من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)
معلقة عمرو بن كلثوم الوافر
أَلاَ هُبّي بِصَحْنِكِ، فَاصبَحينا،وَلاَ تُبقي خُمُورَ الأندَرِينَا
وَكَأْسٍ قد شَرِبتُ ببَعلَبَكٍ،وَأُخْرَى في دِمَشْقَ، وقاصرِينَا
مُشَعْشَعَةً، كَأَنَّ الحُصَّ فيها،إذا ما الماءُ خَالطَهَا سَخينَا
تَجُورُ بذي اللُّبانَةِ عَن هَواهُ،إذا ما ذاقَها، حتى يَليِنَا
كَأَنَّ الشُّهبَ في الآذان منهإذا قرعوا بحافتها الجبينَا
إذا صَمدَتْ حُمَيَّاها أَرِيباًمِنَ الفِتيانِ، خِلتَ بهِ جُنُونا
تَرَى اللَّحِزَ الشّحِيحَ، إذا أُمِرَّتْعَلَيْهِ، لِمَالِهِ فيها مُهِينَا
صَدَدتِ الكأسَ عَنّا، أُمَّ عَمرٍن،وكانَ الكأسُ مَجراها اليَمِينَا
وَمَا شَرّ الثّلاثَةِ أُمَّ عَمرٍوبصاحبِكِ الذي لا تَصبَحينَا
فَمَا بَرِحَتْ مَجالَ الشَّرْبِ حتىتَغالَوها، وقالُوا قد رَوِينَا
وَإنّا غَداً، وإنَّ اليَوْمَ رَهْنٌ،وَبَعْدَ غَدٍ بِمَا لا تَعْلَمِينَا
قِفي قَبْلَ التّفَرّقِ، يا ظَعيناً،نُخَبّركِ اليَقينَ وَتُخْبِرِينَا
بِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ضرْباً وَطَعْنَاً،أَقَرَّ بِهِ مَوالِيكِ العُيُونَا
قِفي نَسْأَلْكِ هَلْ أَحْدَثتِ صَرْماً،لِوَشْكِ البَيْنِ أَمْ خُنْتِ الأمِينَا
أَفي لَيْلٍ يُعاتِبُني أَبُوها،وَإخْوَتُهَا وهُمْ لي ظَالِمُونَا
تُرِيكَ، إذا دَخَلَتَ على خَلاَءٍ،وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونَ الكاشِحينَا
ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ،تَرَبَّعَتِ الأَجَارِعَ والمُتُونَا
وَثَدْياً مِثْلَ حُقِّ العاجِ رَخْصاًحَصَاناً من أَكُفّ اللامِسِينَا
وَنَحْراً مِثْلَ ضوْءِ البَدْرِ وَافَىبِأَتمامٍ أَنَاساً، مُدْلَجينَا
وَمَتَنَيْ لَدْنَةٍ طَالَتْ وَنَالَتْرَوادِفُهَا، تَنُوءُ بِمَا يَليِنَا
وَمَأْكَمَةً يَضيقُ البابُ عَنْهَا،وَكَشْحاً قد جُنِنْتث بِهِ جُنُونَا
وسَالِفَتَيْ رُخامٍ، أَوْ بِلَنْطٍ،يَرِنُّ خَشَاشُ حَلْيِهِما رَنينَا
تَذَكّرْتُ الصِّبا، واشْتَقْتُ لمّارَأَيتُ حُمُولَها أُصُلاً حُدِينَا
وَأَعرَضتِ اليَمَامَةُ واشْمَخَرّتْكَأَسيافٍ بِأَيدي مُصلِتينَا
فَمَا وَجَدَتْ كَوَجدي أُمُّ سَقبٍأَضلَّتْهُ، فَرَجَّعَتِ الحَنينَا
ولا شَمطاءُ لم يَتْرُكْ شَقاهالَها مِنْ تِسْعَةٍ إلاّ جَنِينَا
أَبا هِندٍ، فَلا تَعْجَلْ عَلَينا،وَأَنْظِرْنا نُخَبّرْكَ اليَقينَا
بِأَنّا نُورِدُ الرّاياتِ بِيضاً،ونُصْدِرُهنّ حُمراً قَد رَوِينَا
فإنَّ الضِّغنَ بَعْدَ الضّغنِ يَفْشُوعَلَيْكَ، وَيُخرجُ الدَّاءَ الدَّفينَا
وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍ، طِوالٍ،عَصَينا المَلْكَ فيها أَنْ نَدينَا
وَسَيِّدِ مَعْشرٍ قَدْ تَوّجُوهُبتاجِ المُلكِ يَحمي المُحجَرِينَا
تَرَكنا الخَيلَ عاكِفَةً عَليْهِ،مُقَلَّدَةً أَعِنّتَها صُفُونَا
وَأَنْزَلنا البُيُوتَ بذي طُلُوحٍ،إلى الشّاماتِ نَنفي المُوعِدينَا
وَقَدْ هَرّتْ كِلابُ الحَيّ مِنّا،وَشَذَّبْنا قَتَادَةَ مَنْ يَليِنَا
وَرِثنا المَجدَ، قد عَلِمتْ مَعَدٌّ،نُطاعِنُ دُونَهُ حتى يَبِينَا
ونحنُن إذا عِمادُ الحَربِ خَرّتْعلى الأحفاض، نَمنَعُ مَن يَلينا
نَعُمّ أُناَسَنا، وَنَعِفُّ عَنهم،وَنَحمِلُ عَنْهُمُ ما حَمَّلُونَا
نُطاعِنُ ما تَراخَى النّاسُ عنّا،ونَضرِبُ بالسّيوفِ، إذا غُشينَا
بسُمرٍ مِنْ قَنَا الخطيّ لُدْنٍ،ذَوابِلَ، أَو بِبِيض يَعْتَليِنَا
نَشُقّ بها رُؤوسَ القَومِ شَقّاً،ونَخْتَلِبُ الرّقابَ فَيَخْتَلِينَا
تَخَالُ جَماجِمَ الأبطالِ مِنْهُمْوُسُوقاً بالأماعِزِ يَرْتَمِينَا
نَجُذّ رُؤوسَهُم، في غَيرِ وِترٍ،ولا يَدرُونَ ماذا يَتّقُونَا
كَأَنَّ ثِيابَنا مِنّا وَمِنْهُمخُضبْنَ بأُرْجُوانٍ أَو طُلِينَا
كَأَنَّ سُيُوفَنا فِينَا وَفِيهِمْمَخَاريقٌ بِأَيْدي لاعِبِينَا
إذا ما عَيَّ بالإِسنافِ حَيٌّمِنَ الهَوْلِ المُشَبّهِ أَنْ يَكُونَا
نَصَبنا مِثلَ رَهْوَةَ ذاتَ حَدٍمُحافَظَةًَ وَكُنّا السّابِقِينَا
بِفِتيانٍ يَرَوْنَ القَتْلَ مَجداًوَشِيبٍ في الحُرُوبِ مُجَرَّبِينَا
يُدَهدُونَ الرّؤوس كَمَا تُدَهديحَزاوِرَةٌ بِأَبْطَحِها الكُرِينَا
حُدَيّا النّاسِ كُلّهِمِ جَميعاًمُقارَعَةً بَنِيهِمْ عَنْ بَنِينَا
فَأَمّا يَوْمَ خَشَيتَنا عَلَيْهِمْ،فَتُصبِحُ خَيْلُنا عُصَباً ثُبِينَا
وأَمّا يَوْمَ لا نَخْشَى عَلَيْهِمْفَنُمعِنُ غَارَةً، مُتَلبِّبينَا
بِرأْسٍ مِن بَني جُشَمِ بنِ بكرٍنَدُقُّ بِهِ السّهُولَةَ والحُزُونَا
بِأَيِّ مَشيئَةٍ عَمرَو بنَ هِنْدٍنَكُونُ لِقَيْلكُمْ فيها قَطينَا
بأَيِّ مَشيئَةٍ عَمَرو بنَ هِنْدٍتُطيعُ بِنا الوُشَاةَ وَتَزْدَرِينَا
تُهَدّدُ، َا وتُوعِدُنا، رُوَيداً،متى كنّا لأُمِّكَ مَقتَوِينَا؟!
وَإنَّ قَنَاتَنا يا عَمُرو أَعْيَتْعلى الأعداءِ قَبْلَكَ أَنْ تَلِينَا
إذا عَضّ الثِّقافُ بها اشمأزَّتْوَوَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةًَ زَبُونَا
عَشَوْزَنَةً إذا غُمِزَتْ أَرَنَّتْتَشُجُّ قَفَا المُثَقَّفِ وَالجَبِينَا
فَهَل حُدّثتَ عَن جُشمِ بنِ بكرٍبِنَقصٍ في الخُطُوبِ الأوّلِينَا
وَرِثنا مَجدَ عَلْقَمَةَ بنِ سَيفٍ،أَبَاحَ لَنا حُصُونَ المَجدِ دِينَا
وَرِثْتُ مُهَلهَلاً، والخَيرَ منهُ،زُهَيراً، نِعمَ ذُخرُ الذَّاخِرينَا
وَعَتَّاباً وكُلْثُوماً جَميعاًبِهِمْ نِلْنَا تُراثَ الأكْرَمِينَا
وذا البُرَةِ الذي حُدِّثْتَ عَنْهُبهِ نُحمَى، ونَحمي المُحْجَزِينَا
ومِنّا قِبْلَا السّاعي كُلَيْبٌ،فأَيُّ المَجدِ إلاّ قَد وَلِينَا؟
متى تُعقَد قَرينَتُنا بِحَبلٍ،تَجُذِّ الحبلَ أو تَقِصِ القرِينَا
ونُوجَدُ نَحْنُ أَمْنَعَهُمْ ذِماراً،وَأَوْفَاهُمْ، إذا عَقَدُوا يَمينَا
وَنَحْنُ غَداةَ أُوقِدَ في خَزازَىرَفَدْنَا فَوقَ رِفْدِ الرّافِدينَا
ونحنٌُ الحابِسونَ لِذي أُراطٍ،تَسِفُّ الجِلّةَ الخُورَ الدَّرِينَا
فكُنّا الأيْمَنينَ إذا أَلتَقَينَا،وكانَ الأيسَرينَ بَنُوا أَبِينَا
فَصالُوا صَوْلَةً فيمَنْ يَليهِمْ،وصُلنا صَوْلَةً فِيمَنْ يَلينَا
فآبُوا بالنِّهابِ وبالسّبَايَا،وأُبْنَا بالمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا
إلَيْكُمْ يا بَني بَكرٍ إليكُم،أَلَّما تَعلَمُوا مِنّا اليَقينَا
أَلّما تَعَلَمُوا منّا ومِنْكُمْكَتَائِبَ يَطّعِنَّ وَيَرْتَمِينَا
نَقُودُ الخَيْلَ داميَةً كِلاهاإلى الأعداءِ لاحِقَةً بُطُونَا
عَلَينا البَيْض واليَلَبُ اليَماني،وأَسيافٌ يَقُمْنَ وَيَنحَنِينَا
علَينا كُلُّ سابِغَةٍ دِلاصٍ،تَرَى تحتَ النّجادِ لها غُضونَا
كَأنَّ مُتُونَهُنّ مُتُونُ غُدرٍ،تُصَفّقُها الرّياحُ إذا جَرينَا
إذا وُضعَتْ عَنِ الأبطالِ يوماًرَأَيتَ لها جُلُودَ القَوْمِ جُونَا
وَتَحمِلُنا غَداةَ الرَّوْعِ جُرْدٌعُرِفنَ لَنَا نَقائِذَ وافْتُلينَا
وَرَدْنَ دَوارِعاً وَخَرَجْنَ شُعثاًكَأَمْثَالِ الرّصائِعِ قَد بَلينَا
ورِثناهُنّ عَن آبَاءِ صِدْقٍوَنُورِثُها إذا مِتْنَا بَنِينَا
وَقَدْ عَلِمَ القَبَائِلُن غيرَ فَخْرٍ،إذا قُبَبٌ بِأَبْطَحِهَا بُنِينَا
بِأَنَّا العاصِمُونَ، إذا أُطِعنا،وَأَنَّا الغارِمُونَ، إذا عُصِينَا
وَأَنَّا المُنْعِمُونَ، إذا قَدَرْنَا،وَأَنّا المُهْلِكُونَ، إذا أُتِينَا
وَأَنّا الحاكِمُونَ بما أَرَدْنا،وأَنّا النّازِلونَ بِحَيْثُ شَينَا
وَأَنّا الطّالِبونَ، إذا نَقَمنا،وأَنّا الضّارِبُونَ، إذا ابتُلينَا
وَأَنّا التّارِكُونَ لِمَا سَخِطنا،وَأَنّا الآخِذُونَ لِمَا هَوِينَا
وأَنّا النّازِلُونَ بِكُلّ ثَغْرٍيَخَافُ النّازِلُونَ بِهِ المَنُونَا
وَنشْرَبُ، إنْ وَرَدْنا، الماءَ صَفواً،وَيَشْرَبُ غَيْرُنا كَدَراً وطِينَا
أَلا سائلْ بَني الطّمَّاحِ عَنّا،وَدُعمِيّاً فَكَيْفَ وَجَدْتُمُونَا؟
نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضيافِ مِنَّا،فَعَجَّلنا القِرَى أَنْ تَشتِمُونَا
قَرَيناكُمْ، فَعَجَّلْنا قِراكُمْ،قُبَيلَ الصُّبحِ مِرْدادةً طَحُونَا
متى نَنقُلْ إلى قومٍ رَحَانَا،يكونوا في اللِّقاءِ لَهَا طَحِينَا
يَكُونُ ثِفالُها شَرْقيَّ نَجْدٍ،ولهُوَتُها قُضاعَةَ أَجْمعِينَا
على آثارِنا بِيض حِسَانٌنُحاذِرُ أَنْ تُفارِقَ، أَو تَهُونَا
ظَعائنُ مِنْ بَني جُشَمِ بنِ بكرٍخَلَطَنَ لِميسَمٍ حَسَباً ودِينَا
أَخَذْنَ على فَوارِسِهنّ عَهداًإذا لاقَوا فَوارِسَ مُعلِمِينَا
لَيَسْتَلِبُنَّ أَبداناً وَبِيضاً،وَأَسْرَى في الحَديدِ مُقَرَّنينَا
إذا ما رُحْنَ يَمْشِينَ الهُوَيْنَى،كَما اضطَرَبَتْ مُتُونُ الشّارِبينَا
يَقُتْنَ جِيادَنا، وَيَقُلْنَ لَستُمْبُعُولَتَنا إذا لَمْ تَمْنَعُونَا
إذا لَمْ نَحْمِهِنَّ، فَلا بَقينَالِشَيءٍ بَعْدَهنّ، وَلا حَيِينَا
وما مَنَع الظَّعائنَ مِثلُ ضرْبٍتَرَى منهُ السَّواعِدَ كالقُلِينَا
إذا ما المَلْكُ سامَ النَّاسَ خَسفاًأَبَينا أَنْ نُقِرَّ الخَسَفَ فينَا
لَنَا الدُّنيا، وَمَنْ أَضحَى عَلَيها،ونَبطِشُ حينَ نَبطِشُ قَادِرِينَأ
إذا بَلَغَ الفِطَامَ لَنا رَضيعٌ،تَخِرُّ لَهُ الجَبابرُ ساجِدينَا
مَلأْنا البَرَّ حتى ضاقَ عَنّا،كَذاك البَحرَ نَملَؤهُ سَفِينَا
أَلا لا يَحْسَبِ الأعداءُ أَنَّاتَضعضعنا، وأَنَّا قَد فَنِينَا
تَرانا بارِزِينَ، وكلُّ حيٍقَدِ اتَّخَذَوا مَخَافَتَنا قَرِينَا
كَأَنّا، والسّيُوفُ مُسَلَّلاتٌ،وَلَدْنا النّاسَ طُرّاً أَجمَعِينَا
تَنادَى المُصعَبانِ وآلُ بَكْرٍ،ونادَوا يا لَكِندَةَ أَجْمَعِينَا
فإنْ نَغْلِبْ، فغَلاَّبُونَ قِدْماً،وَإنْ نُغلَبْ، فَغَيْرُ مُغَلَّبينَا
أَلا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا،فَنَجهَلَ فوقَ جَهلِ الجاهِلينَا
وَنَعدو حَيْثُ لا يُعْدَى عَلَينا،ونَضرِبُ بالمَواسي مَنْ يَلينَا
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع