من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
المواعيد وتنجّزها
ذكر جبّار بن سلمى عامر بن الطّفيل فقال: كان والله إذا وعد الخير وفى، وإذا أوعد بالشرّ أخلف وعفا.
وأنشد أبو عمرو بن العلاء في مثل هذا المعنى:
ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتيويأمن منّي صولة المتهدّد
وإنّي إن أوعدته أو وعدتهليكذب إيعادي ويصدق موعدي
وكان يقال: وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف.
وقال عبد الصّمد بن الفضل الرّقاشي (أبو الفضل والعباس الرّقاشيّين البغداديين) لخالد بن ديسم عامل الرّيّ:
أخالد إنّ الرّيّ قد أجحفت بناوضاق علينا رحبها ومعاشها
وقد أطعمتنا منك يوما سحابةأضاء لنا برق وكفّ رشاشخا
فلا غيمها يصحو فيؤيس طامعولا ماؤها يأتي فتروى عطاشها
وقال رجل في الحجاج:
كأنّ فؤادي بين أظفار طائرمن الخوف في جوّ السماء محلّق
حذار امرىء قد كنت أعلم أنّهمتى ما يعد من نفسه الشرّ يصدق
قال عمر بن الحارث: كنت متى شئت أجد من يعد وينجز، فقد أعياني من يعد ولا ينجز. قال: وكانوا يفعلون ولا يقولون، فقد صاروا يقولون ويفعلون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون.
قال بشار:
وعدتني ثم لم توفي بموعدتيفكنت كالمزن لم يمطر وقد رعدا
هذا مثل قول العرب لمن يعد ولا يفي: «برق خلّب».
وقال آخر:
قد بلوناك بحمد اللهـ إن أغنى البلاء
فإذا جلّ مواعيدك والجحد سواء
وقال آخر:
لها كلّ عام موعد غير ناجزووقت إذا ما رأس حول تجرّما
فإن أوعدت شرّا أتى دون وقتهوإن وعدت خيرا أراث وأعتما
وعد عبد الله بن عمر رجلا من قريش أن يزوّجه ابنته؛ فلما كان عند موته أرسل إليه فزوّجه إياها، وقال كرهت أن ألقى الله ﷿ بثلث اتّفاق.
وقال الطائيّ:
تقول قول الذي ليس الوفاء لهخلقا وتنجز إنجاز الذي حلفا
وأثنى الله ﵎ على نبيّه إسماعيل ﷺ فقال: إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا
وقال بشّار يمدح:
إذا قال تمّ على قولهومات العناء بلا أو نعم
وبعض الرجال بموعودهقريب وبالفعل تحت الرّجم
كجاري السّراب ترى لمعهولست بواجده عندكم
وقال العبّاس بن الأحنف:
ما ضرّ من قطع الرجاء ببخلهلو كان علّلني بوعد كاذب
وقال آخر:
عسى منك خير من نعم ألف مرّةمن آخر غال الصّدق منه غوائله
وقال نصيب:
يقول فيحسن القول ابن ليلىويفعل فوق أحسن ما يقول
وقال زياد الأعجم»
لله درّك من فتىلو كنت تفعل ما تقول
لا خير في كذب الجواد وحبّذا صدق البخيل
والعرب تضرب المثل في الخلف بعرقوب. قال ابن الكلبيّ عن أبيه:
كان عرقوب رجلا من العماليق؛ فأتاه أخ له فسأله شيئا؛ فقال له عرقوب: إذا أطلع نخلي. فلما أطلع أتاه. قال: إذا أبلح. فلما أبلح أتاه، فقال: إذا أزهى. فلما أزهى أتاه، قال: إذا أرطب. فلما أرطب أتاه، قال: إذا صار تمرا. فلما صار تمرا جدّه من الليل ولم يعط أخاه شيئا.
قال كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاوما مواعيدها إلّا الأباطيل
وقال الأشجعيّ:
وعدت وكان الخلف منك سجيّةمواعيد عرقوب أخاه بيترب
هكذا قرأته على البصريين في كتاب سيبويه بالتاء وفتح الراء.
وقال الشاعر:
متى ما أقل يوما لطالب حاجةنعم، أقضها قدما وذلك من شكلي
وإن قلت لا، بيّنتها من مكانهاولم أوذه منها بجرّ ولا مطل
وللبخلة الأولى أقلّ ملامةمن الجود بدءا ثم يتبع بالبخل
وقال أبو نواس لامرأة:
أنضيت أحرف لا ممّا لهجت بهافحوّلي رحلها عنها إلى نعم
أو حوّليها إلى «لا» فهي تعدلهاإن كنت حاولت في ذا قلّة الكلم
فستم علينا فعارضنا قياسكميا من تناهى إليه غاية الكرم
وفي هذا معنا لطيف.
كتب رجل إلى صديق له: قد أفردتك برجائي بعد الله، وتعجّلت راحة اليأس ممن يجود بالوعد ويضنّ بالإنجاز، ويحسد أن يفضل، ويزهد أن يفضل، ويعيب الكذب ولا يصدق.
وقال آخر:
وذي ثقة تبدّل حين أثرىومن شيمي مراقبة الثّقات
فقلت له عتبت عليّ إثمافرارا من مؤونات العدات
فعد لمودّتي وعليّ نذرسألتك حاجة حتّى الممات
وقال آخر في أصحاب النبيذ:
مواعيدهم ربح لمن يعدونهبها قطعوا برد الشتاء وقاطوا
وقال مسلم:
لسانك أحلى من جنى النحل موعداوكفّك بالمعروف أضيق من قفل
تمنّي الذي يأتيك حتّى إذا انتهىإلى أجل ناولته طرف الحبل
وسأل خلف بن خليفة أبان بن الوليد أن يهب له جارية، فوعده وأبطأ
عليه؛ فكتب إليه:
أرى حاجتي عند الأمير كأنّماتهمّ زمانا عنده بمقام
وأحصر من إذكاره إن لقيتهوصدق الحياء ملجم بلجام
أراها إذا كان النهار نسيئةوبالليل تقضى عند كلّ منام
فيا ربّ أخرجها فإنك مخرجمن الميت حيّا مفصحا بكلام
فتعلم ما شكري إذا ما قضيتهاوكيف صلاتي عندها وصيامي
وإن حاجتي من بعد هذا تأخرّتخشيت لما بي أن أزور غلامي
والعرب تقول: «أنجز حرّ ما وعد».
وقال أميّة بن أبي الصّلت لعبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرّضه الثناء
وقال الطائيّ:
وإذا المجد كان عوني على المرء تقاضيته بترك التّقاضي
وقال الزّهريّ: حقيق على من أورق بوعد، أن يثمر بفعل.
وقال المغيرة: من أخرّ حاجة رجل فقد تضمّن قضاءها.
وقال الشاعر:
كفاك مذّكّرا وجهي بأمريوحسبي أن أراك وأن تراني
وكيف أحثّ من يعنى بشأنيويعرف حاجتي ويرى مكاني
وقال الشاعر:
يا صاح قل في حاجتيأذكرتها فيما ذكرتا
إنّ السّراح من النجاح إذا شقيت بما طلبتا
وقال آخر:
في تصدّيك للمطالب إذكار بوعد جرى به المقدار
وكتب بعض الكتاب إلى صديق له: إن من العجب إذكار معنيّ، وحث متيقّظ، واستبطاء ذاكر، إلّا أن ذا الحاجة لا يدع أن يقول في حاجته، حلّ بذلك منها أو عقل. وكتابي تذكرة والسلام.
وقال الطّرمّاح:
ألحسن منزلتي تؤخّر حاجتيأم ليس عندك لي بخير مطمع
وقال حمزة بن بيض لمخلد بن يزيد بن المهلّب:
أتيناك في حاجة فاقضهاوقل مرحبا يجب المرح
ولا تكلنا إلى معشرمتى يعدوا عدة يكذبوا
وقال بعض المحدثين:
حوائج الناس كلّها قضيتوحاجتي لا أراك تقضيها
أناقة الله حاجتي عقرتأم نبت الحرف في نواحيها
وقال جرير لعمر بن عبد العزيز:
أأذكر الضّرّ والبلوى التي نزلتأم تكتفي بالذي بلّغت من خبري
وقال آخر:
أروع لتسليم عليك وأغتديوحسبك بالتّسليم منّي تقاضيا
كفى بطلاب المرء ما لا ينالهعناء وباليأس المصرّح ناهيا
وقال آخر:
ما أنت بالسّبب الضّعيف وإنمانجح الأمور بقوّة الأسباب
فاليوم حاجتنا إليك وإنّمايدعى الطبيب لكثرة الأوصاب
كتب بعض الكتّاب إلى بعض السلطان: أنا أنزّهك عن التجمّل لي بوعد يطول به المدى ويعتزله الوفاء، وأحبّ أن يتقرّر عندك أن أملي فيك أبعد من أن أختلس الأمور منك اختلاس من يرى في عاجلك عوضا من آجلك، وفي الراهن من يومك بدلا من المأمول في غدك، وألّا تكون منزلتي في نفسك منزلة من يصرف الطرف عنه وتستكره النفس عليه ويتكلّف ما فوق العفو له، وأن تختار بين العذر والشكر؛ فالله يعلم أنّ آثر الحظّين عندي أحقّهما عليك، وأصوبهما لحالي عندك.
وفي كتاب: ذو الحرمة ملوم على فرط الدّالّة، كما أنّ المتحرّم به مذموم على التناسي والإزالة. ومن مذهبي الوقوف بنفسي دون الغاية التي يقدّمني إليها حقّي، لأمرين: أحدهما ألّا أرضى بدون الحقّ أزيد في الحقّ.
والثاني أن أرى النفيس من الحظّ زهيدا إذا أتى من جهة الإرهاق. ولي ذمام المودّة الصادقة التي كلّ حرمة تبع لها، وحق الشكر الذي جعله الله وفاء بالنعم وإن جلّ قدرها؛ وأنت مراعي المعالي وحافظ بقيّة الكرم؛ فأيّ سبيل للعذر، بل أيّ موضع للإكداء بين حرمتي ورعايتك، وذمامي وكرمك!.
قال أحمد بن يوسف: أوّل المعروف مستخفّ، وآخره مستثقل؛ يكاد أوّله يكون اللهوى دون الرأي، وآخره للرأي دون الهوى. ولذلك قيل: ربّ الصّنيعة أشدّ من ابتدائها.
قال أبو عطاء السّنديّ في يزيد بن عمر بن هبيرة:
ثلاث حكتهنّ لقرم قيسرجعن إليّ صفرا خائبات
أقام على الفرات يزيد شهرافقال الناس أيّهما الفرات
فيا عجبا لبحر فاض يسقيجميع الناس لم يبلل لهاتي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع