تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

العيادة

قال حدّثنا يزيد بن عمرو قال حدّثنا يزيد بن هارون قال حدّثنا شريك عن أبي نصير عن أنس بن مالك، قال: عاد رسول الله ﷺ رجلا من الأنصار من رمد كان بعينه. ومن حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ: «ثلاثة لا يعادون صاحب الدّمّل والرمد والضرس».

وحدّثني القاسم بن الحسن عن ابن الأصبهانيّ عن إسماعيل بن عيّاش عن أرطأة بن المنذر: أن أبا الدرداء عاد جارا له نصرانيا.

قال الشّعبيّ: عيادة النّوكى أشدّ على المريض من وجعه.

وعن شيبان عن أبي هديّة عن أبي هلال قال: قال بكر بن عبد الله لقوم عادوه فأطالوا عنده: المريض يعاد، والصحيح يزار.

عاد قوم عليلا فأطالوا عنده، فقال لهم: إن كان لكم في الدار حقّ فخذوه وانصرفوا.

عاد رجل رقبة، فنعى رجالا اعتلّوا مثل علّته، فقال له رقبة: إذا دخلت على مريض فلا تنع إليه الموتى، وإذا خرجت من عندنا فلا تعد إلينا.

عاد أعرابيّ أعرابيّا فقال: بأبي أنت! بلغني أنك مريض، فضاق والله عليّ الأمر العريض، وأردت إتيانك فلم يكن بي نهوض؛ فلما حملتني رجلان، وليستا تحملان؛ أتيتك بجرزة شيح ما مسّها عرنين قطّ، فاشممها واذكر نجدا، فهو الشفاء بإذن الله.

قال كثيّر:

ألا تلك عزّة قد أقبلتتقلّب للبين طرفا غضيضا
تقول مرضت وما عدتنافقلت لها لا أطيق النهوضا
كلانا مريضان في بلدةوكيف يعود مريض مريضا
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا تلك عزة قد أصبحت»

وقال آخر:

إذا مرضنا أتيناكم نعودكموتذنبون فنأتيكم فنعتذر
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

وقال بشّار:

لو كانت الفدية مقبولةلقلت بي لا بك حمّاكا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «لو كانت الفدية مقبولة»

وكتب آخر إلى عليل:

نبّئت أنّك معتلّ فقلت لهمنفسي الفداء له من كلّ محذور
يا ليت علّته بي غير أنّ لهأجر العليل وأني غير مأجور
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «قالوا أبو الفضل محموم فقلت لهم»

وكتب آخر إلى عليل:

أقول بحقّ واجب لك لازموإخلاص شكر لا يغيّره الدهر
بي السوء والمكروه لا بك كلّماأراداك كانا بي وكان لك الأجر

وقال آخر في مثله:

فإن تك حمّى الغبّ شفّك وردهافعقباك منها أن يطول لك العمر
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «فإن تك حمى الغب شفك وردها»
وقيناك! لو نعطى المنى فيك والهوىلكان بي الشكوى وكان لك الأجر

وفي الحديث المرفوع «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا البلايا بالدعاء». وفي آخر أنه ﷺ قال يوما لأصحابه: «من أصبح منكم صائما؟ قال عمر: أنا، قال: فمن شيّع جنازة؟ قال عمر: أنا؛ قال: فمن عاد مريضا؟ قال عمر: أنا؛ قال: فمن فيكم تصدّق بصدقة؟ قال عمر: أنا؛ فقال ﷺ: «وجبت وجبت وجبت». وفي حديث آخر: أنه ﷺ قال:

إتمام عيادتكم المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على رأسه، أو يده، «في يده ويسأله كيف هو، وتمام تحياتكم المصافحة».

وقال الشاعر:

إن كنت في ترك العيادة تاركاحظّي فإني في الدّعاء لجاهد
فلربما ترك العيادة مشفقوأتى على غلّ الضمير الحاسد

أبو حاتم قال حدّثنا العتبيّ عن أبيه قال: كان يقال: إذا اشتكى الرجل ثم عوفي ولم يحدث خيرا ولم يكفّ عن سوء، لقيت الملائكة بعضها بعضا وقالت: إن فلانا داويناه فلم ينفعه الدواء.

وقال أبو حاتم حدّثنا القحذميّ قال: أطلع معاوية في بئر بالأبواء فأصابته لقوة، فاعتمّ بعمامة سوداء وسدلها على الشقّ الذي أصيب فيه، ثم أذن للناس فقال: أيّها الناس؛ إنّ ابن آدم بعرض بلاء: إمّا معاتب ليعتب، وإمّا معاقب بذنب، أو مبتلى ليؤجر، فإن عوتبت فقد عوتب الصالحون قبلي، وإنّي لأرجو أن أكون منهم؛ وإن عوقبت فقد عوقب الخطّاءون قبلي، وما آمن أن أكون منهم؛ وإن مرض عضو منّي فما أحصي صحيحي ولما عوفيت أكثر، ولو أن أمري إلى ما كان لي على ربّي أكثر مما أعطاني. وإنّي وإن كنت عاتبا على خاصّ منكم فإنّي حدب على جماعتكم، أحبّ صلاحكم. وقد أصبت بما ترون، فرحم الله امرأ دعا لي بعافية! فرفعوا أصواتهم بالبكاء والدعاء.

مرض أبو عمرو بن العلاء مرضة، فأتاه أصحابه وأبطأ عنده رجل منهم؛ فقال: ما يبطىء بك؟ قال: أريد أن أساهرك؛ قال: أنت معافى وأنا مبتلى، فالعافية لا تدعك تسهر والمرض لا يدعني أنام، فاسأل الله أن يسوق إلى أهل العافية الشكر، وإلى أهل البلاء الصبر والأجر.

حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ قال: اشتكى رجل من الأعراب، فجعل الناس يدخلون عليه فيقولون: كيف أصبحت وكيف كنت؟ فلما أكثروا عليه قال: كما قلت لصاحبك.

قال: وقع رجل من أهل المدينة فوثئت رجلاه، فجعل الناس يدخلون عليه ويسألونه، فلما أكثروا عليه وأضجر كتب قصّته في رقعة، فكان إذا دخل عليه عائد وسأله دفع إليه الرقعة.

الهيثم بن عديّ قال: كان رجل من أهل السّواد محدودا لا يقصد في شيء إلا انصرف عنه، فغاب مرّة فأطال، فلما قدم أتاه الناس فجعلوا يسألونه عن حاله وما كان فيه، وكان فيه برم، فأخذ رقعة فكتب فيها:

وما زلت أقطع عرض الفلاةمن المشرقين إلى المغربين
وأطوي الفيافي أرضا فأرضاوأستمطر الجدي والفرقدين
وأطوي وأنشر ثوب الهمومإلى أن رجعت بخفّي حنين
فقيرا وقيرا أخا عسرةبعدا من الخير صفر اليدين
كئيب الصّديق بهيج العدوّطويل الشّقا زاني الوالدين

وطرحها في مجلسه، فكلّ من سأله عن حاله دفع إليه الرقعة.

قال حدّثنا عبد الرحمن عن عمه أن نبطيّا وقع من موضع عال، فدخلوا يسألونه، كيف وقعت؟ فلما أكثروا عليه أخذ جرّة وألقاها من يده وقال: هكذا وقعت.

أبو الخطاب قال: كان عندنا رجل أحدب فسقط في بئر فذهبت حدبته فصار آدر، فدخلوا يسألونه ويهنئونه بذهاب حدبته، فجعل يقول: الذي جاء شرّ من الذي ذهب.

المدائنيّ قال: سقط ابن شبرمة القاضي عن دابّته فوثئت رجله، فدخل يحيى بن نوفل الحميريّ عليه فقال:

أقول غداة أتاني الخبيرفدسّ أحاديثه الهينمه
لك الويل من مخبر ما تقول؟أبن لي وعدّ عن الجمجمه
للشاعر يحيى بن نوفل، اقرأ القصيدة
فقال خرجت وقاضي القضاة مثقلة رجله مؤلمه
فقلت وضاقت عليّ البلادوخفت المجلّلة المعظمه
للشاعر يحيى بن نوفل، اقرأ القصيدة
فغزوان حرّ وأمّ الوليدإن الله عافى أبا شبرمه
للشاعر يحيى بن نوفل، اقرأ القصيدة
جزاء لمعروفه عندناوما عتق عبد له أو أمه؟
للشاعر يحيى بن نوفل، اقرأ القصيدة

قال: وفي المجلس جار ليحيى بن نوفل يعرف منزله، فلما خرج تبعه وقال: يا أبا معمر، من غزوان وأم الوليد؟ فضحك وقال: أو ما تعرفهما؟ هما سنّوران في البيت.

قال حدّثنا الرّياشيّ عن أبي زيد قال دخلنا على أبي الدّقيش وهو شاك، فقلنا له: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد، ولقد أصبحت في شرّ زمان وشرّ أناس: من جاد لم يجد ومن وجد لم يجد.

قيل: لعمرو بن العاص وقد مرض مرة: كيف تجدك؟ قال أجدني أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي أكثر من رزئي، فما بقاء الشيخ على هذا!.

سئل عليل عن حاله فقال: أنا مبلّ غير مستقلّ، ومتماثل غير متحامل.

وقيل لآخر: كيف تجدك؟ قال أجدني لم أرض حياتي لموتي.

وقيل لرجل من العجم: ما حالكم؟ قال: ما حال من يريد سفرا طويلا بلا زاد! وينزل منزلا موحشا بلا أنيس! ويقدم على جبّار قد قدّم العذر بلا حجّة!.

قيل لعكرمة: كيف حالك؟ قال: بشرّ، أصبحت أجرب مبسورا.

حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: قيل لشيخ من العبّاد: كيف أنت، وكيف أحوالك؟ فقال: ما كلّها كما أشتهي.

قيل لآخر: ما تشتكي؟ قال: تمام العدّة وانقضاء المدّة.

وبلغني عن معاوية بن قرّة قال: مرض أبو الدّرداء، فعاده صديق له فقال: أيّ شيء تشتكي؟ قال: ذنوبي؛ قال: فأيّ شيء تشتهي؟ قال: الجنّة؛ قال: فندعو لك بالطبيب؟ قال: هو أمرضني.

سئل رجل عن حاله فقال:

كنّا إذا نحن أردنا لم نجدحتى إذا نحن وجدنا لم نرد

أرجف الناس بعلّة معاوية وضعفه، فدخل عليه مصقلة بن هبيرة، فأخذ معاوية بيده ثم قال يا مصقل:

أبقى الحوادث من خليلك مثل جندلة المراجم
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة
قد رامني الأقوام قبلك فامتنعت من المظالم

فقال مصقلة: أمّا قول أمير المؤمنين: «أبقى الحوادث من خليللك»، فقد أبقى الله منك جبلا راسيا وكلا مرعيا لصديقك وسمّا ناقعا لعدوّك. وأمّا قولك: «قد رامني الأقوام قبلك»، فمن ذا يرومك أو يظلم! فقد كان الناس مشركين فكان أبو سفيان سيّدهم، وأصبح الناس مسلمين وأصبحت أميرهم؛ فأعطاه معاوية فخرج؛ فسئل عنه فقال: والله لغمزني غمزة كاد يكسر منها يدي وأنتم تزعمونه مريضا.

وقال المدائنيّ: دخل كثيّر عزّة على عبد الملك بن مروان، فقال: يا أمير المؤمنين، لولا أنّ سرورك لا يتمّ بأن تسلم وأسقم لدعوت الله أن يصرف

ما بك إليّ، ولكن أسأل الله لك أيها الأمير العافية ولي في كنفك النعمة؛ فضحك وأمر له بمال؛ فقال:

ونعود سيّدنا وسيّد غيرناليت التّشكّي كان بالعوّاد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ونعود سيدنا وسيد غيرنا»
لو كان يقبل فدية لفديتهبالمصطفى من طارفي وتلادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ونعود سيدنا وسيد غيرنا»

وقال آخر:

لا تشكون دهرا صحت بهإنّ الغنى في صحة الجسم
هبك الخليفة، كنت منتفعابلذاذة الدنيا مع السّقم؟

إعتلّ المسور فجاءه ابن عباس يعوده نصف النهار؛ فقال المسور: يا أبا عباس هلّا ساعة غير هذه! قال ابن عباس: إنّ أحبّ الساعات إليّ أن أؤدّي فيها الحقّ أشقّها عليّ.

وكتب رجل إلى صديق له: كيف أنت؟ بنفسي أنت! وكيف كنت؟ لا زلت! وكيف قوتك ونشاطك؟ لا عدمتهما ولا عدمناهما منك، وأعادك الله إلى أحسن ما عوّدك! لولا عوائق يوجب العذر بها تفضّلك لم أدع تعرّف خبرك بالعين، فإنها أشفى للقلب وأنقع للغليل وأشدّ تسكينا للأعج الشوق.

وقرأت فصلا في كتاب: لئن تخلّفت عن عيادتك بالعذر الواضح من العلّة لما أغفل قلبي ذكرك ولا لساني فحصا عن خبرك في ممساك ومصبحك

وتنقّل الحال بك تبعث من تقسم جوارحه وصبك وزاد في ألمها ألمك ومن تتصّل بك أحواله في السراء والضراء. ولما بلغتني إفاقتك كتبت مهنئا بالعافية مخبرا بالعذر، معفيا من الجواب إلا بخبر السلامة إرسالا.

وقال عبد بني الحسحاس:

تجمّعن من شتّى ثلاث وأربعوواحدة حتّى بلغن ثمانيا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فأصبحت في أقصى البيوت يعدنني»
سليمى وسلمى والرّباب وزينبوهند ودعد والمنى وقطاميا
وأقبلن من بعض الخيام يعدننيألا إنّ بعض العائدات دوائيا

وقال عبد الله بن مصعب الزّبيريّ:

ما لي مرضت فلم يعدني عائدمنكم ويمرض كلبكم فأعود
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «قل للكرام الكاتبين من الورى»

فسمّي «عائد الكلب» وولده الآن يسمّون «بني عائد الكلب».

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.