من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب شرار الإخوان
ذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال: ذاك رجل ليس له صديق في السرّ ولا عدوّ في العلانية.
وقال الشاعر:
وإنّ من الخلّان من تشحط النّوىبه وهو داع للوصال أمين
ومنهم صديق العين أمّا لقاؤهفحلو وأمّا غيبه فظنون
أقبل عيينة بن حصن إلى المدينة قبل إسلامه، فلقيه ركب خارجون منها؛ فقال: أخبروني عن هذا الرجل (يعني النبي ﷺ، فقالوا: الناس فيه ثلاثة رجال: رجل أسلم فهو معه يقاتل قريشا وأفناء العرب، ورجل لم يسلم فهو يقاتله، ورجل يظهر الإسلام إذا لقي أصحابه ويظهر لقريش أنه معهم إذا لقيهم؛ فقال: ما يسمّى هؤلاء؟ قالوا: المنافقون؛ قال: فاشهدوا أنّي منهم، فما فيمن وصفتم أحزم من هؤلاء.
وكان رجل يدعو فيقول: اللهم اكفني بوائق الثقات، واحفظني من الصّديق.
وكتب رجل على باب داره: جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه خيرا، فأمّا
أصدقاءنا فلا جزوا ذلك، فإنا لم نؤت قطّ إلا منهم.
وكتب إبراهيم بن العبّاس إلى محمد بن عبد الملك الزّيات:
وكنت أخي بإخاء الزمانفلما نبا صرت حربا عوانا
وقد كنت أشكو إليك الزمانفأصبحت فيك أذمّ الزمانا
وكنت أعدّك للنائياتفها أنا أطلب منك الأمانا
وقال محمد بن مهديّ:
كان صديقي وكان خالصتيأيّام نجري مجاري السّوق
حتى إذا راح والملوك معاعدّ اطّراحي من صالح الخلق
خلّيت ثوب الفراق في يدهوقلت هذا الوداع فانطلق
لبسته لبسة الجديد على القرّ وفارق فرقة الخلق
وقال آخر:
إذا ما رأيت امرأ في حال عسرتهمواصلا لك ما في ودّه خلل
فلا تمنّ له أن يستفيد غنىفإنه بانتقال الحال ينتقل
وكتب رجل إلى صديق أعرض عنه: لولا أني أشفقت من أشتات ظنّي في إجابتك إلى ما يعلم الله براءتي منه فيك ولك لمعجبك ولكفيتك مؤنتي،
ثقة بأنّ ازديادك من معرفة الناس ستردّك إليّ؛ فإن رجعت قبلت وتمسّكت واغتبطت، وإن أصررت لم أتبع مولّيا، ولم آس على مدبر، ولم أسامح نفسي على تعلّقها بك، ولم أساعدها على نزاعها إليك. فكم من زمان تركتك فيه وسومك ثم أبى قلبي ذلك، فكررت وعطفت أسى على أيّامي معك وما توكّد بيني وبينك. وما من كرّة لي إليك إلا وهي داعية إلى ما أكرهه من استخفافك ونفورك. ولو فهمت ما استحققت به عليك ما أشكوه لخفّ محمل ما يكون منك عليّ ولأجبت في عتباك ورضاك.
وفي جواب كتاب: وقد وزعني ما ضربته لي من الأمثال في كتابك عن استبطائك. على أنّي لا أستزيد إلا من أحتاج إلى صلاحه وأرغب في بقيّته؛ وقد قيل:
يأبين إلّا جفوة وظلمامن كثرة الوصل تجنّى الجرما
وفي كلّ ما أجبتني ظلمت في معارضتي عن مسخي جوابك بإيحاشي، وفي اعتدادك عليّ بما أنت جانيه وعليك الحجة فيه. وما أنكر الخلاف بين الأب وابنه والأخ وشقيقه إذا وقعت المعاملة، ولذلك سبب لا أعرفه بيني وبينك قطّ، فإني لم أخالفك ولم أشاححك ولم أنازعك ولم أعارض نعمك بلا ولا أمرك بنهي.
وقال الحسن بن وهب:
سأكرم نفسي عنك حسب إهانتيلها فيك إذ قرّت وكفّ نزاعها
هي النّفس ما كلّفتها قطّ خطّةمن الأمر إلّا قلّ منه امتناعها
صدقت لعمري أنت أكبر همّهافأجهدها إذ قلّ منك انتفاعها
هب انّي أعمى فأتت الشمس طرفهوغيّب عنه نورها وشعاعها
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
رأيت فضيلا كان شيئا ملفّفافكشّفه التمحيص حتى بدا ليا
فأنت أخي ما لم تكن لي حاجةفإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعد مابلوتك في الحاجات إلّا تماديّا
فلست براء عيب ذي الودّ كلّهولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا عن كلّ عيب كليلةولكنّ عين السّخط تبدي المساويا
كلانا غنيّ عن أخيه حياتهونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
وكتب أيضا إلى بعض إخوانه: أما بعد: فقد عاقني الشكّ فيك عن عزيمة الرأي في أمرك؛ ابتدأتني بلطف عن غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب، فأطمعني أوّلك في إخائك، وآيسني آخرك من وفائك؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطّراحا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة؛ فسبحان من وشاء كشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
وكتب رجل إلى صديق له: نحن نستكثرك باعتزالك، ونستديم صلتك،
بجفائك، ونرى الزيادة في الغمّ أدوم لجميل رأيك. ومثله قول كثيّر:
وإن سحطت يوما بكيت وإن دنتتدلّلت واستكثرتها باعتزالها
ونحوه قول الكميت:
وقد يخذل المولى دعائي ويجتذيأذاتي وإن يعدل به الضيم أغضب
فأونس من بعض الصّديق ملالة الدنوّ- فأستبقيهم- بالتجنّب
وقال آخر:
إنّك ما أعلم ذو ملّةيذهلك الأدنى عن الأقدم
وقال عبد الرحمن بن حسّان:
لا خير في الودّ ممّن لا تزال لهمستشعرا أبدا من خيفة وجلا
إذا تغيّب لم تبرح تسيء بهظنّا وتسأل عمّا قال أو فعلا
وقال مرّة بن محكان:
ترى بيننا خلقا ظاهراوصدرا وعدوّا ووجها طليقا
ونحوه قول المرّار:
كذب تخرّصه عليّ لقومهسلم اللسان محارب الإسرار
وحثّني أبو حمزة الأنصاريّ قال: حدّثنا العتبيّ قال: قالت أعرابية لابنها: يا بنيّ، إياك وصحبة من مودّته بشره فإنه بمنزلة الريح.
وكان يقال: الإخوان ثلاثة؛ أخ يخلص لك ودّه، ويبلغ في محبتك جهده. وأخ ذونيّة يقتصر بك على حسن نيّته، دون رفده ومعونته. وأخ يلهوق لك لسانه، ويتشاغل عنك بشأنه، ويوسعك من كذبه وأيمانه.
وقال المثقبّ العبدي:
فإمّا أن تكون أخي بصدقفأعرف منك غثّى من ثميني
وإلّا فاجتنبني واتّخذنيعدوّا أتّقيك وتتّقيني
وقال أوس بن حجر:
وليس أخوك الدائم العهد بالذييسوءك إن ولّى ويرضيك مقبلا
ولكنّ أخوك النائيّ ما دمت آمناوصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
وقال آخر:
لعمرك ما ودّ اللسان بنافعإذا لم يكن أصل المودّة في القلب
وقال أبو حارثة المدييّ: ليس لمملول صديق، ولا لحسود غنّى، والنظر في العواقب تلقيح العقول.
قال العباس بن الأحنف:
أشكو الذي أذاقوني مودّتهمحتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
واستنهضوني فلمّا قمت منتهضابثقل ما حمّلوني في الهوى قعدوا
ونحوه قول المجنون:
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتنيبقول يحلّ العصم سهل الأباطح
تجافيت عنّي حين لا لي حيلةوخلّفت ما خلّفت بين الجوانح
وقال آخر:
ولا خير في ودّ إذا لم يكن لهعلى طول مرّ الحادثات بقاء
وأنشد ابن الأعرابيّ:
لحا الله من لا ينفع الودّ عندهومن حبله إن مدّ غير متين
ومن هو إن يحدث له الغير نظرةيقطّع بها أسباب كلّ قرين
ويقال: صاحب السوء جذوة من النار.
وقال عليّ ﵇: لا تؤاخ الفاجر فإنه يزيّن لك فعله ويحبّ لو
أنك مثله ويزيّن لك أسوأ خصاله، ومدخله عليك ومخرجه من عندك شين وعار. ولا الأحمق فإنه يجتهد، بنفسه لك ولا ينفعك وربما أراد أن ينفعك فيضرّك، فسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته.
ولا الكذّاب فإنّه لا ينفعك معه عيش، ينقل حديثك وينقل الحديث إليك حتى إنه ليحدّث بالصدق فما يصدّق.
قال أبو قبيل: أسرت ببلاد الروم فأصبت على ركن من أركانها:
ولا تصحب أخا الجهلوإيّاك وإيّاه
فكم من جاهل أردىحليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرءإذا ما هو ماشاه
وللشيء على الشيءمقاييس وأشباه
وللقلب على القلبدليل حين يلقاه
وقال عديّ بن زيد:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينهفإنّ القرين بالمقارن مقتدى
وأنشد الرّياشيّ:
إن كنت لا تصحب إلا فتىمثلك لم تؤت بأمثالكا
إنّ لك الفضل على صحبتيوالمسك قد يستصحب الرّامكا
هبني امرأ جئت أريد الهدىفجد على ضعفي بإسلامكا
وكتب يحيى بن خالد: أحبّ أن تكون على يقين أنّي بك ضنين، أريدك ما أردتني، وأريدك أن تنوب عنّي ما كان ذلك بي وبك جميلا يحسن عند إخواننا، وإن وقعت المقادير بخلاف ذلك لم أعد ما يجب. والذي هاجني على الكتاب أنّ أبا نوح معروف بن راشد سألني أن أبوح له بما عندي، والله يعلم أنّي ما تبدّلت وما حلت عن عهد، فجمعنا الله وإيّاك على طاعته ومحبّة خليفته.
وقرأت في كتاب للهند: ثق بذي العقل والكرم واطمئنّ إليه؛ وواصل العاقل غير ذي الكرم، واحترس من سيّء أخلاقه وانتفع بعقله؛ وواصل الكريم غير ذي العقل وانتفع بكرمه وانفعه بعقلك؛ واهرب من اللئيم الأحمق.
وقال حمّاد عجرد:
كم من أخ لك لست تنكرهما دمت من دنياك في يسر
متصنّع لك في مودّتهيلقاك بالتّرحيب والبشر
يطرى الوفاء وذا الوفاء ويلحى الغدر مجتهدا وذا الغدر
فإذا عدا، والدهر ذو غير،دهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بإجمال أخوّة منيقلي المقلّ ويعشق المثري
وعليك من حالاه واحدةفي العسر إمّا كنت واليسر
لا تخلطنّهم بغيرهممن يخلط العقيان بالصّفر!
وقال سويد بن الصامت:
ألا ربّ من تدعو صديقا ولو ترىمقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشّحم ما كان شاهداوبالغيب مأثور على ثغرة النّحر
تبين لك العينان ما هو كاتممن الضّغن والشّحناء بالنّظر الشّزر
فرشني بخير طالما قد بريتنيوخير الموالي من يريش ولا يبري
وقال آخر:
وصاحب كان لي وكنت لهأشفق من والد على ولد
كنّا كساق تسعى بها قدمأو كذراع نيطت إلى عضد
حتى إذا دانت الحوادث منخطوي وحلّ الزمان من عقدي
احولّ عنّي وكان ينظر منعيني ويرمي بساعدي ويدي
وكان لي مؤنسا وكنت لهليست بنا وحشة إلى أحد
حتى إذا استرفدت يدي يدهكنت كمسترفد يد الأسد
وقال بعض الأعراب:
إخوان هذا الزّمان كلّهمإخوان غدر عليه قد جبلوا
طووا ثياب الوفاء بينهموصار ثوب الرّياء يبتذل
أخوهم المستحقّ وصلهممن شربوا عنده ومن أكلوا
وليس فيما علمت بينهموبين من كان معدما عمل
قال رجل لآخر: بلغني عنك أمر قبيح، فقال: يا هذا، إنّ صحبة الأشرار ربما أورثت سوء ظنّ بالأخيار.
وقال دعبل:
أبا مسلم كنّا حليفي مودّةهوانا وقلبانا جميعا معا معا
أحوطك بالودّ الذي لا تحوطنيوأرأب منك الشّعب أو يتصدّعا
فلا تلحينّي لم أجد فيك حيلةتخرّفت حتى لم أجد فيك مرقعا
فهبك يميني استأكلت فاحتسبتهاوجشّمت قلبي قطعها فتخشّعا
وقال يزيد بن الحكم الثّقفيّ:
تكاشرني كرها كأنّك ناصحوعينك تبدي أنّ قلبك لي دوي
لسانك ما ذيّ وقلبك علقموشرك مبسوط وخيرك منطوي
عدوّك يخشى صولتي إن لقيتهوأنت عدوّي ليس ذاك بمستوي
أراك إذا لم أهو أمرا هويتهوليست لما أهوى من الأمر بالهوي
أراك اجتويت الخير منّي وأجتويأذاك فكلّ يجتوي قرب مجتوي
وكم موطن لولاي طحت كما هوىبأجرامه من قلّة النّيق منهوي
ويقال: إيّاك ومن مودّته على قدر حاجته فعند ذهاب الحاجة ذهاب المودّة وقال الحكيم: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلّا عند الغضب، ولا الشجاع إلّا في الحرب، ولا الأخ إلّا عند الحاجة إليه.
قال جرير:
فأنت أخي ما لم تكن لي حاجةفإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
تعرّضت فاستمررت من دون حاجتيفحالك إنّي مستمرّ لحاليا
وإنّي لمغرور أعلّل بالمنىليالي أرجو أنّ ما لك ماليا
بأيّ نجاد تحمل السيف بعدمانزعت سنانا من قناتك ماضيا
ألا لا تخافا نبوتي في ملمّةوخافا المنايا أن تفوتكما بيا
وقال أبو العتاهية:
أنت ما استغنيت عن صاحبك الدّهر أخوه
فإذا احتجت إليهساعة مجّك فوه
وقال آخر:
موالينا إذا افتقروا إليناوإن أثروا فليس لنا موالي
والعرب تقول فيمن شركك في النّعمة وخذلك عند النائبة: يربض حجرة ويرتع وسطا.
قال المدائنيّ: لحن الحجاج يوما، فقال الناس: لحن الأمير، فأخبره بعض من حضر، فتمثّل بشعر قعنب بن أمّ صاحب:
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت بهوإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
فطانة فطنوها لو تكون لهممروءة أو تقى لله ما فطنوا
إن يسمعوا سيّئا طاروا به فرحامني وما سمعوا من صالح دفنوا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع