من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
شماتة الأعداء
بلع عمرو بن عتبة شماتة قوم به في مصائب؛ فقال: والله، لئن عظم
مصابنا بموت رجالنا لقد عظمت النعمة علينا بما أبقى الله لنا: شبّانا يشبّون الحروب، وسادة يسدون المعروف، وما خلقنا ومن شمت بنا إلا للموت.
قيل لأيوب النبيّ ﵇: أيّ شيء كان أشدّ عليك في بلائك؟
قال: شماتة الأعداء.
إشتكى يزيد بن عبد الملك شكاة شديدة وبلغه أنّ هشاما سرّ بذلك، فكتب إلى هشام يعاتبه، وكتب في آخر الكتاب:
تمنّى رجال أن أموت، وإن أمتفتلك سبيل لست فيها بأوحد
وقد علموا، لو ينفع العلم عندهم،متى متّ ما الداعي عليّ بمخلد
منيّته تجري لوقت وحتفهيصادفه يوما على غير موعد
فقال للذي يبغي خلاف الذي مضىتهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد
وقال الفرزدق:
إذا ما الدّهر جرّ على أناسحوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقواسيلقى الشامتون كما لقينا
أغير على رجل من الأعراب فذهب بإبله فقال:
لا والذي أنا عبد في عبادتهلولا شماتة أعداء ذوي إحن
ما سرّني أنّ إبلي في مباركهاوأنّ شيئا قضاه الله لم يكن
وقال عديّ بن زيد العباديّ:
أرواح مودّع أم بكورلك فانظر لأيّ حال تصير
وابيضاض السواد من نذر الموت فهل بعده لإنس نذير
أيّها الشامت المعيّر بالدّهر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيام أم أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم منذا عليه من أن يضام مجير
أين كسرى كسرى الملوك أنو شروان أم أين قبله سابور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرفا وجلّله كلسا فللطّير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور
وتبيّن ربّ الخورنق إذ أشرف يوما وللهدى تفكير
سرّه حاله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسّدير
فارعوى قلبه فقال وما غبطة حيّ إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والنّعمة وارتهم هناك القبور
ثم أضحوا كأنهم ورق جفّفألوت به الصبّا والدّبور
قال ابن الكلبي: لما قبض النبيّ ﷺ سمع بموته نساء من كندة وحضر موت فخضبن أيديهنّ وضربن بالدفوف، فقال رجل منهم:
أبلغ أبا بكر إذا ما جئتهأنّ البغايا رمن أيّ مرام
أظهرن من موت النبيّ شماتةوخضبن أيديهنّ بالعلّام
فاقطع، هديت، كفّهنّ بصارمكالبرق أومض من متون غمام
فكتب أبو بكر إلى المهاجر عامله، فأخذهنّ وقطّع أيديهنّ.
وقرأت في كتاب ذكر فيه عدوّ: فإنه يتربّص بك الدوائر، ويتمنّى لك الغوائل، ولا يؤمّل صلاحا إلا في فسادك، ولا رفعة إلا في سقوط حالك والسلام.
وجد بالأصل في آخر هذا الكتاب ما نصّه:
آخر كتاب الإخوان، وهو الكتاب السابع من عيون الأخبار، تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ رحمة الله عليه. وكتبه الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن علي الواعظ الجزريّ، وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة. وصلّى الله على سيدنا محمد النبيّ وآله الطاهرين.
وفي هذه الصفحة عينها وجد ما يأتي- وهو من زيادة الناسخ-:
قيل قدم المهديّ أمير المؤمنين، وقيل الرشيد، فتلقّاه الناس، وتلقّاه أبو دلامة في جملة الناس، فأنشده:
إنّي نذرت لئن رأيتك سالمابقرى العراق وأنت ذو وفّر
لتصلّينّ على النبيّ محمدولتملأن دراهما حجرى
فقال له أمير المؤمنين: أما الأولى فنعم. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وأما الأخرى فلست أفعل، فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين ما نذرت إلا الاثنين، فضحك وأمر حتى ملؤا حجره دراهم.
وقال شاعر:
ولقد تنسّمت الرياح لحاجتيفإذا لها من راحتيك نسيم
ولربّما استيأست ثم أقول لاإنّ الذي ضمن النجاح كريم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع