من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب الوداع
قال حدّثني محمد بن خالد بن خداش قال حدّثنا مسلم حدّثنا سلم بن قتيبة عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يزيد بن أمية عن نافع عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ كان يقول «إذا ودّع رجلا أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وآخر عمرك».
قال وحدّثني محمد بن عبد العزيز قال حدثنا مسلم بن إبراهيم عن سعيد بن ابى كعب الأزديّ عن موسى بن ميسرة عن أنس بن مالك: أن رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: إني أريد سفزا غدا فقال: «في حفظ الله وكنفه زوّدك الله التقوى وغفر ذنبك ووجّهك للخير حيث كنت».
المعتمر عن إياس بن دغفل قال: رأيت الحسن ودّع رجلا وعيناه تهملان وهو يقول:
وما الدّهر إلا هكذا فاصطبر لهرزيئة مال أو فراق حبيب
قال وودّع رجل صديقا له وهو يقول:
وداعك مثل وداع الربيعوفقدك مثل افتقاد الدّيم
عليك السلام فكم من وفاءنفارقه منك أو من كرم
وقال الطائي:
بيّن البين فقدها، قلّما تعرف فقدا للشمس حتى تغيبا
وقال جرير:
يا أخت ناجية السّلام عليكمقبل الرحيل وقبل لوم العذّل
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكميوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
أو كنت أرهب وشك بين عاجللقنعت أو لسألت ما لم يسأل
وبلغني عن بكر المازنيّ أنه قال: دخلت على الواثق حين أمر بحملي، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: بكر، قال: من خلّفت وراءك؟، قلت: بنيّة، قال: ما قالت عند وداعك؟ قلت: قالت:
إذا غبت عنّا وخلّفتنافإنّا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنافإنا بخير إذا لم ترم
أبانا إذا أضمرتك البلاد نجفى وتقطع منّا الرّحم
قال: فما قلت لها أنت؟ قال: قلت ما قال جرير:
ثقي بالله ليس له شريكومن عند الخليفة بالنّجاح
كان لبني عقيل عبد رضيع بلبان بعضهم فباعوه، فقال حين شخص به مواليه شعرا:
أشوقا ولمّا يمض بي غير ليلةفكيف إذا سار المطيّ بنا شهرا
وقال مسلم بن الوليد:
وإني وإسماعيل عند وداعهلكالغمد يوم الرّوع زايله النّصل
فإن أغش قوما بعدهم وأزورهمفكالوحش يدنيها من الأنس المحل
وقال آخر عند توديعه:
عجبت لتطويح النّوى من نحبّهوتدنو بمن لا يستلذّ له قرب
وقال آخر:
مالت تودّعني والقلب يغلبهاكما يميل نسيم الريح بالغصن
ثم استمرت وقالت وهي باكيةيا ليت معرفتي إيّاك لم تكن
وقال آخر لرجل ودّعه: بقي علينا أن نكفّ من غرب الشّؤون، ونستعين على فرقة الوحشة بالكتب، فإنها ألسن ناطقة، وعيون رامقة.
وقال البحتريّ:
الله جارك في انطلاقكتلقاء شامك أو عراقك
لا تعذلنّي في مسيري يوم سرت ولم ألاقك
إنّي خشيت مواقفاللبين تسفح غرب ماقك
وعلمت ما يلقى المودّع عند ضمّك واعتناقك
فتركت ذاك تعمّداوخرجت أهرب من فراقك
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع