تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

الجاحظ بين الرواة وخادمه نفيس

وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفقر والنتف من كل شيء.

ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب. ثم رأيتهم منذ سنيات، وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتيانيّ متغزّل.

وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن نجيم، وأبي مالك عمرو ابن كركرة مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده. وكان خلف يجمع ذلك كله.

ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه أعراب. ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الإستخراج. ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل. ورأيت عامتهم- فقد طالت مشاهدتي لهم- لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني. ورأيت البصر

بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر. ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارا من أفواه جلسائه، ليدخلها في باب التحفظ والتذاكر. وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدا أن يقولوا شعرا جيدا، لمكان أعراقهم من أولئك الآباء.

ولولا أن أكون عيابا ثم للعلماء خاصة، لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة! قال ابن المبارك: كان عندنا رجل يكنى أبا خارجة، فقال له: لم كنوك أبا خارجة؟ قال: لأني ولدت يوم دخل سليمان بن علي البصرة.

وكان عندنا شيخ حارس من علوج الجبل، وكان يكنى أبا خزيمة، فقلت لأصحابنا: هل لكم في مسألة هذا الحارس عن سبب كنيته، فلعل الله أن يفيد من هذا الشيخ علما وإن كان في ظاهر الرأي غير مأمول ولا مطمع! وهذه الكنية كنية زرارة بن عدس، وكنية خازم بن خزيمة، وكنية حمزة بن أدرك، وكنية فلان وفلان، وكل هؤلاء إما قائد متبوع، وإما سيد مطاع، فمن أين وقع هذا العلج الألكن على هذه الكنية! فدعوته فقلت له: هذه الكنية كناك بها إنسان أو كنيت بها نفسك؟ قال: لا، ولكني كنيت بها نفسي! قلت: فلم اخترتها على غيرها؟ قال: وما يدريني! قلت: ألك ابن يسمى خزيمة؟ قال:

لا. قلت: أفكان أبوك أو عمك أو مولى لك يسمى خزيمة؟ قال: لا.

قلت: فاترك هذه الكنية واكتن بأحسن منها وخذ مني دينارا! قال: لا والله ولا بجميع الدنيا!! أعطى المحلول ابنه درهما وقال: زنه، فطرح وزن درهمين وهو يحسبه وزن درهم، فلما رفعه وجده زالّا، فألقى معه حبتين، فقال له أبوه: كم فيه؟ قال: ليس فيه شيء، وهو ينقص حبتين!

وكان عندنا قاص يقال له أبو موسى كوش، فأخذ يوما في ذكر قصر الدنيا وطول أيام الآخرة، وتصغير شأن الدنيا وتعظيم شأن الآخرة، فقال: هذا الذي عاش خمسين سنة لم يعش شيئا، وعليه فضل سنتين! قالوا: وكيف ذاك؟

قال: خمس وعشرون سنة ليل، هو فيها لا يعقل قليلا ولا كثيرا، وخمس سنين قائلة، وعشرون سنة إما أن يكون صبيا وإما أن يكون معه سكر الشباب فهو لا يعقل. ولا بد من صتحة بالغداة، ونعسة بين المغرب والعشاء، وكالغشى الذي يصيب الإنسان مرارا في دهره، وغير ذلك من الآفات. فإذا حصلنا ذلك فقد صح أن الذي عاش خمسين سنة لم يعش شيئا، وعليه فضل سنتين! وقال بعض الهلّاك: دخل فلان على كسرى فقال: أصلحك الله، ما تأمر في كذا كذا؟

وقال رجل من وجوه أهل البصرة: حدثت حادثة أيام الفرس فنادى كسرى: الصلاة جامعة! وقلت لغلامي نفيس: بعثتك إلى السوق في حوائج فاشتريت ما لم آمرك به، وتركت كل ما أمرتك به! قال: يا مولاي، أنا ناقة وليس في ركبتي دماغ! وقال نفيس لغلام لي: الناس ويلك أنت حياء كلهم أقل! يريد: أنت أقل الناس كلهم حياء.

وقلت لنفيس: ابن بريهة هذا الصبي، في أي شيء أسلموه؟ قال: في أصحاب سند نعال. يريد أصحاب النعال السندية.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.