من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
من الشعر السياسي
وأنشد اللائح لبعض الروافض:
إذا المرجي سرّك أن تراهيموت بدائه من قبل موته
فجدّد عنده ذكرى عليوصلّ على النبي وأهل بيته
وقال بعضهم في البرامكة:
إذا ذكر الشّرك في مجلسأنارت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم آيةأتوا بالأحاديث عن مزدك
وقال آخر:
لعن الله آل برمك إنيصرت من أجلهم أخا أسفار
إن يك ذو القرنين قد مسح الأرض فإني موكل بالعيار
وقال آخر:
إن الفراغ دعانيإلى ابتناء المساجد
وإن رأيي فيهاكرأي يحيى بن خالد
وقال أبو الهول في جعفر بن يحيى بن خالد:
أصبحت محتاجا إلى الضربفي طلب العرف إلى الكلب
إذا شكا صبّ إليه الهوىقال له مالي وللصبّ
أعني فتى يطعن في دينهيشبّ معه خشب الصلب
قد وقح السبّ له وجههفصار لا ينحاش للسب
وقال رجل شآمي:
أبعد مروان وبعد مسلمهوبعد اسحاق الذي كان لمه
صار على الثغر فريخ الرخمهإن لنا بفعل يحيى نقمه
مهلكة مبيرة منتقمهأكلا بني برمك أكل الحطمه
إن لهذا الأكل يوما تخمهأيسر شيء فيه حزّ الغلصمه
وقال الشاعر:
ما رعى الدهر آل برمك لماأن رمى ملكهم بأمر فظيع
إن دهرا لم يرع حقا ليحيىغير راع ذمام آل الربيع
وقال سهل بن هارون في يحيى بن خالد:
عدو تلاد المال فيما ينوبهمنوع إذا ما منعه كان أحزما
مذلل نفس قد أبت غير أن ترىمكاره ما تأتي من الحق مغنما
وقال اسحاق بن حسان:
من مبلغ يحيى ودون لقائهزبرات كلّ خنابس همهام
يا راعي السلطان غير مفرطفي لين مختبط وطيب شمام
يعذي مسارحه ويصفي شربهويبيت بالربوات والأعلام
حتى تبحبح ضاربا بجرانهورست مراسيه بدار سلام
في كل ثغر حارس من قلبهوشعاع طرف لا يفتّر سام
وهذا شبيه بقول العتّابي في هارون:
أمام له كف يضم بنانهاعصا الدين ممنوعا من البري عودها
وعين محيط بالبرية طرفهاسواء عليه قربها وبعيدها
وأصمع يقظان يبيت مناجياله في الحشا مستودعات يكيدها
سميع إذا ناداه من قعر كربةمناد كفته دعوة لا يعيدها
وقال أيضا كلثوم بن عمرو العتّابي:
تلوم على ترك الغنى باهليّهزوى الدهر عنها كل طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن في الكسامقلدة أجيادها بالقلائد
يسّرك أني نلت ما نال جعفرمن الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وإن أمير المؤمنين أغصنيمغصبها بالمرهفات البوارد
ذريني تجئني. ميتتي مطمئنةولم أتجشم هول تلك الموارد
فإن كريمات المعالي مشوبةبمستودعات في بطون الأساود
وقال الحسن بن هانىء:
عجبت لهارون الإمام وما الذييروّي ويرجو فيك يا خلقة السّلق
قفا خلف وجه قد أطيل كأنهقفا ملك يقضي الحقوق على بثق
وأعظم زهوا من ذباب على خراوأبخل من كلب عقور على عرق
أرى جعفرا يزداد بخلا ودقةإذا زاده الرحمن في سعة الرزق
ولو جاء غير البخل من عند جعفرلما وضعوه الناس إلا على الحمق
ولما أنشد ابن أبي حفصة الفضل بن يحيى بن خالد:
ضربت فلا شلّت يد خالديةرتقت بها الفتق الذي بين هاشم
قال له الفضل: قل: «فلا شلّت يد برمكية»، فخالد كثير، وليس برمك إلا واحدا.
وقال سلم في يحيى، ويحيى يومئذ شاب:
وفتى خلا من مالهومن المروءة غير خال
وإذا رأى لك موعداكان الفعال مع المقال
لله درّك من فتىما فيك من كرم الخلال
أعطاك قبل سؤالهفكفاك مكروه السؤال
ومن جيد ما قيل فيهم:
للفضل يوم الطالقان، وقبلهيوم أناخ به على خاقان
ما مثل يوميه اللذين تواليافي غزوتين حواهما يومان
عصمت حكومته جماعة هاشممن أن يجرّد بينها سيفان
تلك الحكومة لا التي عن لبسهاعظم الثأي وتفرّق الحكمان
وقال الحسن بن هانىء، في جعفر بن يحيى:
ذاك الوزير الذي طالت علاوتهكأنه ناظر في السيف بالطول
ذكروا أن جعفر بن يحيى كان أول من عرّض الجربّانات لطول عنقه.
وقال معدان الأعمى، وهو أبو السّريّ الشميطيّ:
يوم تشفى النفوس من يعصر اللؤم ويثنى بسامة الرحّال
وعدي وتيمها وثقيفوأميّ وتغلب وهلال
لا حرورا ولا النوابت تنجولا ولا صحب واصل الغزّال
غير كفتي ومن يلوذ بكفتيفهم رهط الأعور الدجال
وبنو الشيخ والقتيل بفخبعد يحيى وموتم الأشبال
سنّ ظلم الإمام في القوم زيدإن ظلم الإمام ذو عقّال
وقال الكميت:
آمت نساء بني أمية منهموبنوهم بمضيعة أيتام
نامت جدودهم وأسقط نجمهموالنجم يسقط والجدود تنام
خلت المنابر والأسرة منهمفعليهم حتى الممات سلام
وقال خليفة، أبو خلف بن خليفة:
أعقبي آل هاشم يا أمياجعل الله بيت مالك فيّا
إن عصى الله آل مروان والعاصي لقد كان للرسول عصيا
وقال الراعي في بني أمية:
بني أميّة إن الله ملحقكمعما قليل بعثمان بن عفّان
وقال خلف بن خليفة:
لو تصفّحت أولياء عليلم تجد في جميعهم باهليا
وقال كعب الأشقري لعمر بن عبد العزيز:
إن كنت تحفظ ما يليك فإنماعمال أرضك بالبلاد ذئاب
لن يستجيبوا للذي تدعو لهحتى تجلّد بالسيوف رقاب
بأكفّ منصلتين أهل بصائرفي وقعهن مزاجر وعقاب
هلا قريش ذكرت بثغورهاحزم وأحلام هناك رغاب
لولا قريش نصرها ودفاعهاألفيت منقطعا بي الأسباب
فلما سمع هذا الشعر قال: لمن هذا؟ قالوا: لرجل من أزد عمان، يقال له كعب الأشقري! قال: ما كنت أظن أهل عمان يقولون مثل هذا الشعر.
قال أبو اليقظان: وقام إلى عمر بن عبد العزيز رجل وهو على المنبر فقال:
إن الذين بعثت في أقطارهانبذوا كتابك واستحلّ المحرم
طلس الثياب على منابر أرضناكلّ يجور وكلهم يتظلم
وأردت أن يلي الأمانة منهمعدل وهيهات الأمين المسلم
وكان زيد بن علي كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر:
شرّده الخوف وأزرى بهكذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفّين يشكو الوجىتنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحةوالموت حتم في رقاب العباد
وقال عبد الله بن كثير السهمىّ، وكان يتشيع، لولّادة كانت نالته.
وسمع عمّال خالد بن عبد الله القسري يلعنون عليا والحسين على المنابر:
لعن الله من يسبّ علياوحسينا من سوقة وإمام
أيسبّ المطيبون جدوداوالكرام الأخوال والأعمام
يأمن الظبي والحمام ولا يأمن آل الرسول عند المقام
طبت بيتا وطاب أهلك أهلاأهل بيت النبي والإسلام
رحمة الله والسلام عليهمكلما قام قائم بسلام
وقال حين عابوه بذلك الرأي:
إن أمرأ أمست معايبهحبّ النبي لغير ذي ذنب
وبني أبي حسن ووالدهممن طاب في الأرحام والصلب
أيعدّ ذنبا أن أحبهمبل حبهم كفّارة الذنب
وقال يزيد بن أبي بكر بن دأب الليثي:
الله يعلم في علي علمهوكذاك علم الله في عثمان
وقال السيد الحميري:
إني امرؤ حميري غير مؤتشبجدي رعين وأخوالي ذوو يزن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة بهيوم القيامة للهادي أبي الحسن
وقال ابن أذينة:
سمين قريش مانع منك لحمهوغثّ قريش حيث كان سمين
وقال ابن الرقيات:
ما نقموا من بني أمية إلاأنهم يحلمون إن غضبوا
وأنهم معدن الملوك ولاتصلح إلا عليهم العرب
وقال عروة بن أذينة:
إذا قريش تولي خير صالحهافاستيقنن بأن لا خير في أحد
رهط النبي وأولى الناس منزلةبكل خير وأثرى الناس في العدد
وقال حسان بن ثابت، يرثي أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه:
إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقةفاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
التالي الثاني المحمود مشهدهوأول الناس منهم صدّق الرسلا
وثاني اثنين في الغار المنيف وقدطاف العدو به إذ صعد الجبلا
وكان حبّ رسول الله قد علمواخير البرية لم يعدل به رجلا
وقال بعض بني أسد:
لما تخيّر ربي فارتضى رجلامن خلقه كان منا ذلك الرجل
لنا المساجد نبنيها ونعمرهاوفي المنابر قعدان لنا ذلل
وقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص، في شأن السقيفة:
قد اختصم الأقوام بعد محمدفسائل قريشا حين جدّ اختصامها
ألم تك من دون الخليقة أمةبكف امريء من آل تيم زمامها
هدى الله بالصدّيق ضلال امّةإلى الحق لما ارفضّ عنها نظامها
وقالت صفية في ذلك اليوم:
قد كان بعدك أنباء وهنبثةلو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
أنا فقدناك فقد الأرض وابلهاواختلّ قومك فاشهدهم فقد سغبوا
وقال الفرزدق:
صلى صهيب ثلاثا ثم أسلمهاإلى ابن عفان ملكا غير مقصور
ولاية من أبي حفص لثالثهمكانوا أخلّاء مهديّ ومحبور
وقال مزرّد بن ضرار يرثي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:
عليك السلام من إمام وباركتيد الله في ذاك الأديم الممزّق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدهابوائق في أكمامها لم تفتّق
وما كنت أخشى أن تكون وفاتهبكفي سبنتى أزرق العين مطرق
وقال: وسمعوا في تلك الليلة هاتفا يقول:
ليبك على الإسلام من كان باكيافقد أوشكوا هلكا وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرهاوقد ملّها من كان يوقن بالوعد
وعن أبي الجحاف، عن مسلم البطين:
إنا نعاقب لا أبالك عصبةعلقوا الفري وبروا من الصديق
وبروا سفاها من وزير نبيهمتبّا لمن يبرا من الفاروق
إني على رغم العداة لقائلدنا بدين الصادق المصدوق
وقال الكميت:
فقل لبني أمية حيث حلواوان خفت المهنّد والقطيعا
أجاع الله من أشبعتموهوأشبع من بجوركم أجيعا
بمرضيّ السياسة هاشمييكون حيا لأمته ربيعا
وقال حرب بن المنذر بن الجارود، وكان يتفتّى ويتشيّع، في كلمة له:
فحسبي من الدنيا كفاف يقيمنيوأثواب كتّان أزور بها قبري
وحبي ذوي قربى النبي محمّدفما سالنا إلا المودّة من أجر
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع