من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب القرابات والولد
حدّثني زيد بن أخزم قال حدّثنا أبو داود قال حدّثنا إسحاق بن سعيد القرشي من ولد سعيد بن العاص قال أخبرني أبي قال: كنت عند ابن عبّاس، فأتاه رجل فمتّ إليه برحم بعيدة، فلان له وقال: قال رسول الله ﷺ: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم فإنه لا قرب بالرّحم إذا قطعت وإن كانت قريبة ولا بعد بها إذا وصلت وإن كانت بعيدة».
حدّثني شبابة قال حدّثني القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عن عبد الله بن دينار قال: احذروا ثلاثا، فإنهنّ معلّقات بالعرش: النعمة تقول يا ربّ كفرت، والأمانة تقول يا ربّ أكلت، والرّحم تقول يا ربّ قطعت.
حدّثني الزّياديّ قال حدّثنا عيسى بن يونس قال قال محارب بن دثار:
إنما سمّوا أبرارا لأنهم برّوا الآباء والأبناء، وكما أنّ لوالدك عليك حقّا، فكذلك لولدك عليك حقّ.
حدّثني أبو سفيان الغنويّ عن عبد الله بن يزيد عن حيوة بن شريح عن الوليد بن أبي الوليد عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «أبرّ البرّ أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه».
حدّثني القومسيّ قال حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدّثنا كثير بن زيد عن أبيه عن جدّه عن النبيّ ﷺ قال: «ابن أخت القوم من أنفسهم ومولى القوم من أنفسهم وحليف القوم من أنفسهم».
وحدّثني أيضا عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ: «الرّحم شجنة من الرحمن قال لها من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته».
حدّثني الزّياديّ قال حدّثنا حمّاد بن زيد عن حبيب عن ابن سيرين قال قال عثمان: كان عمر يمنع أقرباءه ابتغاء وجه الله، وأنا أعطي قراباتي لوجه الله، ولن يرى مثل عمر.
حدّثني أحمد بن الخليل قال حدّثنا إبراهيم بن موسى قال حدّثنا محمد
ابن ثور عن معمر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن عليّ ﵇ عن النبيّ ﷺ قال: «من سرّه أن يمدّ له في عمره ويوسّع له في رزقه فليصل رحمه».
حدّثني أحمد بن الخليل قال حدّثنا أبو نعيم قال حدّثنا سفيان عن عبد الله بن عيسى عن عبيد بن أبي الجعد قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزيد في العمر إلا البرّ ولا يردّ القدر إلّا الدعاء وإنّ الرجل ليحرم الرزق بالذّنب يصيبه».
حدّثني محمد بن يحيى القطعيّ قال حدّثنا عبد الأعلى قال حدّثنا سعيد عن مطر عن الحكم بن عتيبة عن النّخعي عن ابن عمر قال: أتى رجل النبيّ ﷺ فقال: إنّ والدي يأخذ مني مالي وأنا كاره؛ فقال: «أو ما علمت أنّك وما لك لأبيك».
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله عن الأصمعيّ قال: أخبرني بعض العرب: أن رجلا كان في زمن عبد الملك بن مروان، وكان له أب كبير، وكان الشابّ عاقّا بأبيه، وكان يقال للشابّ منازل فقال الشيخ:
جزت رحم بيني وبين منازلجزاء كما يستنجز الدّين طالبه
تربّت حتى صار جعدا شمردلاإذا قام ساوى غارب الفحل غاربه
تظلّمني مالي كذا ولوى يديلوى يده الله الذي لا يغالبه
وإنّي لداع دعوة لو دعوتهاعلى جبل الرّيّان لا نقضّ جانبه
فبلغ ذلك أميرا كان عليهم، فأرسل إلى الفتى ليأخذه، فقال له الشيخ:
اخرج من خلف البيت، فسبق رسل الأمير، ثم ابتلي الفتى بابن عقّه في آخر عمره فقال:
تظلّمني مالي خليج وعقّنيعلى حين كانت كالحنيّ عظامي
تخيّرته وازددته ليزيدنيوما بعض ما يزداد غير عرام
وقال يحيى بن سعيد مولى تيم كوفيّ لابنه:
غذوتك مولودا وعلتك يافعاتعلّ بما أجني عليك وتنهل
إذا ليلة نالتك بالشكو لم أبتلشكواك إلّا ساهرا أتململ
كأنّي أنا المطروق دونك بالذيطرقت به دوني وعيني تهمل
فلمّا بلغت الوقت في العدّة التيإليها جرى ما أبتغيه وآمل
جعلت جزائي منك جبها وغلظةكأنك أنت المنعم المتفضّل
فليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتيكما يفعل الجار المجاور تفعل
قال القاسم بن محمد: قد جعل الله في الصديق البارّ عوضا من الرّحم المدبرة.
كتب عمر إلى أبي موسى: مر ذوي القرابات أنّ يتزاوروا ولا يتجاوروا.
وقال أكثم بن ضيفيّ: تباعدوا في الدّيار تقاربوا في المودّة.
قيل لأعرابيّ: ما تقول في ابن عمك؟ قال: عدوّك وعدوّ عدوّك.
وقال قيس بن زهير:
شفيت النّفس من حمل بن بدروسيفي من حذيفة قد شفاني
قتلت بإخوتي سادات قوميوقد كانوا لنا حلي الزّمان
فإن أك قد بردت بهم غليليفلم أقطع بهم إلّا بناني
قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، حين تصفّح القتلى يوم الجمل: شفيت نفسي وجدعت أنفي. وفي مثل ذلك قول القائل:
قومي هم قتلوا أميم أخيفإذا رميت يصيبني سهمي
ولئن عفوت لأعفون جللاولئن قرعت لأوهنن عظمي
قتل رجل من العرب ابن أخيه فدفع إليه ليقيده، فلمّا أهوى بالسيف أرعدت يداه، فألقي السيف من يده وعفا عنه وقال:
أقول للنّفس تأساء وتعزيةإحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبههذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وقال بعضهم:
بكره سراتنا يا آل عمرونفاديكم بمرهفة النّصال
فنبكي حين نذكركم عليكمونقتلكم كأنّا لا نبالي
وقال عديّ بن زيد:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةعلى المرء من وقع الحسام المهنّد
وقال غيره:
سآخذ منكم آل حزن لحوشبوإن كان مولاي وكنتم بني أبي
إذا كنت لا أرمى وترمى عشيرتيتصب جائحات النّبل كشحي ومنكبي
وقال حدّثنا أبو الخطاب قال حدّثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن السائب البكريّ عن سعيد بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «حقّ كبير الإخوة على صغيرهم كحقّ الوالد على ولده».
والعرب تقول في العطف على القرابة وإن لم يكن وادّا: أنفك منك وإن ذنّ. ومثله: عيصك منك وإن كان أشبا.
وقال النّمر بن تولب:
إذا كنت من سعد وأمّك فيهمغريبا فلا يغررك خالك من سعد
فإن ابن أخت القوم مصغى إناؤهإذا لم يزاحم خاله بأب جلد
وقال أميّة بن أبي عائذ لإياس بن سهم:
أبلغ إياسا أنّ عرض ابن اختكمرداؤك فاصطن حسنه أو تبدّل
فإن تك ذا طول فإني ابن أختكموكلّ ابن أخت من مدى الخال معتلي
فكن أسدا أو ثعلبا أو شبيههفمهما تكن أنسب إليك وأشكل
وما ثعلب إلا ابن أخت ثعالبوإن ابن أخت اللّيث رئبال أشبل
وكتب بشر بن المغيرة بن أبي صفرة إلى عمّه بهذه الأبيات:
جفاني الأمير والمغيرة قد جفاوأمسى يزيد لي قد أزورّ جانبه
وكلّهم قد نال شبعا لبطنهوشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فيا عمّ مهلا واتّخذني لنوبةتنوب، فإنّ الدّهر جمّ عجائبه
أنا السيف إلّا أنّ للسيف نبوةومثلي لا تنبوا عليك مضاربه
دخل رجل من أشراف العرب على بعض الملوك، فسأله عن أخيه، فأوقع به يعيبه ويشتمه، وفي المجلس رجل يشنؤه فشرع معه في القول؛ فقال له: مهلا! إنّي لآكل لحمي ولا أدعه لآكل.
ويقال: القرابة محتاجة إلى المودّة، والمودّة أقرب الأنساب. والبيت المشهور في هذا:
فإذا القرابة لا تقرّب قاطعاوإذا المودّة أقرب الأنساب
وقيل لبزرجمهر: أخوك أحبّ إليك أم صديقك؟ فقال: إنما أحبّ أخي إذا كان صديقا.
وقال خداش بن زهير:
رأيت ابن عمّي باديا لي ضغنهوواغره في الصدر ليس بذاهب
وأنشدنا الريّاشيّ:
حياة أبي السّيار خير لقومهلمن كان قد ساس الأمور وجرّبا
ونعتب أحيانا عليه ولو مضىلكنّا على الباقي من الناس أعتبا
وقال الشاعر:
ولم أر عزّا لامرىء كعشيرهولم أر ذلّا مثل نأي عن الأهل
ولم أر مثل الفقر أوضع للفتىولم أر مثل المال أرفع للرّذل
ولم أر من عدم أضرّ على الفتىإذا عاش وسط الناس من عدم العقل
كان مهلهل صار إلى قبيلة من اليمن يقال لهم جنب، فخطبوا إليه فزوّجهم وهو كاره لاغترابه عن قومه، ومهروا ابنته أدما؛ فقال:
أنكحها فقدها الأراقم فيجنب وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبهارمّل ما أنف خاطب بدم
وقال الأعشى:
ومن يغترب عن قومع لا يزل يرىمصارع مظلوم مجرّا ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإن يسيءيكن ما أساء النار في رأس كبكبا»
وربّ يقيع لو هتفت بجوّهأتاني كريم ينغض الرأس مغضبا
وقال رجل من غطفان:
إذا أنت لم تستبق ودّ صحابةعلى دخن أكثرت بثّ المعاتب
وإنّي لأستبقي امرأ السّوء عدّةلعدوة عرّيض من الناس عائب
أخاف كلاب الأبعدين ونبحهاإذا لم تجاوبها كلاب الأقارب
قال رجل لعبيد الله بن أبي بكرة: ما تقول في موت الوالد؟ قال: ملك حادث؛ قال: فموت الزوج؟ قال: عرس جديد؛ قال: فموت الأخ؟ قال:
قصّ الجناح؛ قال: فموت الولد؟ قال: صدع في الفؤاد لا يجبر.
وكان يقال: العقوق ثكل من لم يثكل.
شكا عثمان عليّا إلى العباس ﵃؛ فقال: أنا منه كأبي العاق، إن عاش عقّه وإن مات فجعه.
وقال رجل لأبيه: يا أبت، إن عظيم حقّك عليّ لا يذهب صغير حقّي عليك، والذي تمتّ به إليّ أمتّ بمثله إليك، ولست أزعم أنّا على سواء.
وقال زيد بن علي بن الحسن لابنه يحيى: إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فلم يوصني بك.
غضب معاوية على يزيد ابنه فهجره؛ فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين، أولادنا ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، فإن غضبوا فأرضهم، وإن سألوا فأعطهم، ولا تكن عليهم قفلا فيملّوا حيتك ويتمنّوا موتك.
قيل لأعرابيّ: كيف ابنك؟ - وكان عاقّا- فقال: عذاب رعف به الدّهر، فليتني قد أودعته القبر، فإنه بلاء لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر.
قيل لبعضهم: أيّ ولدك أحبّ إليك؟ قال: صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ، وغائبهم حتى يقدم.
ناول عمر بن الخطاب رجلا شيئا؛ فقال له: خدمك بنوك؛ فقال عمر:
بل أغنانا الله عنهم.
وولد للحسن غلام، فقال له بعض جلسائه: بارك الله لك في هبته، وزادك من أحسن نعمته؛ فقال الحسن: الحمد لله على كلّ حسنة، ونسأل الله
الزيادة في كل نعمة، ولا مرحبا بمن إن كنت عائلا أنصبني، وإن كنت غنيا أذهلني، لا أرضى بسعيي له سعيا، ولا بكدّي له في الحياة كدّا، حتى أشفق له من الفاقة بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصل إليّ من غمّه حزن ولا من فرحه سرور.
قال الأصمعيّ: عاتب أعرابيّ ابنه في شرب النبيذ، فلم يعتب وقال:
أمن شربة من ماء كرم شربتهاغضبت عليّ! الآن طاب لي الخمر
سأشرب فاغضب لا رضيت، كلاهماإليّ لذيذ: أن أعقّك والسّكر
وقال الطّرمّاح لابنه صمصامة:
أصمصام إن تشفع لأمّك تلقهالها شافع في الصدر لم يتبّرح
هل الحبّ إلّا أنّها لو تعرّضتلذبحك يا صمصام قلت لها اذبحي
أحاذر يا صمصام إن متّ أن يليتراثي وإيّاك امرؤ غير مصلح
إذا صكّ وسط القوم رأسك صكّةيقول له الناهي ملكت فأسجح
وأنشد ابن الأعرابيّ:
أحبّ بنيّتي ووددت أنيدفنت بنيّتي في قعر لحد
وما بي أن تهون عليّ لكنمخافة أن تذوق البؤس بعدي
ونحوه قول الآخر:
لولا أميمة لم أجزع من العدمولم أجب في الليالي حندس الظّلم
وزادني رغبة في العيش معرفتيذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرّحم
أحاذر الفقر يوما أن يلمّ بهافيهتك السّتر من لحم على وضم
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاوالموت أكرم نزّال على الحرم
وقال أعرابيّ في ابنته:
يا شقّة النفس إنّ النفس والهةحرّى عليك ودمع العين منسجم
قد كنت أخشى عليها أن تقدّمنيإلى الحمام فيبدي وجهها العدم
فالآن نمت فلا همّ يؤرّقنيتهدا العيون إذا ما أودت الحرم
وقال أعشى سليم:
نفسي فداؤك من وافدإذا ما البيوت لبسن الجليدا
كفيت الذي كنت أرجي لهفصرت أبا لي وصرت الوليدا
وقال أعشى همدان في خالد بن عتّاب بن ورقاء:
فإن يك عتّاب مضى لسبيلهفما مات من يبقى له مثل خالد
وفي الحديث المرفوع: «ريح الولد من ريح الجنّة. وقال رسول الله ﷺ لأحد ابني بنته: «إنّكم لتجبّنون وإنكم لتبخّلون وإنكم لمن ريحان الله».
وقالت أعرابية:
يا حبّذا ريح الولدريح الخزامى بالبلد
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: هذا يدلّك على تفضيلهم الخزامى.
وكان يقال: ابنك ريحانك سبعا، وخادمك سبعا، ثم عدوّ أو صديق.
مرّ أعرابيّ ينشد ابنا له بقوم، فقالوا: صفه؛ فقال: دنينير، قالوا: لم نره؛ فلم يلبث القوم أن جاء على عنقه بجعل؛ فقالوا؛ ما وجدت ابنك يا أعرابيّ؟ قال: نعم هو هذا؛ قالوا: لو سألت عن هذا لأخبرناك، ما زال منذ اليوم بين أيدينا.
قال الشاعر في امرأة:
نعم ضجيع الفتى إذا برد الليل سحيرا وقرقف الصّرد
زيّنها الله في العيون كمازيّن في عين والد ولد
وفي الحديث: «من كان له صبيّ فليستصب له».
وقال الزبير وهو يرقّص ابنا له:
أبيض من آل أبي عتيقمبارك من ولد الصدّيق
ألذّه كما ألذّ ريقي
وقال أعرابي:
لولا بنيّات كزغب القطاحططن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسعفي الأرض ذات الطّول والعرض
وإنّما أولادنا بينناأكبادنا تمشي على الأرض
لو هبّت الريح على بعضهملامتنعت عيني من الغمض
أنزلني الدهر على حكمهمن مرقب عال إلى خفض
وابتزّني الدهر ثياب الغنىفليس لي مال سوى عرضي
قال بعض النّسّابين: إنما قيل: سعد العشيرة، لأنه كان يركب في عشرة من ولده، فكأنهم عشيرة.
وقال ضرار بن عمرو الصّبيّ، وقد رئى له ثلاثة عشر ذكرا قد بلغوا: من سرّه بنو ساءته نفسه.
قال بشر بن أبي حازم:
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمّناوليس لهم عالين أمّ ولا أب
وقال آخر:
أنا ابن عمّك إن نابتك نائبةوليس منك إذا ما كعبك اعتدلا
وأنشدنا الرّياشيّ:
الرّحم بلّها بخير البلّانفإن فيها للدّيار العمران
وأمر المال وبنت الصّغرانوإنّما اشتقّت من اسم الرحمن
وقال المعلوط:
ومن يلق ما ألقى وإن كان سيّداويخش الذي أخشى يسر سير هارب
مخافة سلطان عليّ أظنّهورهطي، وما عاداك مثل الأقارب
دخل عثمان بن عفّان على ابنته وهي عند عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال: يا بنيّة: ما لي أراك مهزولة؟ لعلّ بعلك يغيرك؛ فقالت: لا، ما يغيرني؛ فقال لزوجها: لعلّك تغيرها! قال: فأفعل، فلغلام يزيده الله في بني أميّة أحبّ إليّ منها.
قال النعمان بن بشير:
وإني لأعطي المال من ليس سائلاوأدرك للمولى المعاند بالظلم
وإني متى ما يلقني صارما لهفما بيننا عند الشدائد من صرم
فلا تعدد المولى شريكك في الغنىولكنما شريكك في العدم
إذا متّ ذو القربى إليك برحمهوغشّك واستغنى فليس بذي رحم
ولكنّ ذا القربى الذي يستخفّهأذاك ومن يرمي العدوّ الذي ترمي
وقال بعض الشعراء:
لقد زاد الحياة إليّ حبّابناتي أنّهن من الضّعاف
مخافة أن يرين البؤس بعديوأن يشربن رنقا بعد صافي
وأن يعرين إن كسي الجواريفتنبو العين عن كرم عجاف
قيل لعليّ بن الحسين: أنت من أبرّ الناس ولا نراك تؤاكل أمّك؛ قال:
أخاف أن تسير يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها.
قيل لعمر بن ذرّ: كيف كان برّ ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلا إلا مشى أمامي، ولا رقي سطلحا وأنا تحته.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن زائدة عن عطاء بن السائب عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند عمر فأتاه رجل فأنشده:
تركت أباك مرعشة يداهوأمّك ما تسيغ لها شرابا
إذا غنّت حمامة بطن وجّعلى بيضاتها ذكرت كلابا
فقال عمر: ممّ ذاك؟ قال: هاجر إلى الشام وترك أبوين له كبيرين، فبكى عمر وكتب إلى يزيد بن أبي سفيان في أن يرحّله، فقدم عليه، فقال: برّ أبويك وكن معهما حتى يموتا. قال أبو اليقظان: مربّعة كلاب بالبصرة إليه تنسب، والعوامّ تقول مربّعة الكلاب.
قال أبو عليّ الضّرير:
أتيتك جذلان مستبشرالبشراك لما أتاني الخبر
أتاني البشير بأن قد رزقتغلاما فأبهجني ما ذكر
وأنّك، والرشد فيما فعلت، أسميته باسم خير البشر
وطهّرته يوم أسبوعهومن قبل في الذّكر ما قد طهر
فعمّرك الله حتى تراهـ قد قارب الخطو منه الكبر
وحتى ترى حوله من بنيهوإخوته وبنيهم زمر
وحتى يروم الأمور الجسامويرجى لنفع ويخشى لضرّ
وأوزعك الله شكر العطاءفإن المزيد لعبد شكر
وصلّى على السّلف الصالحين منكم وبارك فيمن غبر
وهذا قد وقع في باب التهانىء أيضا.
قال المأمون: لم أر أحدا أبرّ من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من برّه به أن يحيى كان لا يتوضّأ إلا بماء مسخّن وهما في السجن، فمنعهما السجّان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قمقم كان يسخّن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من منار المصباح، فلم يزل قائما وهو في يده حتى أصبح.
رقّص أعرابيّ ابنه وقال:
أحبّه حبّ الشّحيح ما لهقد كان ذاق الفقر ثم ناله
إذا يريد بذله بدا له
دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة، فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه تفّاحة القلب؛ فقال: انبذها عنك؛ قال: ولم؟
قال: لأنهنّ يلدن الأعداء، ويقرّبن البعداء، ويورثن الضغائن؛ فقال: لا تقل ذاك يا عمرو، فو الله ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الأحزان مثلهن، وإنك لواجد خالا قد نفعه بنو أخته؛ فقال له عمرو: ما أعلمك إلا حبّبتهنّ إليّ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع