارِ الأُتَمِ
ومُحَلِّمٌ يَسْعَوْنَ تَحْتَ لِوائِهِمْوالمَوْتُ تَحْتَ لِواءِ آلِ مُحَلِّمِ
أيْقَنْتُ أَنْ سَيكُونُ عِنْدَ لِقَائِهِمْضَرْبٌ يَطيرُ عنِ الفِراخِ الجُثَّمِ
لَمّا رأَيْتُ القَوْمَ أَقْبَلَ جَمعُهُمْيَتَذامَرُونَ كَرَرْتُ غَيْرَ مُذَمَّمِ
يَدْعُونَ عَنْتَرَ، والرّمَاحُ كأنّهاأَشْطانُ بِئْرٍ في لَبَانِ الأدْهَمِ
كَيْفَ التّقَدّمُ والرّمَاحُ كَأَنّهابَرْقٌ تَلألأ في السّحَابِ الأرْكَمِ
كَيْفَ التّقَدّمُ والسّيوفُ كَأَنّهاغَوغا جَرادٍ في كَثيبٍ أَهْيَمِ
ما زِلْتُ أَرْميهِم بِغُرّةِ وَجْهِهِولَبَانِهِ حتى تَسَرْبَلَ بالدّمِ
فإذا اشْتَكَى وَقْعَ القَنا بِلَبَانِهِأَدْنَيْتُهُ مِنْ سَلِّ عَضْبٍ مَخْذَمِ
فازْوَرّ مِنْ وَقْعِ القَنَا بلَبَانِهِوشَكَا إليّ بِعَبْرَةٍ وتَحمْحُمِ
لو كانَ يَدْرِي ما المُحَاوَرَةُ اشْتَكَىولَكانَ لو عَلِمَ الكَلامَ مُكَلّمي
آسَيْتُهُ في كُلّ أمْرٍ نَابَنَاهَلْ بَعْدَ أَسْوَةِ صاحبٍ من مذممِ
فَتَركْتُ سَيّدَهُمْ لأِوَّلِ طَعْنَةٍيَكْبُو صَريعاً لليَدَيْنِ وللفَمِ
ركّبتُ فيه صَعْدَةً هِنْدِيَّةًسَحْمَاءَ تَلْمَعُ ذاتَ حَدٍّ لَهْذَمِ
والخَيْلُ تَقْتَحِمُ الغُبَارَ عَوَابِساً،من بَيْنِ شَيْظَمَةٍ، وأَجْرَدَ شَيْظَمِ
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسي وأَبْرَأ سُقمَها،قِيْلُ الفَوارِسِ: وَيكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ
ذُلُلٌ رِكابي حَيْثُ شِئْتُ مُشايعيقَلبي، وَأَحفِزُهُ بِأَمْرٍ مُبْرَمِ
وَلَقدْ خَشِيتُ بِأَنْ أمُوتَ، ولم تَكُنْللحَرْبِ دائرةٌ على ابنَيْ ضَمضَيم
الشّاتِمَيْ عِرْضِي، ولم أشتِمْهُمَا،والنّاذِرَيْنِ إذا لم أَلْقَهُما دَمي
أُسْدٌ عَلَيَّ وفي العَدُوّ أَذِلّةٌهذا لَعَمرُكَ فِعْلُ مولى الأَشْأَمِ
إنْ يَفْعَلاَ فَلَقَدْ تَرَكْتُ أَباهُماجَزَرَ السّباعِ، وكلِّ نَسْرٍ قَشعَمِ
ولقَد تَرَكْتُ المُهْرَ يَدْمَى نَحْرُهُحَتى اتّقَتْني الخَيلُ بابني حذْلِمِ
إذْ يُتَّقَى عمرو وَأُذْعِنُ غَدْوَةًحَذَرَ الأسِنّةِ إذْ شَرَعْنَ لِدَلْهَمِ
يَحمي كَتيبَته ويَسعَى خَلفَهَايَفري عَواقِبَها كَلَدْغِ الأَرْقَمِ
ولقد كَشَفْتُ الخِدْرَ عنْ مَرْبوبَةٍولقد رَقَدْتُ على نَواشِرِ مِعصَمِ
ولَرُبَّ يَوْمٍ قد لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍبِمسَوّر ذي بارِقَينِ مُسَوّمِ
بِرَحِيبَةِ الفَرغَينِ يَهْدي جَرْسُهاباللّيلِ مُعتَسَّ الذّئابِ الضُّرَّمِ
وَلَقَد ذَكَرْتُكِ والرّمَاحُ نَواهِلٌ،مِنّي وبِيضُ الهندِ تَقْطُرُ من دَمي
فَوَدِدْتُ تَقبيلَ السّيُوفِ لأنّهالَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ المُتَبَسِّمِ
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع