تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

قدر الشعر

وسنذكر بعض ما جاء في فضل الشعر والخوف منه، ومن اللسان البليغ، والمداراة له، وما أشبه ذلك.

قال أبو عبيدة: إجتمع ثلاثة من بني سعد يراجزون بني جعدة، فقيل لشيخ من بني سعد: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أفثج.

وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أنكف. فقيل للآخر الثالث: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أنكش. فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا وخلوهم.

قال: وبنو ضرار، أحد بني ثعلبة بن سعد، لما مات أبوهم وترك الثلاثة الشعراء صبيانا، وهم: شمّاخ، ومزرّد، وجزء، أرادت أمهم- وهي أم أوس- أن تزوج رجلا يسمى أوسا، وكان أوس هذا شاعرا، فلما رآه بنو ضرار بفناء أمهم للخطبة، تناول شمّاخ حبل الدلو ثم متح، وهو يقول:

أمّ أويس نكحت أويسا

وجاء مزرد فتناول الحبل فقال:

أعجبها حدارة وكيسا

وجاء جزء فتناول الحبل فقال:

أصدق منها لجبة وتيسا

فلما سمع أوس رجز الصبيان بها هرب وتركها.

قال أبو عبيدة: كان الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممّن الرجل؟ قال:

نميريّ كما ترى، فما هو إلا أن قال جرير:

فغضّ الطرف إنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

حتى صار الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني عامر قال: فعند ذلك قال الشاعر يهجو قوما آخرين:

وسوف يزيدكم ضعة هجائيكما وضع الهجاء بني نمير
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

فلما هجاهم أبو الرّدينيّ العكلي فتوعدوه بالقتل قال أبو الرديني:

توعّدني لتقتلني نميرمتى قتلت نمير من هجاها

فشدّ عليه رجل منهم فقتله.

وما علمت في العرب قبيلة لقيت من جميع ما هجيت به ما لقيت نمير من بيت جرير. ويزعمون إن أمرأة مرّت بمجلس من مجالس بني نمير، فتأملها ناس منهم فقالت: يا بني نمير، لا قول الله سمعتم ولا قول الشاعر أطعتم! قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ

، وقال الشاعر:

فغض الطرف إنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

وأخلق بهذا الحديث أن يكون مولّدا، ولقد أحسن من ولّده.

وفي نمير شرف كثير. وهل أهلك عنزة، وجرما، وعكلا، وسلول، وباهلة، وغنيا، إلا الهجاء؟! وهذه قبائل فيها فضل كثير وبعض النقص، فمحق ذلك الفضل كله هجاء الشعراء. وهل فضح الحبطات، مع شرف حسكة بن عتّاب، وعبّاد بن الحصين وولده، إلا قول الشاعر:

رأيت الحمر من شرّ المطاياكما الحبطات شرّ بني تميم

وهل أهلك ظليم البراجم إلا قول الشاعر:

إن أبانا فقحة لدارمكما الظليم فقحة البراجم

وهل أهلك بني العجلان إلا قول الشاعر:

إذا الله عادى أهل لؤم ودقّةفعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
قبيلة لا يغدرون بذمةولا يظلمون الناس حبّة خردل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
ولا يردون الماء إلا عشيةإذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

وأما قول الأخطل:

وقد سرني من قيس عيلان أننيرأيت بني العجلان سادوا بني بدر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

فإن هذا البيت لم ينفع بني العجلان، ولم يضرّ بني بدر.

قال أبو عبيدة: كان الرجل من بني أنف الناقة إذا قيل له: ممن الرجل؟

قال: من بني قريع، فما هو إلا أن قال الحطيئة:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهمومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

وصار الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من بني أنف الناقة.

وناس سلموا من الهجاء بالخمول والقلة، كما سلمت غسان وغيلان من قبائل عمرو بن تميم، وابتليت الحبطات لأنها أنبه منها شيئا.

والنباهة التي لا يضرّ معها الهجاء مثل نباهة بني بدر وبني فزارة، ومثل نباهة بني عدس بن زيد وبني عبد الله بن دارم، ومثل نباهة الديان بن عبد المدان وبني الحارث بن كعب: فليس يسلم من مضرة الهجاء إلا خامل جدا أو نبيه جدا.

وقد هجيت فزارة بأكل أير الحمار، وبكثرة شعر القفا، لقول الحارث بن ظالم:

فما قومي بثعلبة بن سعدولا بفزارة الشّعر الرّقابا
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «نأت سلمى وأمست في عدو»

ثم افتخر مفتخرهم بذلك ومدحهم به الشاعر، قال مزرد بن ضرار:

منيع بين ثعلبة بن سعدوبين فزارة الشّعر الرقاب
فما من كان بينهما بنكسلعمرك في الخطوب ولا بكاب

وأما قصة أير الحمار فإنما اللوم على المطعم لرفيقه ما لا يعرفه. فهل كان على حذف الفزاري في حق الأنفة أكثر من قتل من أطعمه الجوفان من حيث لا يدري ؟

فقد هجوا بذلك وشرفهم وافر. وقد هجيت الحارث بن كعب، وكتب الهيثم بن عدي فيهم كتابا فما ضعضع ذلك منهم، حتى كان قد كتبه لهم.

ولولا الربيع بن خثيم، وسفيان الثوري ما علم الناس أن في الرباب حيا يقال لهم بنو ثور.

وفي عكل شعر وفصاحة، وخيل معروفة الأنساب، وفرسان في الجاهلية

والإسلام. وزعم يونس أن عكلا أحسن العرب وجوها في غب حرب. وقال بعض فتاك بني تميم:

خليلي الفتى العكلي لم أر مثلهتحلّب كفاه ندى شائع القدر
للشاعر الخَطيم العكلي المَحرِزي، اقرأ القصيدة
كأن سهيلا، حين أوقد نارهبعلياء، لا يخفى على أحد يسري

ولم أكتب هذا الشعر ليكون شاهدا على مقدار حظهم في الشرف، ولكن لنضمه إلى قول جران العود:

أراقب لمحا من سهيل كأنهإذا ما بدا من آخر الليل يطرف

وربما أتيت القبيلة إذا برّزت عليها أخوتها، كنحو فقيم بن جرير بن دارم، وزيد بن عبد الله بن دارم، وكنحو الجرماز ومازن. ولذلك يقال: إن أصلح الأمور لمن تكلف علم الطب ألا يحسن منه شيئا، أو يكون من حذاق المتطببين، فإنه إن أحسن منه شيئا ولم يبلغ فيه المبالغ هلك وأهلك أهله.

وكذلك العلم بصناعة الكلام. وليس كذلك سائر الصناعات، فليس يضر من أحسن باب الفاعل والمفعول به، وباب الإضافة، وباب المعرفة والنكرة، أن يكون جاهلا بسائر أبواب النحو. وكذلك من نظر في علم الفرائض، فليس يضر من أحكم باب الصّلب أن يجهل باب الجد، وكذلك الحساب. وهذا كثير.

وذكروا أن حزن بن الحارث، أحد بني العنبر ولد محجنا، فولد محجن شعيث بن سهم، فأغير على إبله، فأتى أوس بن حجر يستنجده، فقال له أوس: أو خير من ذلك، أحضض لك قيس بن عاصم! وكان يقال إن حزن بن الحارث هو حزن بن منقر، فقال أوس:

سائل بها مولاك قيس بن عاصمفمولاك مولى السّوء إن لم يغّير
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «سائل بها مولاك قيس بن عاصم»
لعمرك ما أدري أمن حزن محجنشعيث بن سهم أم لحزن بن منقر
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «سائل بها مولاك قيس بن عاصم»
فما أنت بالمولى المضيّع حقهوما أنت بالجار الضعيف المستر
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «سائل بها مولاك قيس بن عاصم»

فسعى قيس في إبله حتى ردها على آخرها.

وقال الآخر:

ألهى بني تغلب عن كل مكرمةقصيدة قالها عمرو بن كلثوم

ومما يدلّ على قدر الشعر عندهم بكاء سيد بني مازن، مخارق بن شهاب حين أتاه محرز بن المكعبر العنبري الشاعر فقال: إن بني يربوع قد أغاروا على إبلي فاسع لي فيها؟ فقال: وكيف وأنت جار وردان بن مخرمة؟ فلما ولىّ عنه محرز محزونا بكى مخارق حتى بل لحيته، فقالت له ابنته: ما يبكيك؟ فقال:

وكيف لا أبكي وقد استغاثني شاعر من شعراء العرب فلم أغثه؟ والله لئن هجاني ليفضحني قوله، ولئن كف عني ليقتلني شكره! ثم نهض فصاح في بني مازن فردت عليه إبله.

وذكر وردان الذي كان أخفره فقال:

أقول وقد بزّت بتعشار بزةلوردان جدّ الآن فيها أو العب
للشاعر محرز بن المكعبر الضبي، اقرأ القصيدة
فعضّ الذي أبقى المواسي من أمهخفير رآها لم يشمّر ويغضب
للشاعر مخارق بن شهاب المازني، اقرأ القصيدة
إذا نزلت وسط الرباب وحولهاإذا حصّنت ألفا سنان محرّب
للشاعر مخارق بن شهاب المازني، اقرأ القصيدة
حميت خزاعيا وافناء مازنووردان يحمي عن عدي بن جندب
للشاعر مخارق بن شهاب المازني، اقرأ القصيدة
ستعرفها ولدان ضبّة كلهابأعيانها مردودة لم تغيّب
للشاعر مخارق بن شهاب المازني، اقرأ القصيدة

قال: وفد رجل من بني مازن على النعمان بن المنذر، فقال له النعمان: مخارق بن شهاب فيكم؟ قال: سيد كريم، وحسبك من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمه! ذهب إلى قوله:

ترى ضيفها فيها يبيت بغبطةوجار ابن قيس جائع يتحوّب
للشاعر مخارق بن شهاب المازني، اقرأ القصيدة

قال: ومن قدر الشعر وموقعه في النفع والضّر، إن ليلى بنت النضر بن الحارث بن كلدة لما عرضت للنبي ﷺ وهو يطوف بالبيت واستوقفته وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه، وانشدته شعرها بعد مقتل أبيها، وقال رسول الله ﷺ: «لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته!». والشعر:

يا راكبا إنّ الأثيل مظنةمن صبح خامسة وأنت موفّق
للشاعر قتيلة بنت النضر، اقرأ القصيدة
أبلغ بها ميتا بأن قصيدةما- إن تزال بها الركائب تخفق
فليسمعنّ النضر إن ناديتهإن كان يسمع ميت لا ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشهلله أرحام هناك تشقّق
للشاعر قتيلة بنت النضر، اقرأ القصيدة
قسرا يقاد إلى المنية متعبارسف المقيّد وهو عان موثق
للشاعر قتيلة بنت النضر، اقرأ القصيدة
أمحمدها أنت ضنء نجيبةفي قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربمامنّ الفتى وهو المغيط المحنق
للشاعر قتيلة بنت النظر، من قصيدة «يا راكِباً إنَّ الأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ»
فالنضر أقرب من تركت قرابةوأحقهم إن كان عتق يعتق

قال: ويبلغ من خوفهم من الهجاء ومن شدة السب عليهم، وتخوفهم أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب، ويسبّ به الأحياء والأموات، إنهم إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق، وربما شدوا لسانه بنسعة، كما صنعوا بعبد يغوث ابن وقاص الحارثي حين أسرته بنو تيم يوم الكلاب. وهو الذي يقول:

أقول وقد شدوا لساني بنسعةأمعشر تيم أطلقوا من لسانيا
للشاعر عبد يغوث الحارثي، اقرأ القصيدة
وتضحك مني شيخة عبشميةكأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا
للشاعر عبد يغوث الحارثي، اقرأ القصيدة
كأني لم أركب جوادا ولم أقللخيلي كري كرة عن رجاليا
فيا راكبا أما عرضت فبلغننداماي من نجران أن لا تلاقيا
للشاعر عبد يغوث الحارثي، اقرأ القصيدة
أبا كرب والأيهمين كليهماوقيسا بأعلى حضر موت اليمانيا
للشاعر عبد يغوث الحارثي، اقرأ القصيدة

وكان سألهم أن يطلقوا لسانه لينوح على نفسه، ففعلوا، فكان ينوح بهذه الأبيات، فلما أنشد قومه هذا الشعر قال قيس: لبيك وإن كنت أخرتني.

وقيل لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: كيف تقول الشعر مع الفقه والنسك؟ فقال: «لا بد للمصدور من أن ينفث».

وقال معاوية لصحار العبدي: ما هذا الكلام الذي يظهر منكم؟ قال:

شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا.

وقال ابن حرب: من أحسن شيئا أظهره.

وفي المثل: من أحب شيئا أكثر من ذكره.

وقال: خاصم أبو الحويرث السحيمي حمزة بن بيض إلى المهاجر بن عبد الله في طويّ له فقال أبو الحويرث:

غمّضت في حاجة كانت تؤرقنيلولا الذي قلت فيها قل تغميضي
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

قال: وما قلت لك فيها؟ قال:

حلفت بالله لي أن سوف تنصفنيفساغ في الحلق ريق بعد تجريض
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

قال: وأنا أحلف بالله لأنصفنك. قال:

فاسأل ألى عن ألى أن ما خصومتهمأم كيف أنت وأصحاب المعاريض

قال: أوجعهم ضربا. قال:

فاسأل لجيما إذا وافاك جمعهمهل كان بالبئر حوض قبل تحويضي

قال: فتقدمت الشهود فشهدت لأبي الحويرث. قال: فالتفت إلي ابن بيض فقال:

أنت ابن بيض لعمري لست أنكرهحقا يقينا ولكن من أبو بيض
إن كنت أنبضت لي قوسا لترمينيفقد رميتك رميا غير تنبيض
أو كنت خضخضت لي وطبا لتسقينيفقد سقيتك وطبا غير ممخوض
إن المهاجر عدل في حكومتهوالعدل يعدل عندي كل عرّيض

قال: وتزوج شيخ من الأعراب جارية من رهطه، وطمع أن تلد له غلاما فولدت له جارية، فهجرها وهجر منزلها، وصار يأوي إلى غير بيتها، فمر بخبائها بعد حول وإذا هي ترقّص بنيتها منه وهي تقول:

ما لأبي حمزة لا يأتينايظلّ في البيت الذي يلينا
للشاعر زوجة أبي حمزة الضبي، اقرأ القصيدة
غضبان أن لا نلد البنيناتالله ما ذلك في أيدينا
للشاعر زوجة أبي حمزة الضبي، اقرأ القصيدة

وإنما نأخذ ما أعطينا

فلما سمع الأبيات مرّ الشيخ نحوهما حضرا حتى ولج عليهما الخباء وقبّل بنيتها وقال: ظلمتكما وربّ الكعبة!

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.