من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
حال المسؤول عند السؤال
قال الشاعر:
سألناه الجزيل فما تلكّاوأعطى فوق منيتنا وزادا
مرارا ما أعود إليه إلّاتبسّم ضاحكا وثنى الوسادا
وقال آخر:
قوم إذا نزل الغريب بدارهمتركوه ربّ صواهل وقيان
وإذا دعوتهم ليوم كريهةسدّوا شعاع الشمس بالفرسان
لا ينقرون الأرض عند سؤالهملتلمّس العلّات بالعيدان
بل يبسطون وجوههم فترى لهاعند السؤال كأحسن الألوان
وقال آخر:
يجعل المعروف والبرّ ذخراويعدّ الحمد خير التّجاره
وإذا ما جئته تجتديهخلته بشّرته ببشاره
فترى في الطّرف منه حياءوترى في الوجه منه استناره
وقال آخر:
إذا غدا المهديّ في جندهأو راح في آل الرسول الغضاب
بدا لك المعروف في وجههكالضوء يجري في ثنايا الكعاب
وأنشدني العتبيّ:
له في ذرى المعروف نعمى كأنهامواقع ماء المزن في البلد القفر
إذا ما أتاه السائلون توقّدتعليه مصابيح الطلاقة والبشر
والمشهور في هذا قول زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنّك تعطيه الذي أنت سائله
وسأل رجل من الأعراب»
رجلا فلم يعطه شيئا؛ فقال:
كدحت بأظفاري وأعملت معوليفصادفت جلمودا من الصّخر أملسا
تشاغل لما جئت في وجه حاجتيوأطرق حتى قلت قد مات أو عسى
وأجمعت أن أنعاه حين رأيتهيفوق فواق الموت ثم تنفّسا
فقلت له لا بأس، لست بعائذفأفرخ تعلوه الكآبة مبلسا
وقال مسلم:
أطرق لما أتيت ممتدحافلم يقل لا فضلا على نعم
فخفت إن مات أن أقاد بهفقمت أبغى النّجاء من أمم
لو أنّ كنز البلاد في يدهلم يدع الإعتدلال بالعدم
وقال الحارث الكنديّ:
فلما أن أتيناه وقلنابحاجتنا تلوّن لون ورس
وآض بكفّه يحتكّ ضرسايرينا أنّه وجع بضرس
فقلت لصاحبي أبه كزازوقلت أسرّه أتراه يمسي
وقمنا هاربين معا جميعانحاذر أن مزنّ بقتل نفس
قال الأصمعيّ:
دخل أعرابيّ على المساور الضّبّيّ وهو بندار الرّيّ، فسأله فلم يعطه
شيئا، فأنشأ يقول:
أتيت المساور في حاجةفما زال يسعل حتى ضرط
وحكّ قفاه بكر سوعهومسّح عثنونه وامتخط
فأمسكت عن حاجتي خيفةلأخرى تقطّع شرج السّفط
فأقسم لو عدت في حاجتيللطّخ بالسّلح وشي النّمط
وقال غلطنا حساب الخراجفقلت من الضّرط جاء الغلط
قال: فكان العامل كلّما ركب صاح به الصّبيان: «من الضرط جاء الغلط فهرب من غير عزل إلى بلاد أصبهان.
وقال نهار بن توسعة في قتيبة بن مسلم:
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بهاوكلّ باب من الخيرات مفتوح
فبدّلت بعده قردا نطيف بهكأنّما وجهه بالخلّ منضوح
وقال جرير:
يزيد يغضّ الطّرف دوني كأنّمازوى بين عينيه عليّ المحاجم
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوىولا تلقني إلا وأنفك راغم
وقال آخر:
لا تسأل المرء عن خلائقهفي وجهه شاهد من الخبر
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن الأبج عن التتّيّ قال قال محمد بن واسع: إنك لتعرف فجور الفاجر في وجهه.
قال أبو العتاهية:
مالي أرى النّاس قد أبرقوابلؤم الفعال وقد أرعدوا
إذا جئت أفضلهم للسلام ردّ وأحشاؤه ترعد
كأنّك، من خشية للسّؤال، في عينه الحيّة الأسود
وقال آخر:
إذا ما الرّزق أحجم عن كريمفألجأه الزمان إلى زياد
تلقّاه بوجه مكفهرّكأنّ عليه أرزاق العباد
وقال آخر:
ولي خليل ما مسّني عدممذ نظرت عينه إلى عدمي
بشّرني بالغنى تهلّلهوقبل هذا تهلّل الخدم
ومحنة الزائرين بيّنةتعرف قبل اللقاء في الحشم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع