من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
أخبار من أخبار العرب في مآكلهم ومشاربهم
المعلّى الرّبعيّ قال: مكثت ثلاثا لا أذوق طعاما ولا أشرب فيهنّ شرابا فدعوت الله تعالى، وإذا دعا العبد الله بقلب صادق كانت معه من الله عين بصيرة، فدفعت إلى ذئبين في جفر، فرميتهما فقتلتهما، ثم أتيت جفرا فيه ماء فاستقيت، ثم أتيتهما وإذا هما على مهيد يتيهما، وإذا لهما نخفة- يعني شبه الزّفير- فاشتويت واحتذيت وادّهنت.
قال ابن قرفة (شيخ من سليم): أضافني رجل من الأعراب فجاءني بقدر جماع ضخمة ليس فيها شيء من طعام إلا قطع لحم، فإذا بضعة تنماتّ في فمي، وبضعة كأنّها بضع ساق، وبضعة كأنها شحم زخم؛ فقلت: ما هذا؟ فقال: إني رجل صيّاد، جمعت بين ذئب وظبي وضبع.
قال مدنيّ لأعرابيّ: ما تأكلون وما تدعون؟ قال: نأكل ما دبّ ودرج إلا أمّ حبين؛ فقال المدنيّ: ليهنىء أمّ حبين العافية.
قعد على مائدة الفضل بن يحيى رجل من بني هلال بن عامر، فذكروا الضّبّ ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمّه وتابعه القوم، فغاظ الهلاليّ ما سمع منهم، ولم يكن على المائدة عربيّ غيره، ثم لم يلبث أن أتي الفضل بصحفة فيها فراخ الزّنابير، فلم يشكّ الأعرابيّ أنها ذبّان البيوت، فقال حين خرج:
وعلج يعاف الضبّ لؤما وبطنةوبعض إدام العلج هام ذباب
ولو أنّ ملكا في الملا ناك أمّهلقالوا لقد أوتيت فصل خطاب
وقال أبو الهندي (رجل من العرب]:
أكلت الضّباب فما عفتهاوإنّي لاشهى قديد الغنم
ولحم الخروف حنيذا وقدأتيت به فاترا في الشّبم
فأمّا البهطّ وحيتانكمفما زلت منها كثير السّقم
وقد نلت منها كما نلتمفلم أر فيها كضبّ هرم
ولا في البيوض كبيض الدّجاجوبيض الدجاج شفاء القرم
ومكن الضّباب طعام العريبولا تشتهيه نفوس العجم
وقال بعض الأعراب:
وأنت لو ذقت الكشى بالأكبادلما تركت الضّبّ يعدو بالواد
ونزل رجل من العرب برجل من الأعراب فقدّم إليه جرادا؛ فقال:
لحى الله بيتا ضمّني بعد هجعةإليه دجوجيّ من الليل مظلم
فأبصرت شيخا قاعدا بفنائههو العنز إلّا أنه يتكلّم
أتانا ببرقان الدّبى في إنائهولم يك برقان الدّبى لي مطعم
فقلت له غيّب إناءك واعتزلفهل ذاق هذا، لا أبالك، مسلم
وقال بعض العباسيين:
ليت شعري متى تخبّ بي الناقة نحو العذيب فالصّنين
محقبا زكرة وخبز رقاقوجبينا وقطعة من نون
وقال بعض الأعراب:
أقول له يوما وقد راح صحبتيترى أبتغي من صيده وأخاتله
فلما التقت كفّي على فضل ذيلهوشالت شمالي زايل الضّبّ باطله
فأصبح محنوذا نضيجا وأصبحتتمشّى على القيزان حولا حلائله
شديد اصفرار الكشيتين كأنماتطلّى بورس بطنه وشواكله
فذلك أشهى عندنا من نتاجكملحى الله شاريه وقبّح آكله
وبنو أسد تعيّر بأكل الكلاب؛ قال الفرزدق:
إذا أسديّ جاع يوما ببلدةوكان سمينا كلبه فهو آكله
وتعيّر أيضا بأكل لحوم الناس، كما قال الشاعر:
إذا ما ضفت ليلا فقعسيّافلا تأكل له أبدا طعاما
فإنّ اللحم إنسان فدعهوخير الزاد ما منع الحراما
قال رجل: كنت بالبادية، فرأيت ناسا حول نار، فسألت عنهم فقالوا:
صادوا حيّات فهم يشتوونها ويأكلونها، فأتيتهم فرأيت رجلا منهم قد أخرج حيّة من الجمر ليأكلها فامتنعت عليه، فجعل يمدّها كما يمدّ عصيب لم ينضج، فما صرفت بصري عنه حتّى لبج به فمات، فسألت عن شأنه فقيل لي:
عجل عليها قبل أن تنضج وتعمل في سمّها النار.
قال رجل من الأعراب لولده: اشتروا لي لحما، فاشتروه فطبخه حتى تهرّى، وأكل منه حتى انتهت نفسه، وشرعت إليه عيون ولده فقال: ما أنا بمطعمه أحدا منكم إلا من أحسن وصف أكله: فقال الأكبر منهم: آكله يا أبت حتى لا أدع لذرّة فيه مقيلا؛ قال: لست بصاحبه. فقال الآخر: آكله حتى لا يدرى ألعامه هو أم لعام أوّل؛ قال: لست بصاحبه. فقال الأصغر: أدقّه يا أبت دقا وأجعل إدامه المخّ؛ قال: أنت صاحبه، هو لك.
بينا أعرابيّ يسير وهو يوضع بعيره إذ سقط بعيره فنحره وأكله، فأنشأ يقول:
إنّ السّعيد من يموت جملهيشبع لحما ويقلّ عمله
ومرّ رجل من سلول بفتيان يشربون فشرب معهم؛ فلما أخذ منه الشراب قام إلى بعيره فنحره، وقال:
علّلاني إنّما الدّنيا عللودعاني من ملام وعذل
وانشلا ما اغبرّ من قدريكماواسقياني أبعد الله الجمل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع