تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

التعازي وما يتمثّل به فيها

وحدّثني محمد بن داود عن غسّان بن الفضل قال قال عبد الوهاب الثّقفيّ: أتاني ابن جريج بمكة يعزّيني عن بعض أهلي، فقال: إنه من لم يسل أهله إيمانا واحتسابا سلا كما تسلوا البهائم.

كتب إبراهيم بن يحيى الأسلميّ إلى المهديّ يعزّيه عن ابنته: أما بعد، فإن أحقّ من عرف حقّ الله فيما أخذ منه من عظّم حقّ الله عليه فيما

ابقى له. واعلم أنّ الماضي قبلك هو الباقي بعدك، وأنّ أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم عليهم من النعمة فيما يعافون منه.

ونحوه قول سهل بن هارون: التهنئة على آجل الثواب، أولى من التّعزية على عاجل المصيبة.

وقال بعض الشعراء:

كم من يد لا يستقلّ بشكرهالله في ظلّ المكاره كامنه

وسقطت مقاديم فم معاوية فشقّ ذلك عليه، فقال له يزيد بن معمر السّلميّ: والله يا أمير المؤمنين، ما بلغ أحد سنّك إلا أبغض بعضه بعضا، ففوك أهون علينا من سمعك وبصرك.

وقال صالح المرّي لرجل يعزّيه: إن لم تكن مصيبتك أحدثت في نفسك موعظة فمصيبتك بنفسك أعظم. ونحوه: شرّ من المرزئة سوء الخلف عنها. ومثله قول الشاعر:

إن يكن ما به أصبت جليلافلفقد العزاء فيه أجلّ

عزى شبيب بن شيبة المهديّ عن بانوقة، فقال: يا أمير المؤمنين، ما عند الله خير لها مما عندك، وثواب الله خير لك منها.

عزّى رجل عبد الله بن طاهر عن ابنته فقال: أيها الأمير، ممّ تجزع؟:

الموت أكرم نزّال على الحرم

وقال جرير:

وأهون مفقود إذا الموت نالهعلى المرء من أصحابه من تقنّعا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عجبت لحادينا المقحم سيره»

وقال آخر:

ولم أر نعمة شملت كريماكنعمة عورة سترت بقبر

وعزّى رجل رجلا فقال: لا أراك الله بعد هذه المصيبة ما ينسيكها.

وقال رجل لعمر بن عبد العزيز:

تعزّ أمير المؤمنين فإنّهلما قد ترى يغذى الصغير ويولد
هل ابنك إلّا من سلالة آدملكلّ على حوض المنّية مورد

عزّى أبو بكر عمر ﵄ عن طفل أصيب به، فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك.

وقال محمود الوراق:

يمثّل ذو اللبّ في نفسهمصائبه قبل أن تنزلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يمثل ذو اللب في نفسه»
فإن نزلت بغتة لم ترعهلما كان في نفسه مثّلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يمثل ذو اللب في نفسه»
رأى الهمّ يفضي إلى آخرفصيّر آخره أوّلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يمثل ذو اللب في نفسه»
وذو الجهل يأمن أيامهوينسى مصارع من قد خلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يمثل ذو اللب في نفسه»
فإن بدهته صروف الزمانببعض مصائبه أعولا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يمثل ذو اللب في نفسه»
ولو قدّم الحزم في أمرهلعلّمه الصبر عند البلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يمثل ذو اللب في نفسه»

عزّى موسى بن المهديّ سليمان بن أبي جعفر عن ابن له، فقال:

أيسرّك وهو بليّة وفتنة، ويحزنك وهو صلاة ورحمة!.

وعزّى رجل موسى بن المهديّ عن ابن له فقال: كان لك من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.

توفّي سهيل بن عبد العزيز بن مروان، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عمّاله وأطنب في كتابه؛ فكتب إليه عمر:

حسبي حياة الله من كلّ ميّتوحسبي بقاء الله من كلّ هالك
إذا ما لقيت الله عني راضيافإنّ شفاء النفس فيما هنالك

كتب ابن السّمّاك إلى الرشيد يعزّيه بابن له: أما بعد، فإن استطعت أن يكون شكرك لله حين قبضه أكثر من شكرك له حين وهبه، فإنّه حين قبضه أحرز لك هبته، ولو سلم لم تسلم من فتنته؛ أرأيت حزنك على ذهابه وتلهّفك لفراقه! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك! أمّا هو فقد خلص من الكدر، وبقيت أنت معلّقا بالخطر. واعلم أن المصيبة مصيبتان إن جزعت، وإنما هي واحدة إن صبرت، فلا تجمع الأمرين على نفسك.

كتب عبد الله بن طاهر إلى أبي دلف: المصائب حالّة لا بدّ منها، فمنها ما يكون رحمة من الله ولطفا بعبده، وآية ذلك أن يوفّقه للصبر ويلهمه الرضا ويبسط أمله فيما عنده من الثواب الآجل والخلف العاجل. ومنها ما يكون سخطا وانتقاما، أوّله حزن وأوسطه قنوط وآخره ندامة، وهي المصيبة حقّا الجامعة لخسران الدنيا والآخرة. ولم تزل عادة الله عندك الإخلاف والإتلاف. وإن يك ما نالك الآن أعظم مما أتى عليك في مواضي الأيام،

فالأجر المأمول على قدر ذلك.

وكتب أبو دلف إليه: إن تكن المصيبة جلّت، فإنّ فيما أكرمني الله به من جميل رأي الأمير وما وضح للناس من فضل عنايته وابتدائه إيّاى بكتبه، ما عجّل العوض من المفقود.

وفي كتاب آخر: لئن كانت المصيبة جلّت، إن فيما أبقى الله ببقاء الأمير عوضا وافيا وخلفا كافيا. وحقيق بمن عظمت النعمة عليه فيما أبقى الله أن يحسن عزاؤه عما أخذ منه. وأحقّ ما صبر عليه ما لا يستطاع دفعه.

وقرأت في كتاب لبعض الكتّاب في تعزية: أسأل الله أن يسدّ بك ما ثلمت الأيام من مكانه، ويعمّر ما أخلت من مشاهده وأوطانه حتى لا يعفو الداثر، وأن يستقبل لكم أيّامكم بأحسن ما أمضاها لمن مضى منكم، فيجعلكم الخلف الذي لا وحشة معه ولا وحشة عليه، ويتولّاكم ويتولانا فيكم بما هو أهله ووليّه.

وقرأت في كتاب تعزية: لا لوم على دمعة لا تملك أن تسفحها، ولا على ألم في القلب لا يدفع أن يظهر فيك، ولا عذر في سواهما مما أحبط أجرك وأشمت عدوّك وضعّف رأيك، ولم يرجع إليك فائتا ولا إلى شقيقك بمكانه روحا ولا إلى من خلّف حفظا. واعلم أن فرق ما بين ذي العقل وذي الجهل في مصيبتيهما تعجّل العاقل من الصبر ما يتأجّل الجاهل.

وقرأت في كتاب تعزية: لو كانت النوائب مدفوعة عن أحد بكثرة من يقيه ذلك من إخوانه ويفديه منه بالأخصّ من أعزّته والأنفس من ماله، سلمت

من ملمّها، وكان سبقي إلى ذلك أبرز سبق، وحظّي بالتقدّم فيه أوفر حظّ.

وقرأت في كتاب: مصيبتك لي مصيبة، وما نالك من ألمها لي موجع.

ولو كان في الوسع أن أعلم كنه ما خامر قلبك من ألمها لحملت مثله على نفسي، فإني أحبّ أن أكون أسوتك في كل سارّ وغامّ، وألّا أتمتّع بأيام غمومك، ولا أقصّر فيها عن مقدار حالك.

وقرأت في كتاب: نسأل الله حسن الاستعداد لما نتوكّفه ونتوقّع حلوله، وألّا يشغلنا بما يقلّ الانتفاع به وتعظم التّبعة فيه عمّا نحتاج إليه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا، وأن يجعل ما وهب لنا من الصبر والعزاء إيمانا وإيقانا، ولا يجعله ذهولا ونسيانا.

قال أسماء بن خارجة إذا قدمت المصيبة تركت التعزية، وإذا قدم الإخاء قبح الثناء.

قيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك! فقالت: إن فقدي إياه أمّنني من المصيبة بعده. ونحوه قول الشاعر:

وكنت عليه أحذر الموت وحدهفلم يبق لي شيء عليه أحاذر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «طوى الموت مابيني وبين محمد»

ومثله:

وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكىمن الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
للشاعر الأبيرد الرياحي، من قصيدة «تطاول ليلي لم أنمه تقلباً»

وقال أبو العتاهية:

وكما تبلى وجوه في الثّرىفكذا يبلى عليهنّ الحزن
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «وكما تبلى وجوه في الثرى»

وفي الحديث: «من يرد الله به خيرا يصب منه».

ويقال: المصيبة الموجعة تدرّ ذكر الله في قلب المؤمن.

قال الأصمعيّ: مررت بأعرابيّة وبين يديها فتى في السّياق، ثم رجعت ورأيت في يدها قدح سويق تشربه، فقلت لها: ما فعل الشابّ؟ فقالت:

واريناه؛ فقلت: فما هذا السّويق؟ فقالت:

على كلّ حال يأكل القوم زادهمعلى البؤس والبلوى وفي الحدثان

قيل لأعرابيّ: كيف حزنك اليوم على ولدك؟ فقال: ما ترك حبّ الغداء والعشاء لي حزنا.

وقال عمر بن عبد العزيز: إنما الجزع قبل المصيبة، فإذا وقعت فاله عمّا أصابك.

اشتكى بعض أهل محمد بن عليّ بن الحسين فجزع عليه، ثم أخبر بموته فسرّي عنه؛ فقيل له في ذلك، فقال: ندعو الله فيما نحبّ، فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما أحبّ.

لما مات عتبة بن مسعود قال عبد الله: إذا ما قضى الله فيه ما قضى فما أحبّ أني دعوته فأجابني.

قال رجل من طيّء:

فلولا الأسى ما عشت في الناس ساعةولكن إذا ما شئت أسعدني مثلي

وقال آخر:

إذا أنت لم تسل اصطبارا وحسبةسلوت على الأيام مثل البهائم
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «تعز بحسن الصبر عن كل هالك»

عزّى محمد بن الوليد بن عتبة الوليد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ليشغلك ما أقبل من الموت إليك، عمّن هو في شغل مما دخل عليك، وأعدد لنزوله عدّة تكون لك حجابا من الجزع وسترا من النار. فقال يا محمد، أرجو ألا تكون رأيت غفلة تنبّه عليها ولا جزعا يستتر منه، وما توفيقي إلا بالله. فقال محمد: يا أمير المؤمنين، إنه لو استغنى أحد عن موعظة بفضل لكنته، ولكنّ الله يقول: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ

وقال الطائي:

ويفرح بالشيء المعار بقاؤهويحزن لمّا صار وهو له ذخر
عليك بثوب الصبر إذ فيه ملبسفإنّ ابنك المحمود بعد ابنك الصّبر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «عزاء فلم يخلد حوي ولا عمرو»

وقال أيضا:

أمالك إنّ الحزن أحلام نائمومهما يدم فالوجد ليس بدائم
تأمّل رويدا هل تعدّنّ سالماإلى آدم أم هل تعدّ ابن سالم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أمالك إن الحزن أحلام حالم»

وقال آخر:

اصبر لكلّ مصيبة وتجلّدواعلم بأن الدهر غير مخلّد
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «اصبر لكل مصيبة وتجلد»
أو ما ترى أنّ الحوادث جمّةوترى المنية للعباد بمرصد
وإذا أتتك مصيبة تشجى بهافاذكر مصابك بالنبيّ محمّد

عزّى رجل الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، كان لك الأجر لا بك، وكان العزاء منك لا عنك.

يعزّى أهل نجران بعضهم بعضا بهذا الكلام: لا يحزنكم الله ولا يفتنكم، أثابكم الله ثواب المتّقين وأوجب لكم الصلاة والرحمة.

عزّى بعض الزّبيريّين رجلا فقال: لا يصفر ربعك، ولا يوحش بيتك، ولا يضع أجرك، رحم الله متوفّاك، وأحسن الخلافة عليك.

قال بعض الشعراء:

أسكّان بطن الأرض لو يقبل الفدىفدينا وأعطينا بكم ساكن الظهر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فيا ليت من فيها عليها وليت منعليها ثوى فيها مقيما إلى الحشر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وقاسمني دهري بنيّ بشطرهفلما توفّى شطره مال في شطري
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فصاروا ديونا للمنايا ومن يكنعليه لها دين قضاه على عسر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
كأنّهم لم يعرف الموت غيرهمفثكل على ثكل وقبر على قبر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وقد كنت حيّ الخوف قبل وفاتهمفلما توفّوا مات خوفي من الدهر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فلله ما أعطى ولله ما جزىوليس لأيام الرّزيّة كالصبر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فحسبك منهم موحشا فقد برّهموحسبك منهم مسليا طلب الأجر
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

عزّى شبيب بن شيبة رجلا من اليهود فقال: أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل ملّتك.

وقال العتبيّ:

ما عالج الحزن والحرارة في الأحشاء من لم يمت له ولد
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
فجعت با بنيّ ليس بينهماإلّا ليال ليست لها عدد
وكلّ حزن يبلى على قدم الدّهر وحزني يجدّه الأبد
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

لا يزجر الدهر عنا المنونايبقّي البنات ويفني البنينا
وأنحى علّي بلا رحمةفلم يبق لي في جفوني جفونا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وكنت أبا سبعة كالبدورأفقّي بهم أعين الحاسدينا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فمرّوا على حادثات الزمانكمرّ الدراهم بالناقدينا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فأفنتهم واحدا واحداإلى أن أبادتهم أجمعينا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وألقين ذاك إلى ضارحوألقين هذا إلى دافنينا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وما زال ذلك دأب الزمان يفني الأوائل فالأولينا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وحتّى بكى لي حسّادهمفقد أقرحوا بالدموع الجفونا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وحسبك من حادث بامرىءترى حاسديه له راحمينا
وكانوا على ظهرها أنجمافأضحوا إلى بطنها ينقلونا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
فمن كان يسليه مرّ السنينفحزني يجدّده لي السّنونا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وممّا يسكّن وجدي بهمبأنّ المنون ستلقى المنونا
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

كان أبو بكر ﵁ إذا عزّى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة

ولا مع الجزع فائدة؛ الموت أهون مما قبله وأشدّ مما بعد؛ اذكروا فقد رسول الله ﷺ تصغر مصيبتكم؛ وعظّم الله أجركم.

وكان علي ﵁ إذا عزّى رجلا يقول: إن تجزع فأهل ذلك الرّحم، وإن تصبر ففي الله عوض من كل فائب؛ وصلّى الله على محمد، وعظّم الله أجركم.

وقال أعرابيّ:

أيغسل رأسي أو تطيب مشاربيووجهك معفور وأنت سليب
نسيبك من أمسى يناجيك طرفهوليس لمن وارى التراب نسيب
وإني لأستحيي أخي وهو ميّتكما كنت أستحييه وهو قريب

وقال أعرابيّ:

وما نحن إلا مثلهم غير أنناأقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا

وقال آخر:

وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكىمن الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
للشاعر الأبيرد الرياحي، من قصيدة «تطاول ليلي لم أنمه تقلباً»
وأجزع أن ينأى به بين ليلةفكيف ببين صار ميعاده الحشر

وقال آخر:

وإنّا وإخوانا لنا قد تتابعوالكالمغتدي والرائح المتهجّر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري»

وقال سليمان الأعجميّ:

ربّ مغروس يعاش بهعدمته كفّ مغترسه
وكذاك الدّهر مأتمهأقرب الأشياء من عرسه
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وتمثّل معاوية بن أبي سفيان يوما فقال:

إذا سار من خلف امرىء وأمامهوأوحش من جيرانه فهو سائر

وقال آخر:

وإذا قيل مات يوما فلانراعنا ذاك ساعة ما نحير
نذكر الموت عند ذاك وننساإذا غيّبته عنّا القبور

وقال آخر:

نراع من الجنائز قابلتناونلهو حين تخفى ذاهبات
كروعة ثلّة لمغار سبعفلما غاب ظلّت راتعات

وقال أبو نواس:

سبقونا إلى الرّحيل وإنّا لبالأثر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا بني النقص والعبر»

وكتب رجل إلى بعض الأمراء في تعزية: الأمير أذكر لله من أي يذكّر به، وأعلم بما قضاه على خلقه من أن يدلّ عليه، وأسلك لسبيل الراشدين في التسليم لأمره والصبر على قدره والتنجّز لوعده، من أن ينبّه من ذلك على حظّه، أو أن يحتاج معزّيه عند حادث المصيبة إلى أكثر من الدعاء في قضاء حقّه. فزاده الله توفيقا إلى توفيقه، وأحضره رشده، وسدّد للصواب غرضه، وتولّاه بالحسنى في جميع أموره، إنه سميع قريب. وقد كان من حادث قضاء الله في المتوفّى ما أنقض وأرمض، وفجع وأوجع، علما بما دخل على الأمير

من النقص، وعلى سروره من اللوعة، وعلى أنسه من الوحشة، إلى ما خصّني منه بماسّ الرّحم وأوشج القرابة. فأعظم الله للأمير الأجر، وأجزل له الذّخر، وعصمه باليقين، وأنجز له ما وعد الصابرين؛ ورحم المتوفّى ولقّاه الأمن والرّوح، وفسح له في المضجع، وجمعه وإيّاه بعد العمر الطويل في الدار التي لا خوف عليهم فيها ولا هم يحزنون.

وفي كتاب: نحن نحمد الله أيّها الأمير إذ أخذ على ما أبقى منك، وإذ سلب على ما وهب بك؛ فأنت العوض من كل فائت، والجابر لكلّ مصيبة، والمؤنس من وحشة كلّ فقد؛ وحقّ لمن كنت له وليّا وعضدا أن يشغله حمد الله على النعمة بك عن الجزع على غيرك.

وكتب سعيد بن حميد إلى محمد بن عبد الله: ليس المعزّى على سلوك السبيل التي سلكها الناس قبله والمضيّ على السنّة التي سنّها صالحوا السلف له؛ وقد بلغني ما حدث من قضاء الله في أمّ الأمير، فنالني من ألم الرّزيّة وفاجع المصيبة ما ينال خدمه الذين يخصّهم ما خصّه من النعم، ويتصرفون معه فيما تناوله الله به من المخن. فأعظم الله للأمير الأجر، وأجزل له المثوبة والذخر، ولا أراه في نعمة عنده نقصا، ووفّقه عند النعم للشكر الموجب للمزيد، وعند المحن للصبر المحرز للثواب، إنه هو الكريم الوهاب. ورحم الله الماضية رحمة من رضى سعيه وجازاه بأحسن عمله. ولو كانت السبيل إلى الشخوص إلى باب الأمير سهلة، لكان الله قد أجلّ الأمير عن أن يعزّيه مثلي بالرسول دون اللقاء، وبالكتاب دون الشّفاه، ولكن الكتاب لقاء من لا سبيل له إلى الحركة، وقبول العذر عمّن حيل بينه وبين الواجب.

ولابن مكرم: وممّا حرّكني للكتاب تعزيتك بمن لا ترميك الأيام بمثل

الحادث فيه، ولا تعتاض ممّا كان الله جمعه لك عنده من الميل إليك والصبر على مكروه جفائك، مع ما كان الله أعاره من قوّة العقل وأصالة الرأي، ومدّ له من عنانه

إلى قصوى الغايات، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أفاتتنا الأيام منه حين تمّ واستوى، وغالى في المروءة وتناهى، وعند الله يحتسب المصاب به؛ وعظّم الله لك فيه الأجر، ومهّل لك في العمر، وأجزل لك العوض والذّخر. فكلّ ماض من أهل فأنت سداد ثلمته وجابر رزيّته. وقد خلّف من أنت أحقّ الناس به من عجوز وليت تربيتك وحياطتك في طبقات سنّك، وولد ربوا في حجرك ونبتوا بين يديك، ليس لهم بعد الله مرجع سواك، ولا مقيل إلا في ذراك؛ فأنشدك الله فيهم فإنه أخرب أحوالهم بعمارة مروءته، وقطعهم بصلة فضله، والله يجزيه بجميل أثره ويخلفه فيهم بما هو أهله.

وفي فصل من كتاب: وقد جرى قضاء الله في هذه النازلة ما نطق عمّا نالك وأبقى عندك، وهو حقّ مثلها وقدر ملمّها.

وفي فصل آخر: لو كان ما يمسّك من أذى يشترى أو يفتدى، رجوت أن أكون غير باخل بما تضنّ به النفوس، وأن أكون سترا بينك وبين كل ملمّ ومحذور. فأعظم الله أجرك، وأجزل ذخرك، ولا خذل صبرك ولا فتنك؛ ولا جعل للشيطان حظّا فيك ولا سبيلا عليك.

المدائني قال: قدم رجل من عبس، ضرير محطوم الوجه، على

الوليد؛ فسأله عن سبب ضرّه، فقال: بتّ ليلة في بطن واد ولا أعلم على الأرض عبسيّا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل فأذهب ما كان لي من أهل ومال وولد إلا صبيا رضيعا وبعيرا صعبا، فندّ البعير والصبيّ معي فوضعته واتّبعت البعير لأحبسه، فما جاوزت إلّا ورأس الذئب في بطنه قد أكله، فتركته وأتبعت البعير، فاستدار فرمحني رمحة حطم بها وجهي وأذهب عيني، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد. فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم بلاء منه؛ وكان عروة بن الزّبير أصيب بابن له وأصابه الداء الخبيث في إحدى رجليه فقطعها، فكان يقول: كانوا أربعة- يعني بنيه- فأبقيت ثلاثة وأخذت واحدا، وكنّ أربعا- يعني يديه ورجليه- فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا. أحمدك، لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت أبقيت لقد عافيت.

وشخص إلى المدينة فأتاه الناس يبكون ويتوجّعون؛ فقال: إن كنتم تعدّونني للسّباق والصّراع فقد أودى، وإن كنتم تعدّونني للّسان والجاه فقد أبقى الله خيرا كثيرا.

وقال عليّ بن الجهم:

من سبق السّلوة بالصبرفاز بفضل الحمد والأجر
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
يا عجبا من هلع جازعيصبح بين الذمّ والوزر
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
مصيبة الإنسان في دينهأعظم من جائحة الدهر
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وقال بعض الشعراء:

ليت شعري ضلّةأيّ شيء قتلك
والمنايا رصدللفتى حيث سلك
للشاعر السلكة أم السليك، من قصيدة «طاف يبغي نجوةً»
كلّ شيء قاتلحين تلقى أجلك
للشاعر السلكة أم السليك، من قصيدة «طاف يبغي نجوةً»
ليت نفسي قدّمتللمنايا بدلك
للشاعر السلكة أم السليك، من قصيدة «طاف يبغي نجوةً»
أيّ شيء حسنللفتى لم يك لك

وقال آخر:

غرّ امرؤ منّته نفس أن تدوم له السلامه
هيهات! أعيا الأوّلين دواء دائك يا دعامه

وقالت صفيّة الباهليّة في أخيها:

كنّا كغصنين في جرثومة سمواحينا بأحسن ما تسمو له الشجر
حتّى إذا قيل قد طالت فرزعهماوطاب قنواهما واستنظر الثمر
للشاعر صفية الباهلية، اقرأ القصيدة
أخنى على واحدي ريب الزمان ولايبقي الزمان على شيء ولا يذر
كنّا كأنجم ليل وسطنا قمريجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر

ومن هذا أخذ الطائيّ قوله:

كأنّ بني نبهان يوم وفاتهنجوم سماء خرّ من بينها البدر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

وقال آخر:

لكلّ أناس مقبر بفنائهمفهم ينقصون والقبور تزيد
وما إن يزال رسم دار قد اخلقتوبيت لميت بالفناء جديد
هم جيرة الأحياء أمّا جوارهمفدان وأمّا الملتقى فبعيد

وقال آخر:

لا يبعد الله أقواما لنا ذهبواأفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتناولا يؤوب إلينا منهم أحد
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وقال النابغة:

حسب الخليلين أنّ الأرض بينهماهذا عليها وهذا تحتها بالي

وقال آخر:

وقد كنت أرجو أن أملّاك حقبةفحال قضاء الله دون رجائيا
ألا ليمت من شاء بعدك إنماعليك من الأقدار كان حذاريا

وقال آخر:

لعمرك ما وارى التراب فعالهولكنه وارى ثيابا وأعظما

فضالة بن شريك:

رمى الحدثان نسوة آل حرببفادحة سمدن لها سمودا
فردّ شعورهنّ السود بيضاوردّ وجوههن البيض سودا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

أمّا القبور فإنّهنّ أوانسبجوار قبرك والديار قبور
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أما القبور فإنهن أوانس»
عمّت مصيبته فعمّ هلاكهفالناس فيه كلّهم مأجور
ردّت صنائعه عليه حياتهفكأنه من نشرها منشور
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

منصور النّمري:

فإن يك أفنته الليالي فأوشكتفإنّ له ذكرا سيفني اللياليا

وقال طفيل يذكر الموت:

مضوا سلفا قصد السبيل عليهموصرف المنايا بالرجال تقلّب
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «تأوبني هم مع الليل منصب»

وقال هشام أخو ذي الرّمّة:

تعزّيت عن أوفى بغيلان بعدهعزاء وجفن العين ملآن مترع
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
ولم تنسني أوفى المصيبات بعدهولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع

وفي فصل من كتاب لبعض الكتّاب: لست أحتاج مع علمك بما في الصبر عند نازل المصيبة من الفضيلة، وما في الشكر عن حادث النعمة من الحظ، إلى أكثر من الدعاء في قضاء الحقّين، ولا إلى إخبارك عمّا أنا عليه من الارتماض لضرّائك والجذل بسرائك، لمعرفتك بشركتي لك واتصال حالك بى في الأمرين.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.