تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

بلاغة النبي

وروى الأصمعي وابن الأعرابي، عن رجالهما، أن رسول الله ﷺ قال:

«إنا معشر الأنبياء بكاء»، فقال ناس: البكء: القّلة. وأصل ذلك من اللبن.

فقد جعل صفة الأنبياء قلة الكلام، ولم يجعله من إيثار الصمت ومن التحصيل وقلة الفضول.

قلنا: ليس في ظاهر هذا الكلام دليل على أن القلة من عجز في الخلقة، وقد يحتمل ظاهر الكلام الوجهين جميعا، وقد يكون القليل من اللفظ يأتي على الكثير من المعاني. والقلة تكون من وجهين: أحدهما من جهة التحصيل، والإشفاق من التكلف، وعلى تصديق قوله: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ

، وعلى البعد من الصنعة، ومن شدة المحاسبة وحصر النفس، حتى يصير بالتمرين والتوطين إلى عادة تناسب الطبيعة. وتكون من جهة العجز ونقصان الآلة، وقلة الخواطر، وسوء الإهتداء إلى جياد المعاني، والجهل بمحاسن الألفاظ. ألا ترى أن الله قد استجاب لموسى ﵇ حين قال: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً.

وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً. إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى.

فلو كانت تلك القلة من عجز كان النبي ﷺ أحق بمسألة إطلاق تلك العقدة من موسى، لأن العرب أشد فخرا ببيانها، وطول ألسنتها، وتصريف كلامها، وشدة إقتدارها. وعلى حسب ذلك كانت زرايتها على كل من قصّر عن ذلك التمام، ونقص من ذلك الكمال.

وقد شاهدوا النبي ﷺ وخطبه الطوال في المواسم الكبار، ولم يطل التماسا للطول، ولا رغبة في القدرة على الكثير، ولكن المعاني إذا كثرت، والوجوه إذا افتنت، كثر عدد اللفظ، وإن حذفت فضوله بغاية الحذف.

ولم يكن الله ليعطي موسى لتمام إبلاغه شيئا لا يعطيه محمدا، والذين بعث فيهم أكثر ما يعتمدون عليه البيان واللسن.

وإنما قلنا هذا لنحسم جميع وجوه الشغب، لا لأن أحدا من أعدائه شاهد هناك طرفا من العجز! ولو كان ذلك مرئيا ومسموعا لاحتجوا به في الملا، ولتناجوا به في الخلا، ولتكلم به خطيبهم، ولقال فيه شاعرهم، فقد عرف الناس كثرة خطبائهم، وتسرع شعرائهم.

هذا على أننا لا ندري أقال ذلك رسول الله ﷺ أم لم يقله، لأن مثل هذه الأخبار يحتاج فيها إلى الخبر المكشوف، والحديث المعروف. ولكنا بفضل الثقة، وظهور الحجة، نجيب بمثل هذا وشبهه.

وقد علمنا أن من يقرض الشعر، ويتكلف الإسجاع، ويؤلف المزدوج، ويتقدم في تحبير المنثور، وقد تعمق في المعاني، وتكلف إقامة الوزن، والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوا رهوا، مع قلة لفظه وعدد هجائه- أحمد أمرا، وأحسن موقعا من القلوب، وأنفع للمستمعين، من كثير خرج بالكد والعلاج. ولأن التقدم فيه، وجمع النفس له، وحصر الفكر عليه، لا يكون إلا ممن يحب السمعة ويهوى النفج والإستطالة. وليس بين حال المتنافسين، وبين حال المتحاسدين إلا حجاب رقيق، وحجاز ضعيف. والأنبياء بمندوحة من هذه الصفة، وفي ضد هذه الشيمة.

وقال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان».

وتكلم رجل عند الحسن بمواعظ جمة ومعان تدعو إلى الرقة فلم ير الحسن رق، فقال الحسن: أما أن يكون بناشر أو يكون بك! يذهب إلى أن المستمع يرق على قد رقة القائل.

والدليل الواضح، والشاهد القاطع، قول النبي ﷺ: «نصرت بالصبا، وأعطيت جوامع الكلم»، وهو القليل الجامع للكثير. وقال الله تعالى وقوله الحق: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ

ثم قال: وَما يَنْبَغِي لَهُ

ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ

فعم ولم يخص، وأطلق ولم يقيد. فمن الخصال التي ذمهم بها تكلف الصنعة، والخروج إلى المباهاة، والتشاغل عن كثير من الطاعة، ومناسبة أصحاب التشديق. ومن كان كذلك كان أشد افتقارا إلى السامع من السامع إليه، لشغفه أن يذكر في البلغاء، وصبابته باللحاق بالشعراء. ومن كان كذلك غلبت عليه المنافسة والمغالبة، وولد ذلك في قلبه شدة الحمية، وحب المجاذبة.

ومن سخف هذا السّخف، وغلب الشيطان عليه هذه الغلبة، كانت حاله داعية إلى قول الزور، والفخر بالكذب، وصرف الرغبة إلى الناس، والإفراط في مديح من أعطاه، وذم من منعه. فنزّه الله رسوله، ولم يعلمه الكتاب والحساب، ولم يرغبه في صنعة الكلام، والتعبد لطلب الألفاظ، والتكلف لإستخراج المعاني فجمع له باله كله في الدعاء إلى الله، والصبر عليه، والمجاهدة فيه، والإنبتات إليه والميل إلى كل ما قرب منه، فأعطاه الإخلاص الذي لا يشوبه رياء، واليقين الذي لا يطوره شك، والعزم المتمكن، والقوة الفاصلة.

فإذا رأت مكانه الشعراء، وفهمته الخطباء، ومن قد تعبّد للمعاني، وتعود نظمها وتنضيدها، وتأليفها وتنسيقها، واستخراجها من مدافنها، وإثارتها من مكامنها علموا أنهم لا يبلغون بجميع ما معهم مما قد استفرغهم واستغرق مجهودهم، وبكثير ما قد خولوه، قليلا مما يكون معه على البداهة والفجاءة، من غير تقدم في طلبه، واختلاف إلى أهله.

وكانوا مع تلك المقامات والسياسات، ومع تلك الكلف والرياضات، لا ينفكون في بعض تلك المقامات من بعض الإستكراه والزلل، ومن بعض التعقيد والخطل، ومن التفنن والإنتشار، ومن التشديق والإكثار.

ورأوه مع ذلك يقول: «إيّاي والتشادق». و «أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون». ثم رأوه في جميع دهره في غاية التسديد والصواب التام، والعصمة الفاضلة، والتأييد الكريم. علموا أن ذلك من ثمرة الحكمة ونتاج التوفيق، وإن تلك الحكمة من ثمرة التقوى. ونتاج الإخلاص.

وللسلف الطيّب حكم وخطب كثيرة، صحيحة ومدخولة، لا يخفى شأنها على نقّاد الألفاظ وجهابذة المعاني، متميزة عند الرواة الخلّص وما بلغنا عن أحد من جميع الناس أن أحدا ولد لرسول الله ﷺ خطبة واحدة.

فهذا وما قبله حجة في تأويل ذلك إن كان حقا.

وفي كتاب الله المنزل. أن الله ﵎ جعل منيحة داود الحكمة وفصل الخطاب، كما أعطاه إلانة الحديد.

وفي الحديث المأثور، والخبر المشهور، إن رسول الله ﷺ قال:

«شعيب خطيب الأنبياء».

وعلم الله سليمان منطق الطير، وكلام النمل، ولغات الجن. فلم يكن ﷿ ليعطيه ذلك ثم يبتليه في نفسه وبيانه عن جميع شأنه، بالقلة والمعجزة، ثم لا تكون تلك القلة إلا على الإيثار منه للقلة في موضعها، وعلى البعد من استعمال التكلف، ومناسبة أهل الصنعة، والمشغوفين بالسمعة. وهذا لا يجوز على الله ﷿.

فإن كان الذي رويتم من قوله: «إنا معشر الأنبياء بكاء» على ما تأولتم، وذلك أن لفظ الحديث عام في جميع الأنبياء، فالذي ذكرنا من حال داود وسليمان ﵉، وحال شعيب والنبي ﷺ، دليل على بطلان تأويلكم، ورد عموم لفظ الحديث:

وهذه جملة كافية لمن كان يريد الإنصاف.

وكان شيح من البصريين يقول:

إن الله إنما جعل نبيه أميّا لا يكتب ولا يحسب ولا ينسب، ولا يقرض الشعر، ولا يتكلّف الخطابة، ولا يتعمّد البلاغة، لينفرد الله بتعليمه الفقه وأحكام الشريعة، ويقصره على معرفة مصالح الدين دون ما تتباهى به العرب:

من قيافة الأثر والبشر، ومن العلم بالأنواء وبالخيل، وبالأنساب وبالأخبار، وتكلف قول الأشعار، ليكون إذا جاء بالقرآن الحكيم، وتكلم بالكلام العجيب، كان ذلك أدل على أنه من الله.

وزعم أن الله تعالى لم يمنعه معرفة آدابهم وأخبارهم وأشعارهم ليكون أنقص حظا من الحاسب الكاتب، ومن الخطيب الناسب، ولكن ليجعله نبيا، وليتولى من تعليمه ما هو أزكى وأنمى. فإنما نقصه ليزيده، ومنعه ليعطيه، وحجبه عن القليل ليجلّي له الكثير.

وقد أخطأ هذا الشيخ ولم يرد إلا الخير، وقال بمبلغ علمه ومنتهى رأيه ونوزعم أن أداة الحساب والكتابة، وأداة قرض الشعر ورواية جميع النسيب، قد كانت فيه تامة وافرة، ومجتمعة كاملة، ولكنه ﷺ صرف تلك القوى وتلك الإستطاعة إلى ما هو أزكى بالنبوة، وإذا احتاج إلى الخطابة كان أخطب الخطباء، وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف، ولو كان في ظاهره، ثم أعطاه الله برهانات الرسالة، وعلامات النبوة- ما كان ذلك بمانع من وجوب تصديقه، ولزوم طاعته، والإنقياد لأمره على سخطهم ورضاهم، ومكروههم ومحبوبهم. ولكنه أراد ألا يكون للشاغب متعلق عما دعا إليه حتى لا يكون دون المعرفة بحقه حجاب وإن رقّ، وليكون ذلك أخفّ في المؤونة، وأسهل في المحنة. فلذلك صرف نفسه عن الأمور التي كانوا يتكلفونها ويتنافسون فيها، فلما طال هجرانه لقرض الشعر وروايته، صار لسانه لا ينطلق به، والعادة توأم الطبيعة. فأما في غير ذلك فإنه إذا شاء كان أنطق من كل منطيق،

وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف. وكانت آلته أوفر وأداته أكمل، إلا أنها كانت مصروفة إلى ما هو أرد.

وبين أن نضيف إليه العجز، وبين أن نضيف إليه العادة الحسنة وامتناع الشيء عليه من طول الهجران له، فرق.

ومن العجب أن صاحب هذه المقالة لم يره ﵇ في حال معجزة قط، بل لم يره إلا وهو إن أطال الكلام قصّر عنه كل مطيل، وإن قصر القول أتى على غاية كل خطيب، وما عدم منه إلا الخط وإقامة الشعر. فكيف ذهب ذلك المذهب والظاهر من أمره ﵇ خلاف ما توهم!؟

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.