من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
التهاني
حدّثني زيد بن أخزم قال حدّثنا أبو قتيبة قال حدّثنا ميمون قال حدّثنا أبو عبد الله النّاجي قال: كنت عند الحسن، فقال رجل: ليهنئك الفارس؛ فقال:
لعله يكون بغّالا، ولكن قال: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ أشدّه، ورزقت برّه.
قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ إذا دعا لمتزوّج قال: «على اليمن والسعادة والطير الصالح والرزق الواسع والموّدة عند الرحمن».
قال أبو الأسود لرجل يهنّئه بتزويج: باليمن والبركة، وشدّة الحركة، والظفر في المعركة.
وكان رسول الله ﷺ ينهى أن يقال: «بالرّفاء والبنين».
وكان يقال: إن أوّل من هنّأ وعزّى في مقام واحد عطاء بن أبي صيفىّ الثّقفيّ، عزّى يزيد بن معاوية بأبيه وهنّأه بالخلافة، ففتح للناس باب الكلام، فقال: أصبحت زرئت خليفة وأعطيت خلافة الله. قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه؛ ووليت الرياسة، وكنت أحقّ بالسياسة؛ فاحتسب عند الله أعظم الرزيّ، واشكر الله على أعظم العطيّة. وعظّم الله في أمير المؤمنين أجرك، وأحسن على الخلافة عونك.
وقالت أعرابيّة للمنصور في طريق مكة بعد وفاة أبي العبّاس: أعظم الله أجرك في أخيك؛ لا مصيبة على الأمة أعظم من مصيبتك، ولا عوض لها أعظم من خلافتك.
قال الحجّاج لأيّوب بن القرّيّة: اخطب عليّ هند بنت أسماء، ولا تزد على ثلاث كلمات. فأتاهم فقال: أتيتكم من عند من تعلمون، والأمير معطيكم ما تسألون، أفتنكحون أم تردّون؟ قالوا: بل أنكحنا وأنعمنا. فرجع
ابن القرّيّة إلى الحجّاج فقال: أقرّ الله عينك، وجمع شملك، وأنبت ريعك؛ على الثبات والنبات، والغنى حتى الممات؛ جعلها الله ودودا ولودا، وجمع بينكما على البركة والخير.
كتب بعض الكتّاب إلى رجل يهنئه بدار انتقل إليها: بخير منتقل، وعلى أيمن طائر، ولأحسن إبّان، أنزلك الله عاجلا وآجلا خير منازل المفلحين.
وقال ابن الرّقاع لمتزوّج:
قمر السماء وشمسها اجتمعابالسّعد ما غابا وما طلعا
ما ورات الأستار مثلهمافيمن رأيناه ومن سمعا
دام السّرور له بها ولهاوتهنّا طول الحياة معا
وكتب رجل إلى صديق له يهنئه بالدخول على أهله: قد بلغني ما هيّأ الله لك من اجتماع الشّمل، بضمّ الأهل؛ فشركتك في النعمة، وكنت أسوتك في السرور، وشاهدك بقلبي، ومثّلت ما أنت فيه لعيني، فحللت بذلك محلّ المعاين للحال وزينتها، فهنيئا هنأك الله ما قسم لك، وبالرّفاء والبنين، وعلى طول التعمير والسنين.
وكتب آخر من الكتّاب إلى عامل: نحن من السرور، بما قد استفاض من جميل أثرك فيما تلي من أعمالك، وخطمك وزمّك إيّاها بحزمك وعزمك، وانتياشك أهلها من جور من وليهم قبلك، وسرورهم بتطاول
أيّامك والكون في ظلّ جناحك، في غاية من تخصّه وتعمّه نعمك، وتجول به الحال حيث جالت بك. فالحمد لله الذي جعل العاقبة لك، ولم يردد علينا آمالنا منكوسة فيك، كما ردّها على غيرنا في غيرك. وهنيئا هنأك الله نعمه خاصّها وعامّها، وأوزعك شكرها، وأوجب لك بالشكر أحسن المزيد فيها.
وكتب رجل من الكتّاب إلى نصرانيّ قد أسلم يهنئه: الحمد لله الذي أرشد أمرك، وخصّ بالتوفيق عزمك، وأوضح فضيلة عقلك، ورجاحة رأيك؛ فما كانت الآداب التي حويتها، والمعرفة التي أوتيتها؛ لتدوم بك على غواية وديانة شائنة لا تليق بلبّك، ولا يبرح ذوو الحجا من موجبي حقّك ينكرون إبطاءك عن حظّك وتركك البدار إلى الدّين القيّم الذي لا يقبل الله غيره ولا يثيب إلا به، فقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
، وقال:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
. والحمد لله الذي جعلك في سابق علمه ممن هداه لدينه، وجعله من أهل ولايته، وشرّفه بولاء خليفته. وهنأك الله نعمته، وأعانك على شكره؛ فقد أصبحت لنا أخا ندين بمودّته وموالاته بعد التأثّم من خلطتك ومخالفة الحقّ بمشايعتك؛ فإنّ الله ﷿ يقول: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
وكتب رجل من الكتّاب تهنئة بحجّ: الحمد لله على تمام مهاجرك، وسلامة بدأتك ورجعتك، وإعظامه المنّة بأوبتك؛ وشكر الله سعيك،
وبرّحجّك، وتقبّل نسكك؛ وجعلك ممّن قلبه مفلحا منجحا، قد ربحت صفقته، ولم تبر تجارته، ولا أعدمك نية تفضل عملك، وتوفيقا يحوط دينك، وشكرا يرتبط نعمتك؛ فهنأكم الله النعمة، وجمعكم في دار الخلافة، وجعلكم ساسة الأمّة والمتقدّمين عند الإمام- أيده الله بالطاعة والنصيحة- فإنّكم زين السلطان، وعمدة الإخوان، وأضداد أكثر أهل الزمان.
وكتب إلى رجل عن صديق له يهنّئه بفطام مولود: أنا- أعزّك الله- لما حمّلني الله من أياديك، وأودعني من إحسانك، وألزمني من شكرك، آخذ نفسي بمراعاة أمورك، وتفقّد أحوالك، وتعرّف كلّ ما يحدثه الله عندك، لأقابله بما يلزمني، وأقضي الحقّ فيه عنّي بمبلغ الوسع ومقدار الطاقة، وإن كانا لا يبلغان واجبك، ولا يستقلّان بثقل عارفتك. وكلّ ما نقّل الله الفتى وبلّغه من أحوال البلوغ ورقّاه فيه من درجات النموّ، فنعمة من الله حادثة تلزم الشكر، وحقّ يجب قضاؤه بالتهنئة. وكتب إليّ وكيلي المقيم ببابك يذكر ما وهبه الله من سلامته عند الفطام، وصلاح جسمه عند الطعام، وسلوته عن أوّل الغذاء، وسرورك ومن يليك بما وهب الله في هذه الحال من عافيته وحسن المدافعة عنه؛ فأكثرت لله الحمد، وأسهبت في الدعاء والرغبة، وتصدّقت عنه بما أرجو أن يتقبّله؛ وكتبت مهنّئا بتجدّد النعمة عندكم فيه. فالحمد لله المتطوّل علينا قبله بما هو أهله، والمجري لنا فيما يوليك على حسن عادته. وهنأك الله النعم، وصانها عندك من الغير، وحرسها بالشكر، وبلغ
بالفتى أقصى مبالغ الشرف، وجعلك من الأمل فيه والرجاء له على العيان واليقين، بمنّه وفضله.
وكتب بعض الكتّاب تهنئة بحجّ إلى صاحبه: الحقّ للسادة عند ما يجدّده الله لهم من نعمه في الدعاء، من جلائل حقوقهم على أوليائهم. وقد خصّ الله حقّك بما لا يسعني معه ادّخار مجهود في تعظيمه وشكره. ولولا أنّ الطاعة من حدوده، لم أنتظر إذنك لي في تلقّيك راجلا بالأوبة، إذ كان الكتاب بها دون السعير بأبلغ نصيب من التقصير. وأنا أسأل الله الذي أوفدك إلى بيته الحرام، وعمر بك مشاهده العظام؛ وأوردك حرمه سالما، وأصدرك عنه غانما؛ ومنّ بك على أوليائك وخدمك، أن يهنئك بما أنعم به عليك في بدأتك ورجعتك؛ بتقبّل السعي ونجح الطّلبة وتعريف الإجابة.
وكتب بعض الكتّاب تهنئة بولاية: فإنه ليس من نعمة يجدّدها الله عندك، والصنع الجميل تحدثه لك الأيّام، إلّا كان ارتياحي له واستبشاري به واعتدادي بما يهب الله لك من ذلك، حسب حقّك الذي توجبه، وبرّك الذي أشكره، وإخائك الذي يعزّ ويجلّ عندي موقعه؛ فجعل الله ذلك فيه وله، ووصله بتقواه وطاعته. وبلغني خبر الولاية التي وليتها، فكنت شريكك في السرور وعديلك في الارتياح، فسألت الله أن يعرّفك يمنها وبركتها، ويرزقك خيرها وعادتها، ويحسن معونتك على صالح نيّتك في الإحسان إلى أهل عملك والتألّف لهم، واستعمال العدل فيهم، ويرزقك محبتهم وطاعتك، ويجعلهم خير رعيّة.
وكتب رجل إلى معزول: فإنّ أكثر الخير فيما يقع بكره العباد، لقول الله
عزّ وجلّ: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
. وقال أيضا: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
. وعندك بحمد الله من المعرفة بتصاريف الأمور، والاستدلال بما كان منها على ما يكون، مغنى عن الإكثار في القول. وقد بلغني انصرافك عن العمل على الحال التي انصرفت عليها من رضا رعيّتك ومحبّتهم وحسن ثنائهم وقولهم، لما بقيت من الأثر الجميل عند صغيرهم وكبيرهم، وخلّفت من عدلك وحسن سيرتك في الداني منهم والقاصي من بلدهم؛ فكانت نعمة الله عليك في ذلك علينا، نعمة جلّ قدرها ووجب شكرها. فالحمد لله على ما أعطاك، ومنح فيك أولياءك وأرغم به أعداك، ومكّن لك من الحال عند من ولّاك؛ فقد أصبحنا نعتدّ صرفك عن عملك منحا مجدّدا، يجب به تهنئتك، كما يجب التوجّع لغيرك.
وكتب رجل من الكتاب في تهنئة بحجّ: لولا أنّ عوائق أشغال يوجب العذر بها تفضّلك ويبسطه احتمالك، لكنت مكان كتابي هذا مهنّئا لك بالأوبة، ومجدّدا بك عهدا، ومحييا نفسي بالنظر إليك. وأنا أسأل الله أن يشكر سعيك، ويتقبّل حجّك، ويثبت في علّيين أثرك، ولا يجعله من الوفادة إليه آخر عهدك.
وكتب بعض الكتّاب: لا مهنّىء أولى ما يكون مهنّئا، تعظيما لنعمه فيما جدّد الله لك يا مولاي بالولاية، منّي؛ إذ كنت أرجو بها انضمام نشري، وتلافي الله بعنايتك المتشتّت من أمري. فهنأك الله تجدّد النعم، وبارك لك
في الولاية، وافتتحها لك بالصّنع الجميل، وختمها لك بالسلامة، إنه سميع قريب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع