تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الهدايا

قال حدّثنا يزيد بن عمرو قال حدّثنا عمير بن عمران قال حدّثنا الحارث ابن عتبة عن العلاء بن كثير عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ: «تصافحوا فإنّ المصافحة تذهب غلّ الصدور، وتهادوا فإنّ الهديّة تذهب بالسّخيمة».

وحدّثني أبو الخطاب قال حدّثنا بشر بن المفضّل عن يونس عن الحسن قال قال رسول الله ﷺ: «لو أهديت لي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت».

وفي حديث آخر: «تهادوا تحابّوا فإن الهدية تفتح الباب المصمت وتسلّ سخيمة القلب».

قال حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله عن الأصمعيّ قال: سمعت نافعا يحدث قال: كان ابن عمر يقول: الهدايا من أمراء الفتنة.

وروى الزّبير بن بكّار عن عمه قال: كان الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة يجلس وعمرو بن عبيد الله بن صفوان، ما يكادان يفترقان، وكان عمرو يبعث إلى الحارث في كلّ يوم بقربة من ألبان إبله، فاختلف ما بينهما فأتى

عمرو أهله فقال: لا تبعثوا للحارث باللبن فإنا لا نأمن أن يردّه علينا؛ وانقلب الحارث إلى أهله فقال: هل أتاكم اللبن؟ قالوا: لا؛ فلما راح الحارث بعمرو قال: يا هذا لا تجمعنّ علينا الهجر وحبس اللبن؛ فقال: أمّا إذا قلت هذا فلا يحملها إليك غيري، فحملها من ردم بني جمح إلى أجياد.

وبعث النضر بن الحارث إلى صديق له يسكن عبّادان بنعلين مخصوفتين وكتب إليه: بعثت إليك بهما وأنا أعلم أنّ بك عنهما غنى، ولكني أحببت أن تعلم أنك مني على ذكر.

وقال بعض الشعراء:

إنّ الهديّة حلوةكالسّحر تجتلب القلوبا
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
تدني البغيض من الهوىحتى تصيّره قريبا
وتعيد مضطغن العداوة بعد نفرته حبيبا

أهدى رجل إلى صديق له عبدا أسود؛ فكتب إليه: أمّا بعد، فلو علمت عددا أقلّ من واحد أو لونا شرّا من الأسود لبعثت به إليّ. وهذا نظير قول الآخر وقد سئل كم لك من الولد؟ قال: خبيث قليل؛ قيل: وكيف؟ فقال: لا أقلّ من واحد ولا أخبث من بنت.

أهدى رجل إلى بعض الأمراء هدية، فكتب إليه الأمير: قد قبلتها بالموقع ورددتها بالإبقاء.

وكان ابن عباس يقول: من أهديت إليه هديّة وعنده قوم فهم شركاؤه فيها؛ فأهدى إليه صديق ثيابا من ثياب مصر وعنده أقوام فأمر برفعها، فقال له رجل: ألم تخبرنا أنّ من أهديت له هديّة وعنده قوم فهم شركاؤه فيها! فقال:

إنّما ذلك فيما يؤكل ويشّرب ويشم، فأمّا في ثياب مصر فلا.

وقال خلف الأحمر:

أتاني أخ من غيبة كان غابهاوكنت إذا ما غاب أنشده ركبا
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
فجاء بمعروف كثير فدسّهكما دسّ راعي السّوء في حضنه الوطبا
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
فقلت له هل جئتني بهديّةفقال بنفسي قلت أتحف بها الكلبا
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
هي النفس لا أرثى لها من بليّةولا أتمنّى أن رأيت لها قربا
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة

أهدى رجل إلى صديق له وكتب إليه: الأنس سهّل سبيل الملاطفة، فأهديت هديّة من لا يحتشم، إلى من لا يغتنم.

وحدّثنا أحمد بن الخليل قال حدّثنا أبو سلمة عن حبابة بنت عجلان عن أمّها أم حفص عن صفيّة بنت جرير عن أم حكيم بنت وداع الخزاعيّة قالت:

قلت للنبي ﷺ: ما جزاء الغنيّ من الفقير؟ قال؛ «النصيحة والدعاء قلت: يكره ردّ اللّطف؟. قال: ما أقبحه، لو أهديت إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت، تهادوا فإنه يضعف الحبّ ويذهب بغوائل القلوب».

وحدّثني محمد بن سلّام الجمحيّ قال حدّثني خلّاد بن يزيد الباهليّ قال: أهديت ليزيد بن عمر بن هبيرة في يوم المهرجان هدايا وهو أمير العراق فصفّت بين يديه؛ فقال خلف بن خليفة وكان حاضرا:

كأنّ شماميس في بيعةتسبّح في بعض عيداتها
وقد حضرت رسل المهرجان وصفّوا كريم هديّاتها
للشاعر خلف بن خليفة الأقطع، اقرأ القصيدة

علوت برأسي فوق الرءوس ...، فأشخصته فوق هاماتها

لأكسب صاحبتي صحفةتغيظ بها بعض جاراتها
للشاعر خلف بن خليفة الأقطع، اقرأ القصيدة

فأمر له بجام من ذهب، ثم أقبل يفرّق بين جلسائه تلك الهدايا وينشد:

لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلةفليس ينقصها التبذير والسّرف
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة»
فإن تولّت فأحرى أن تجود بهافالحمد منها إذا ما أدبرت خلف

كتب رجل من أصحاب السلطان إلى بعض العلماء يستهديه مهارة من ناحية عمله. فكتب إليه العامل: أمّا المهارة فإن أهل عملنا يصونونها صيانة الأعراض، ويسترونها ستر الحرم، ويسومون بها مهور العقائل؛ وأنا مستخلص لك منها ما يكون زين المربط وحملان الصديق، إن شاء الله.

وقال بعضهم: الهدّية إذا كانت من الصغير إلى الكبير، فكلّما لطفت ودقّت كان أبهى لها، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير، فكلّما عظمت وجلّت كان أوقع لها وأنجع.

وكتب أبو السّمط:

بدولة جعفر حسن الزمانلنا بك كلّ يوم مهرجان
ليوم المهرجان بك اختيالوإشراق ونور يستبان
جعلت هديّتي لك فيه وشياوخير الوشي ما نسج اللسان
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «بدولة جعفر حمد الزمان»

أهدى حسام بن مصكّ إلى قتادة نعلا رقيقة، فجعل قتادة يزنها بيده، وقال: إنك تعرف سخف عقل الرجل في سخف هديّته.

وقال الشاعر:

سقى حجّاجنا نوء الثريّاعلى ما كان من بخل ومطل
هم جمعوا النعال وأحرزوهاوسدّوا دونها بابفا بقفل
فإن أهديت فاكهة وجدياوعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراعوعشر من ردىء المقل حسل
فإن أهديت ذاك ليحملونيعلى نعل فدقّ الله رجلي
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
أناس تائهون لهم رواءتغيم سماؤهم من غير وبل
إذا انتسبوا ففرع من قريشولكنّ الفعال فعال عكل

كتب رجل إلى صديق له: لولا أنّ البضاعة قصّرت بي عن بلوغ الهمة لأتعبت المسابقين إلى برّك. وكرهت أن تطوى صحيفة البرّ، وليس لي فيها ذكر، فبعثت إليك بالمبتدأ بيمنه وبركته، والمختوم بطيبه ورائحته: جراب ملح، وجراب أشنان.

أهدى الطائيّ إلى الحسن بن وهب قلما وكتب إليه:

قد بعثنا إليك أكرمك اللهـ بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه إلى ندى كفّك الغمر ولا نيلك الكثير الجزيل
واغتفر قلّة الهديّة منّيإنّ جهد المقلّ غير قليل

وبعث أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع بنعل وكتب معها:

نعل بعثت بها لتلبسهاتسعى بها قدم إلى المجد
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «نعل بعثت بها لتلبسها»
لو كان يمكن أن أشرّكهاجلدي جعلت شراكها خدّي

وقال بعض الشعراء في نحو ذلك:

أو ما رأيت الورد أتحفنا بهإتحاف من خطر الصديق بباله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما أبو بشر فقد أضحى الورى»
لو كان يهدى لامرىء ما لا يرىيهدى لعظم فراقه وزياله
لرددت تحفته عليه وإن علتعن ذاك واستهديت بعض خصاله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما أبو بشر فقد أضحى الورى»

وقال المهديّ:

تفّاحة من عند تفّاحةجاءت فماذا صنعت بالفؤاد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «ظلوم يا زين نساء العباد»
والله ما أدري أأبصرتهايقظان أم أبصرتها في الرّقاد

قال: وكتب بعض العمال إلى صديق له: إنّي تصفّحت أحوال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا إلى السّادة في مثل هذا اليوم والتأسّي بهم في الإهداء، وإن قصّرت الحال عن قدرك، فرأيتني إن أهديت نفسي فهي ملك لك لا حظّ فيها لغيرك، ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدت أكثرها منك، فكنت إن أهديت شيئا منه كالمهدي مالك إليك ومنفق نفقتك عليك؛ وفزعت إلى مودّتي وشكري فوجدتهما خالصين لك قديمين غير مستحدثين، ورأيت إن أنا جعلتهما هديّتي لم أجدّد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا. ولم أقس منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلّا كان الشكر مقصّرا عن الحق، وكانت النعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة؛ ولم أسلك سبيلا ألتمس بها برّا أعتدّ به أو لطفا أتوصّل إليه، إلا وجدت رضاك قد سبقني إليه، فجعلت الإعتراف بالتقصير عن حقّلك هدّية إليك؛ وقد قلت في ذلك:

إن أهد نفسي فهي من ملكهأو أهد مالي فهو من ماله

لمّا قدم معاوية المدينة منصرفا من مكة، بعث إلى الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزّبير وعبد الله بن صفوان ابن أميّة بهدايا من كسى وطيب وصلات من المال، ثم قال لرسله: ليحفظ كلّ رجل منكم ما يرى ويسمع من الردّ. فلما خرج الرّسل من عنده، قال لمن حضر: إن شئتم أنبأناكم بما يكون من القوم؛ قالوا: أخبرنا يا أمير المؤمنين؛ قال: أمّا الحسن فلعله ينيل نساءه شيئا من الطّيب وينهب ما بقي من حضره ولا ينتظر غائبا. وأما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفّين،

فإن بقي شيء نحر به الجز وسقى به اللبن. وأما عبد الله بن جعفر فيقول: يا بديح ! أقض به ديني، فإن بقي شيء فأنفذ به عداتي. وأما عبد الله بن عمر فيبدأ بفقراء عديّ بن كعب، فإن بقي شيء ادّخره لنفسه ومان به عياله.

وأما عبد الله بن الزبير فيأتيه رسولي وهو يسبّح فلا يلتفت إليه ثم يعاوده الرسول فيقول لبعض كفاته: خذوا من رسول معاوية ما بعث به، وصله الله وجزاه خيرا، لا يلتفت إليها وهي أعظم في عينه من أحد، ثم ينصرف إلى أهله فيعرضها على عينه ويقول: ارفعوا، لعلّي أن أعود على ابن هند يوما ما.

وأما عبد الله بن صفوان فيقول: قليل من كثير، وما كلّ رجل من قريش وصل إليه هكذا، ردّوا عليه؛ فإن ردّ قبلناها. فرجع رسله من عندهم بنحو ممّا قال معاوية؛ فقال معاوية: أنا بن هند! أعلم بقريش من قريش.

قال يونس بن عبيد: أتيت ابن سيرين فدعوت الجارية، فسمعته يقول: قولوا له: إنّي نائم- يريد: سأنام-؛ فقلت: معي خبيص؛ فقال:

مكانك حتى أخرج إليك.

قال رجل لأبي الدّرداء: إن فلانا يقرئك السلام؛ فقال: هدّية حسنة ومحمل خفيف.

وبعث رجل إلى جارية يقال لها «راح» براح، وكتب إليها:

قل لمن يملك الملوك وإن كان قد ملك
للشاعر هارون الرشيد، اقرأ القصيدة
قد شربناك فاشربيوبعثنا إليك بك

أهدى رجل إلى عبيد بن الأخطل شاة مهزولة، فكتب إليه عبيد:

وهبت لنا يا أخا منقروعجل وأكرمها أوّلا
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
عجوزا أضرّ بها دهرهاوأنزلها الذّلّ دار البلى
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
سلوحا حسبت بأن الرّعاءسقوها الغريقون والحنظلا
وأجدب من ثور زرّاعةأصاب على جوعه سنبلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
وأزهد من جيفة لم تدعلها الشمس من مفصل مفصلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
فأهوت يميني إلى جنبهافخلت حراقيقها جندلا
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
وأهوت يساري لعرقوبهافخلت عراقيبها مغزلا
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
فقلت أبيع فلا مشرباتؤدّى إليّ ولا مأكلا
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
أم اجعل من جلدها حنبلافأقذر بحنبلها حنبلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
إذا هي مرّت على مجلسمن العجب كبّر أو هلّلا
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
رأوا آية خلفها سائقيحثّ وإن هرولت هرولا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
فكنت أمرت بها ضخمةبشحم ولحم قد استكملا
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
ولكنّ روحا عدا طورهوما كنت أحسب أن يفعلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
فعضّ الذي خانني حاجتيبإست امّه بظرها الا غرلا
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
فلولا مكانك خضّبتهاوعلّقت في جيدها جلجلا
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
فجاءت لكيما ترى حالهافتعلم أنّي بها مبتلى
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة
سألتك لحما لصبياننافقد زدتني فيهم عيّلا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وهبت لنا يا فتى منقر»
فخذها وأنت بها محسنوما زلت بي محسنا مجملا
للشاعر عُبيد بن الأخطل، اقرأ القصيدة

وبعث رجل إلى دعبل بأضحيّة، فكتب إليه:

بعثت إليّ بأضحيّةوكنت حريّا بأن تفعلا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بعثت إلي بأضحية»
ولكنّها خرجت غثّةكأنك أرعيتها حرملا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بعثت إلي بأضحية»
فإن قبل الله قربانهافسبحان ربّك ما أعدلا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بعثت إلي بأضحية»

قيل لرجل قدم من مكة: كيف أثمان النّعال بمكة؟ قال: أثمان الجداء بالعراق.

وقال مسلم بن الوليد:

جزى الله من أهدى التّرنج تحيةومنّ بما يهوى عليه وعجّلا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «جزى الله من أهدى الترنج تحية»
أتتنا هدايا منه أشبهن ريحهوأشبه في الحسن الغزال المكحّلا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «جزى الله من أهدى الترنج تحية»
ولو أنّه أهدى إليّ وصالهلكان إلى قلبي ألذّ وأوصلا
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «جزى الله من أهدى الترنج تحية»

وكتب رجل إلى صديق له شرب دواء:

تأنّق في الهديّة كلّ قومإليك غداة شربك للدواء
فلمّا أن هممت به مدلالموضع حرمتي بك والإخاء
رأيت كثير ما أهدي قليلالعبدك فاقتصرت على الدّعاء

وكتب رجل إلى صديق له: وجدت المودّة منقطعة ما كانت الحشمة عليها متسلّطة، وليس يزيل سلطان الحشمة إلا المؤانسة، ولا تقع المؤانسة إلا بالبرّ والملاطفة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.