من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
القناعة والاستعفاف
حدّثني شيخ لنا عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن محمد بن قيس عن عبد الرحمن ابن يزيد عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: من يتقبّل لي بواحدة وأتقبّل له بالجنة فقال ثوبان: أنا يا رسول الله، قال: لا تسأل الناس شيئا فكان ثوبان إذا سقط سوطه من يده نزل فأخذه ولم يسأل أحدا أن يناوله إياه.
وحدّثني أيضا عن عبد الرحمن المحاربيّ عن الأعمش عن مجاهد قال:
قال عمر ﵁: ليس من عبد إلا وبينه وبين رزقه حجاب، فإن اقتصد أتاه رزقه وإن اقتحم هتك الحجاب ولم يزد في رزقه.
وحدّثني أيضا عن وكيع عن سفيان عن أسامة بن زيد عن أبي معن الإسكندرانيّ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الصّفا الزّلّال الذي لا تثبت عليه أقدام العلماء الطمع». وقال ﵇: «إن روح القدس نفث في روعي أنّ نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب».
قال ابن حازم:
للنّاس مال ولي مالان ما لهماإذا تحارس أهل المال أحراس
ما لي الرضا بالذي أصبحت أملكهوما لي اليأس ممّا يملك الناس
أخذ هذا من قول أبي حازم المدنيّ، وقال له بعض الملوك: ما مالك؟
قال: الرضا عن الله، والغنى عن الناس.
وقال بشّار بن بشر:
وإنّي لعفّ عن فكاهة جارتيوإني لمشنوء إليّ اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لهازءورا ولم تأنس إليّ كلابها
ولم أك طلّابا أحاديث سرّهاولا عالما من أيّ حوك ثيابها
وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤهويكفيك سوءآت الأمور اجتنابها
إذا سدّ باب عنك من دون حاجةفذرها لأخرى ليّن لك بابها
وقال ابن أبي حازم:
أوجع من وخزة السّنانلذي الحجا وخزة اللسان
فاسترزق الله واستعنهفإنه خير مستعان
وإن نبا منزل بحرّفمن مكان إلى مكان
لا يثبت الحرّ في مكانينسب فيه إلى الهوان
الحرّ حرّ وإن تعدّتعليه يوما يد الزّمان
حدّثني محمد بن داود عن جابر بن عثمان الحنفيّ عن يوسف بن عطية قال حدّثني المعلّى بن زياد القردوسي: أن عامر بن عبد قيس العنبريّ كان يقول: أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتهنّ مساء لم أبال على ما أمسي، وإذا تلوتهنّ صباحا لم أبال على ما أصبح: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
. وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
. وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
. سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
حدّثني عبد الرحمن عن بشر بن مصلح قال قال إبراهيم بن أدهم: لا تجعل بينك وبين الله منعما عليك، وعدّ النّعم منه عليك مغرما.
حدّثني الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال: أبرع بيت قالته العرب بيت أبى
ذؤيب الهذليّ:
والنّفس راغبة إذا رغّبتهاوإذا تردّ إلى قليل تقنع
قال أبو حاتم عن الأصمعيّ قال حدّثنا أبو عمرو الصّفّار عن الحجاج بن الأسود قال: احتاجت عجوز من العجز القدم، قال: فجزعت إلى المسألة، ولو صبرت لكان خيرا لها. ولقد بلغني أن الإنسان يسأل فيمنع، ويسأل فيمنع، والصّبر منتبذ ناحية يقول: لو صرت إليّ لكفيتك.
وكان يقال: أنت أخو العزّ ما التحفت القناعة، ويقال: اليأس حرّ والرّجاء عبد.
وقال بعض المفسّرين في قول الله ﷿: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
قال: بالقناعة.
وقال سعد بن أبي وقّاص لابنه عمر: يا بنيّ إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإن لم تكن لك قناعة فليس يغنيك مال.
وقال عروة بن أذينة: لقد علمت- وما الإسراف في طمع- أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلّبهولو قعدت أتاني لا يعنّيني
وقال أبو العتاهية:
إن كان لا يغنيك ما يكفيكافكلّ ما في الأرض لا يغنيكا
وقال بعضهم: الغنى والفقر يجولان في طلب القناعة فإذا وجداها قطناها.
حجّت أعرابية على ناقة لها، فقيل لها: أين زادك؛ قلت: ما معي إلا ما في ضرعها. وقال الشاعر:
يا روح من حسمت قناعتهسبب المطامع من غد وغد
من لم يكن لله متّهمالم يمس محتاجا إلى أحد
وقال أردشير: خير الشّيم القناعة، ونماء العقل بالتعلّم.
وقال النّمر بن تولب:
ومتى تصبك خصاصة فارج الغنىوإلى الذي يهب الرّغائب فارغب
لا تغضبنّ على امرىء في مالهوعلى كرائم صلب مالك فاغضب
وقال أبو الأسود:
ولا تطمعن في مال جار لقربهفكلّ قريب لا ينال بعيد
وقال كعب بن زهير.
قد يعوز الحازم المحمود نيّتهبعد الثّراء ويثري العاجز الحمق
فلا تخافي علينا الفقر وانتظريفضل الذي بالغنى من فضله نثق
وشكا رجل إلى قوم ضيقا فقال له بعضهم: شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.
وقال هشام بن عبد الملك لسالم بن عبد الله ودخلا الكعبة: سلني حاجتك، قال: أكره أن أسأل في بيت الله غير الله. ورأى رجلا يسأل في الموقف فقال: أفي مثل هذا الموضع تسأل غير الله ﷿!.
وقال ابن المعذّل:
تكلّفني إذلال نفسي لعزّهاوهان عليها أن أهان لتكرما
تقول سل المعروف يحيى بن أكثمفقلت سليه ربّ يحيى بن أكثما
وقال ابن عباس: المساكين لا يعودون مريضا ولا يشهدون جنازة، وإذا سأل الناس الله سألوا الناس.
وكان الحسن يطرد السّؤّال يوم الجمعة، ولا يرى لهم جمعة.
وقال بعض الشعراء:
حبّ الرياسة داء لا دواء لهوقلّ ما تجد الراضين بالقسم»
وقال محمود الورّاق:
شاد الملوك قصورهم وتحصّنواعن كلّ طالب حاجة أو راغب
غالوا بأبواب الحديد لعزّهاوتنوّقوا في قبح وجه الحاجب
وإذا تلطّف للدّخول إليهمراج تلقّوه بوعد كاذب
فارغب إلى ملك الملوك ولا تكنيا ذا الضّراعة طالبا من طالب
وجد على ميل في طريق مكّة:
ألا يا طالب الدّنيادع الدنيا لشانيكا
إلى كم تطلب الدنياوظلّ الميل يكفيكا
قال مطرّف بن عبد الله لابن أخيه: إذا كانت لك إليّ حاجة فاكتب بها رقعة فإني أضنّ بوجهك عن ذلّ السؤال.
وقال أبو الأسود:
وإنّ أحقّ الناس إن كنت مادحابمدحك من أعطاك والوجه وافر
وكان معاوية يتمثّل بهذين البيتين:
وفتى خلا من مالهومن المروءة غير خالي
أعطاك قبل سؤالهفكفاك مكروه السؤال
وقال آخر:
أبا مالك لا تسأل الناس والتمسبكفّيك سيب الله فالله أوسع
فلو تسأل الناس التراب لأوشكواإذا قلت هاتوا أن يميلوا فيمنعوا
والمشهور في هذا قول عبيد:
من يسأل الناس يحرموهوسائل الله لا يخيب
قال سليمان لأبي حازم: سل حوائجك؛ فقال: قد رفعتها إلى من لا
تخذل الحوائج دونه.
قال بعض المفسّرين في قول الله ﷿: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
أي المخلوق يرزق فإذا سخط قطع رزقه، والله ﷿ يسخط ولا يقطع.
وقال الشاعر:
لا تضرعنّ لمخلوق على طمعفإنّ ذلك وهن منك بالدّين
واسترزق الله رزقا من خزائنهفإنّما هو بين الكاف والنون
وقال الخليل بن أحمد:
أبلغ سليمان أنّي عنه في سعةوفي غنى غير أنى لست ذا مال
شحّا بنفسي، إنّي لا أرى أحدايموت هزلا ولا يبقى على حال
فالرزق عن قدر لا الضّعف يمنعهولا يزيدك فيه حول محتال
وقال المعلوط:
متى ما ير الناس الغنيّ وجارهفقير يقولوا عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتىولكن حظوظ قسّمت وجدود
وقال آخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيرهويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال أبو الأسود:
ليتك آذنتني بواحدةتجعلها منك سائر الأبد
تحلف ألّا تبرّني أبدافإنّ فيها بردا على كبدي
إن كان رزقي إليك فارم بهفي ناظري حيّة على رصد
وقال عمر بن الخطّاب ﵁: حرفة يقال فيها خير من مسألة الناس.
وقال سعيد بن العاص: موطنان لا أستحيي من العيّ فيهما: عند مخاطبتي جاهلا، وعند مسألتي حاجة لنفسي.
حدّثني محمد بن عبيد عن أبي عبد الله عن محمد بن عبد الله بن واصل قال: جاء رجل إلى شريح يستقرض دراهم؛ فقال له شريح: حاجتك عندنا فأت منزلك فإنّها ستأتيك، إنّي لأكره أن يلحقك ذلّها.
حدّثني الرّياشيّ عن الأصمعيّ عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه عند موته فقال: إيّاكم والمسألة، فإنها آخر كسب الرجل.
وقال بعض المحدثين:
عوّدت نفسي الضّيق حتى ألفتهوأحرجني حسن العزاء إلى الصّبر
ووسّع قلبي للأذى الأنس بالأذىوقد كنت أحيانا يضيق به صدري
وصيّرني يأسي من الناس راجيالسرعة لطف الله من حيث لا أدري
وقال آخر:
حسبي بعلمي لو نفعما الذّلّ إلّا في الطّمع
من راقب الله نزععن قبح ما كان صنع
ما طار شيء فارتفعإلّا كما طار وقع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع