من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
المعاتبة والتجنّي
قال حدّثنا محمد بن داود عن المضاء عن فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر قال قال أبو الدّرداء: معاتبة الأخ خير من فقده، ومن لك بأخيك كلّه!.
وكان يقال: التجنّي وافد الصّرم.
وقرأت في الإنجيل: إن ظلمك أخوك فاذهب فعاتبه فيما بينك وبينه، فإن أطاعك فقد ربحت أخاك وإن هو لم يطعك فاستتبع رجلا أو رجلين يشهدان ذلك الكلام، فإن لم يستمع فأنه أمره إلى أهل البيعة، فإن لم يستمع من أهل البيعة فليكن عندك كصاحب المكس.
وقال ابن أبي فنن:
إذا كنت تغضب من غير ذنبوتعتب من غير جرم عليّا
طلبت رضاك فإن عزّنيعددتك ميتا وإن كنت حيّا
قنعت وإن كنت ذا حاجةفأصبحت من أكثر الناس شيّا
فلا تعجبنّ بما في يديكفأكثر منه الذي في يديّا
وقال أبو نهشل يعاتب صديقا له:
عدلت عن الرّحاب إلى المضيقوزرت البيت من غير الطريق
وتظلم عند طاعتك المواليوليس الظلم من فعل الصديق
تجود بفضل عدلك للأقاصيوتمنعه من الخلّ الشفيق
أما والراقصات بذات عرقوربّ البيت والرّكن الوثيق
لقد أطلقت لي تهما أراهاستحملني على مضض العقوق
وقال آخر:
فدع العتاب فربّ شرّ هاج أوّله العتاب
وقال الجعديّ:
وكان الخليل إذا رابنيفعاتبته ثم لم يعتب
هواي له وهوى قلبهسواي وما ذاك بالأصوب
فإنّي جرىء على صرمهإذا ما القرينة لم تصحب
قال رجل لصديق له يعاتبه: ما أشكوك إلّا إليك، ولا استبطئك إلّا لك، ولا أستزيدك إلّا بك، فأنا منتظر واحدة من اثنتين: عتبى تكون منك، أو عقبى الغنى عنك.
وقال آخر: قد حميت جانب الأمل فيك وقطعت الرجاء لك، وقد أسلمني اليأس منك إلى العزاء عنك، فإن نزعت من الآن فصفح لا تثريب فيه، وإن تماديت فهجر لا وصل بعده.
وقال بعض الشعراء:
ولا خير في قربى لغيرك نفعهاولا في صديق لا تزال تعاتبه
يخونك ذو القربى مرارا وربّماوفى لك عند الجهد من لا تناسبه
وقال آخر وهو أوس بن حجر:
وقد اعتب ابن العمّ إن كان ظالماوأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا
وكتب رجل إلى صديق له: الحال بيننا تحتمل الدّالّة، وتوجب الأنس والثّقة، وتبسط اللسان بالاستزادة.
وكتب رجل آخر إلى صديق له: قد جعلك الله ممن يحتمل الدّالّة الكبيرة لذي الحرمة اليسيرة، ورفعك عن أن تبلغ استزادة المستزيد بعنف الحميّة.
والعرب تقول لمن عوتب فلم يعتب «لك العتبى بأن لا رضيت».
ونحوه قول بشر بن أبي خازم:
غضبت تميم أن تقتّل عامريوم النّسار فأعتبوا بالصّيلم
وقال أوس بن حارثة لابنه: العتاب قبل العقاب. وهذا نحو قول الآخر:
ليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك.
وقال إياس بن معاوية: خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب، فلمّا كان ببعض المناهل لقيه ابن عمّ له فتعانقا وتعاتبا وإلى جانبهما شيخ من الحيّ، فقال لهما الشيخ: أنعما عيشا، إنّ المعاتبة تبعث التجنّي، والتجنّي يبعث المخاصمة، والمخاصمة تبعث العداوة، ولا خير في شيء ثمرته العداوة، فقلت للشيخ: من أنت؟ قال: أنا ابن تجربة الدهر ومن بلا تلوّنه، فقلت له: ما أفادك الدّهر؟ قال: العلم به، قلت: فماذا رأيت أحمد؟ قال: أن يبقي المرء أحدوثة حسنة بعده، قال: فلم أبرح ذلك الماء حتى هلك الشيخ وصلّيت عليه.
وقال رجل لصديق له: أنا أبقي على موّدتك من عارض يغيّره وعتاب يقدح فيه، وأؤمّل نائيا من رأيك يغني عن اقتضائك.
وقرأت في كتاب العتابيّ: تأنينا إفاقتك من سكر غفلتك، وترقّبنا انتباهك من وسن رقدتك، وصبرنا على تجرّع الغيظ فيك حتى بان لنا اليأس من خيرك، وكشف لنا الصبر عن وجه الغلط فيك، فها نحن قد عرفناك حقّ معرفتك في تعدّيك لطويل حقّ من غلط في اختيارك.
وقال الشاعر:
فأيّهما يا ليل إن تفعلي بنافآخر مهجور وأوّل معتب
وكتب محمد بن عبد الملك إلى الحسن بن وهب: يجب على
المرءوس إذا تجاوز به الرئيس حقّ مرتبته بعمله، وكان تفضيله إنما وقع له بخفته على القلب ومحلّه من الأدب، أن يقابل ذلك بمثله إن كان محاميا على محلّه، وإلا لن يؤمن عليه معنى بيت شريح:
فإنّي رأيت الحبّ في الصّدر والأذىإذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع