تجاوز إلى المحتوى

من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

أخبار المنصور والمهدي والمأمون

وسنذكر جملا مما انتهى إلينا من كلام المنصور ومن شأن المأمون وغيرهما وإن كنا قد ذكرنا من ذلك طرفا، ونقصد من ذلك إلى التخفيف والتقليل، فإنه يأتي من وراء الحاجة، ويعرف بجملته مراد البقية.

قال: وكان المنصور داهيا أريبا، مصيبا في رأيه سديدا، وكان مقدّما في علم الكلام، ومكثرا من كتاب الآثار. ولكلامه كتاب يدور في أيدي الوراقين معروف عندهم. ولما هم بقتل أبي مسلم سقط بين الإستبداد برأيه والمشاروة فيه، فأرق في ذلك ليلته، فلما أصبح دعا باسحاق بن مسلم العقيلي، فقال له: حدثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه بحرّان. قال: أخبرني أبي عن الحصين بن المنذر أن ملكا من ملوك فارس- يقال له سابور الأكبر- كان له وزير ناصح قد اقتبس أدبا من آداب الملوك، وشاب ذلك بفهم في الدين، فوجهه

سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوما عجما يعظّمون الدنيا جهالة بالدّين، ويخلّون بالدين استكانة لقوت الدنيا، وذلا لجبابرتها، فجمعهم على دعوة من الهوى يكيد به مطالب الدنيا، واغتر بقتل ملوكهم لهم وتخوّلهم إياهم- وكان يقال: «لكل ضعيف صولة، ولكل ذليل دولة» - فلما تلاحمت أعضاء الأمور التي لقح، استحالت حربا عوانا شالت أسافلها بأعاليها، فانتقل العزّ إلى أرذلهم، والنباهة إلى أخملهم، فأشربوا له حبا مع خفض من الدنيا افتتح بدعوة من الدين، فلما استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم وما أحال عليه من طاعتهم، ولم يأمن زوال القلوب وغدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم، وكان يقال:

وما قطع الرجاء بمثل يأستبادهه القلوب على اغترار

فصمّم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فقتله، فبغتهم بحدث، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة ونأي الرجعة، وتخطّف الأعداء، وتفرّق الجماعة، واليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، ويتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك والطاعة، وتبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم حتى مات حتف أنفه.

فأطرق المنصور مليا ثم رفع رأسه وهو يقول:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاوما علّم الإنسان إلا ليعلما
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يعيرني أمي رجال لا أرى»

وأمر اسحاق بالخروج ودعا بأبي مسلم، فلما نظر إليه داخلا قال:

قد اكتنفتك خلّات ثلاثجلبن عليك محذور الحمام
خلافك وامتنانك ترتمينيوقودك للجماهير العظام

ثم وثب إليه ووثب معه بعض حشمه بالسيوف على أبي مسلم، فلما رآهم وثب، فبدره المنصور فضربه ضربة طوّحه منها، ثم قال:

إشرب بكأس كنت تسقي بهاأمرّ في الحلق من العلقم
زعمت أن الدين لا يقتضىكذبت فاستوف أبا مجرم

ثم أمر فحز رأسه وبعث به إلى أهل خراسان وهم ببابه، فجالوا حوله ساعة ثم ردّ من شغبهم إنقطاعهم عن بلادهم، وأحاطة الأعداء بهم، فدلّوا وسلّموا له.

فكان اسحاق إذا رأى المنصور قال:

وما أحذو لك الأمثال إلالتحذو إن حذوت على مثال

وكان المنصور إذا رآه قال:

وخلفها سابور للناس يقتدىبأمثالها في المعضلات العظائم

وكان المهديّ يحبّ القيان وسماع الغناء، وكان معجبا بجارية يقال لها «جوهر»، وكان اشتراها من مروان الشامي، فدخل عليه ذات يوم مروان الشامي وجوهر تغنّيه، فقال مروان:

أنت يا جوهر عندي جوهرةفي بياض الدرّة المشتهره
فإذا غنت فنار ضرّمتقدحت في كلّ قلب شرره

فاتّهمه المهدي، وأمر به فدعّ في عنقه إلى أن أخرج. ثم قال لجوهر: أطربيني. فأنشأت تقول:

وأنت الذي أخلفتي ما وعدتنيواشمتّ بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتنيلهم غرضا أرمى وأنت سليم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وأنت التي كلفتني دلج السرى»
فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدابجسمي من قول الوشاة كلوم
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «فلو كنت أدرى أن ما كان كائن»

فقال المهدي:

ألا يا جوهر القلبلقد زدت على الجوهر
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة
وقد أكملك اللهبحسن الدّل والمنظر
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة
إذا ما صلت، يا أحسن خلق الله، بالمزهر
وغنّيت ففاح البيت من ريحك بالعنبر
فلا والله ما المهديأولى منك بالمنبر
فإن شئت ففي كفك خلع ابن أبي جعفر

قال الهيثم: أنشدت هارون وهو وليّ عهد أيام موسى، بيتين لحمزة بن بيض في سليمان بن عبد الملك:

حاز الخلافة والداك كلاهمامن بين سخطة ساخط أو طائع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
أبواك ثم أخوك أصبح ثالثاوعلى جبينك نور ملك ساطع

قال: يا يحيى، أكتب لي هذين البيتين.

ولما مدح ابن هرمة أبا جعفر المنصور، أمر له بألفي درهم، فاستقلّها، وبلغ ذلك أبا جعفر فقال: أما يرضى إني حقنت دمه وقد استوجب إراقته، ووفّرت ماله وقد استحقّ تلفه، وأقررته وقد استأهل الطرد، وقربته وقد استجزى البعد؟ أليس هو القائل في بني أمية:

إذا قيل من عند ريب الزمانلمعترّ فهر ومحتاجها
ومن يعجل الخيل يوم الوغىبالجامها قبل اسراجها
أشارت نساء بني مالكإليك به قبل أزواجها

قال ابن هرمة: فإني قد قلت فيك أحسن من هذا! قال: هاته! قال:

قلت:

إذا قلت أيّ فتى تعلمونأهشّ إلى الطعن بالذابل
واضرب للقرن يوم الوغىوأطعم في الزمن الماحل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إذا قيل أي فتى تعلمون»
أشارت إليك أكف الورىإشارة غرقى إلى ساحل

قال المنصور: أما هذا الشعر فمسترق، وأما نحن فلا نكافيء إلا بالتي هي أحسن.

ولما إحتال أبو الأزهر المهلّب لعبد الحميد بن ربعيّ بن خالد بن معدان، وأسلمه حميد إلى المنصور قال: لا عذر فأعتذر، وقد أحاط بي الذنب وأنت أولى بما ترى: قال: لست أقتل أحدا من آل قحطبة، بل أهب مسيئهم لمحسنهم، وغادرهم لوفيهم! قال: إن لم يكن في مصطنع فلا حاجة لي في الحياة، ولست أرضى أن أكون طليق شفيع، وعتيق ابن عمّ! قال:

أسكت مقبوحا مشقوحا، وأخرج فإنك أنوك جاهل، أنت عتيقهم وطليقهم ما حييت.

ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب في شأن إبراهيم ابن عبد الله، وصار إلى المنصور، أمر الربيع بخلع سواده والوقوف به على

رأس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة ثم قال: قل لهم: يقول لكم أمير المؤمنين: قد عرفتم ما كان من إحساني إليه، وحسن بلائي عنده، وقديم نعمتي عليه، والذي حاول من الفتنة، ورام من البغي، وأراد من شق العصا ومعاونة الأعداء، وإراقة الدماء، وأنه قد استحق بهذا من فعله أليم العقاب، وعظيم العذاب. وقد رأى أمير المؤمنين إتمام بلائه الجميل لديه، ورب نعمائه السابقة عنده، لما يتعرفه أمير المؤمنين من حسن عائدة الله عليه، وما يؤمله من الخير العاجل والآجل، عند العفو عمن ظلم، والصفح عمن أساء. وقد وهب أمير المؤمنين مسيئكم لمحسنكم، وغادركم لوفيكم.

وقال سهل بن هارون يوما، وهو عند المأمون: من أصناف العلم مالا ينبغي للمسلمين أن يرغبوا فيه، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال! قال المأمون: قد يسمى بعض الشيء علما وليس بعلم، فإن كنت هذا أردت فوجهه الذي ذكرناه. ولو قلت: العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا يستقصى أصنافه، ولا يضبط آخره، فالأمر على ما قلت. فإذا فعلتما ذلك كان عدلا، وقولا صدقا. وقد قال بعض العلماء: أقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى إلى نفسك وأخف على قلبك، فإن نفاذك فيه على حسب شهوتك له، وسهولته عليك. وقال أيضا بعض الحكماء: لست أطلب العلم طمعا في بلوغ غايته، والوقوف على نهايته. ولكن التماس مالا يسع جهله، ولا يحسن بالعاقل إغفاله. وقال آخرون: علم الملوك النسب والخبر وجمل الفقه، وعلم التجار الحساب والكتاب، وعلم أصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير.

فأما أن تسمّي الشيء علما وتنهى عنه من غير أن يكون يشغل عما هو أنفع منه، بل تنهي نهيا جزما، وتأمر أمرا حتما! والعلم بصر، وخلافه عمى، والإستبانة للشر ناهية عنه، والإستبانة للخير آمرة به.

ولما قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أمر به، وصرت إليه

وقد كان أمر اليزيدي بالنظر فيها ليخبره عنها، قال لي: قد كان بعض من يرتضى عقله ويصدّق خبره خبّرنا عن هذه الكتب بأحكام الصنعة وكثرة الفائدة، فقلنا له: قد تربي الصفة على العيان، فلما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة، فلما فليتها أربى الفلي على العيان كما أربى العيان على الصفة.

وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه، ولا يفتقر إلى المحتجّين عنه، قد جمع استقصاء المعاني، واستيفاء جميع الحقوق، مع اللفظ الجزل، والمخرج السهل، فهو سوقي ملوكي، وعامي خاصي.

ولما دخل عليه المرتدّ الخراساني وقد كان حمله معه من خراسان حتى وافى به العراق، قال له المأمون:

لأن استحييك بحق أحبّ إلي من أن أقتلك بحق، ولأن أقبلك بالبراءة أحب إلي من أن أدفعك بالتهمة، قد كنت مسلما بعد أن كنت نصرانيا، وكنت فيها أتنخ وأيامك أطول، فاستوحشت مما كنت به آنسا ثم لم تلبث أن رجعت عنا نافرا، فخبرنا عن الشيء الذي أوحشك من الشيء الذي صار آنس لك من ألفك القديم، وأنسك الأول. فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، والمريض من الأطباء يحتاج إلى المشاورة. وإن أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة، فإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة. أو ترجع أنت في نفسك إلى الإستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في إجتهاد، ولم تفرط في الدخول في باب الحزم.

قال المرتد: أوحشني كثرة ما رأيت من الإختلاف فيكم!

قال المأمون: لنا إختلافان: أحدهما كالإختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والإختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق، ووجوه القراءات وإختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك. وليس هذا بإختلاف إنما هو تخيير وتوسعة، وتخفيف من المحنة. فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يؤثم، ومن أذن مثنى وأقام فرادى لم يحوّب، لا يتعايرون ولا يتعابيون، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بتاتا.

والإختلاف الآخر كنحو إختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث عن نبينا، مع إجماعنا على أصل التنزيل، وإتفاقنا على عين الخبر.

فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت من أجله هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والأنجيل متفقا على تأويله، كما يكون متفقا على تنزيله، ولا يكون بين جميع النصارى واليهود إختلاف في شيء من التأويلات.

وينبغي لك أن لا ترجع إلا إلى لغة لا إختلاف في تأويل ألفاظها.

ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية، ولو كان كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله الدنيا.

قال المرتدّ: أشهد أن الله واحد لا ندّ له ولا ولد، وأن المسيح عبده، وإن محمدا صادق، وإنك أمير المؤمنين حقا! فأقبل المأمون على أصحابه فقال: فروا عليه عرضه، ولا تبرّوه في يومه ريثما يعتق إسلامه، كي لا يقول عدوه أنه أسلم رغبة. ولا تنسوا بعد نصيبكم من برّه وتأنيسه ونصرته، والعائدة عليه.

حدثنا أحمد بن أبي داود قال: قال لي المأمون:

لا يستطيع الناس أن ينصفوا الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين الملوك وحماتهم وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم. وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وخدمة، واجتهاد ونصيحة، ويرون إيقاع الملوك بهم ظاهرا، حتى لا يزال الرجل يقول: ما أوقع به إلا رغبة في ماله، أو رغبة في بعض مالا تجود النفس به، ولعل الحسد والملالة وشهوة الإستبدال، إشتركت في ذلك.

وهناك خيانات في صلب الملك، أو في بعض الحرم، فلا يستطيع الملك أن يكشف للعامة موضع العورة في الملك، ولا أن يحتج لتلك العقوبة بما يستحق ذلك الذنب، ولا يستطيع الملك ترك عقابه لما في ذلك من الفساد، على علمه بأن عذره غير مبسوط للعامة، ولا معروف عند أكثر الخاصة.

ونزل رجل من أهل العسكر، فغدا بين يدي المأمون، وشكا إليه مظلمته، فأشار بيده: أن حسبك! فقال له بعض من كان يقرب من المأمون:

يقول لك أمير المؤمنين: إركب. قال المأمون: لا يقال لمثل هذا:

إركب، إنما يقال له: إنصرف! وحدثني إبراهيم بن السندي قال: بينا الحسن اللؤلؤي يحدث المأمون ليلا وهو بالرقّة، وهو يومئذ ولي عهد، وأطال الحسن الحديث حتى نعس المأمون، فقال الحسن: نعست أيها الأمير! ففتح عينيه وقال: سوقي وربّ الكعبة! يا غلام خذ بيده.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيان والتبيين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.