من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الاعتذار
كان يقال: الاعتراف يهدم الاقتراف.
كتب بعض الكتّاب إلى بعض العمال: لو قابلت حقّك عليّ بمتقدّم المودّة ومؤكّد الحرمة إلى ما جدّده الله لك بالسلطان والولاية، لم أرض في قضائه بالكتاب دون تجسّم الرّحلة ومعاناة السفر إليك، لا سيما مع قرب الدار منك؛ غير أن الشغل بما ألفيت عليه أموري من الانتشار وعلائق الخراج وغير ذلك مما لا خيار معه، أحلّني في الظاهر محلّ المقصّرين؛ وإن وهب الله فرجة من الشغل وسهّل سبيلا إليك، لم أتخلّف عمّا لي فيه الحظّ من مجاورتك والتنسّم بريحك والتيمّن بالنظر إليك، غاديا ورائحا عليك، إن شاء الله تعالى.
كتب ابن الجهم إلى نجاح من الحبس:
إن تعف عن عبدك المسيء ففيفضلك مأوى للصّفح والمنن
أتيت ما استحقّ من خطأفعد لما تستحقّ من حسن
وكتب الحسن بن وهب:
ما أحسن العفو من القادرلا سيّما عن غير ذي ناصر
إن كان لي ذنب، ولا ذنب لي،فما له غيرك من غافر
أعوذ بالودّ الذي بينناأن يفسد الأوّل بالآخر
كتب رجل إلى جعفر بن يحيى يستبطئه، فوقّع في ظهر كتابه: أحتجّ عليك بغالب القضاء، وأعتذر إليك بصادق النيّة.
قال بعض الشعراء:
وتعذر نفسك إمّا أساءتوغيرك بالعذر لا تعذر
وتبصر في العين منه القذىوفي عينك الجذع لا تبصر
وقال بعض الشعراء:
يا ذا المميّز للإخاء وللإخوان في التفضيل والقدر
لا يقبضنّك عن معاشرتيبالأنس أن قصّرت في برّي
إني إذا ضاق امرؤ بجداعنّي استعنت عليه بالعذر
وفي الحديث المرفوع: «من لم يقبل من معتذر صادقا كان أو كاذبا لم يرد عليّ الحوض. وفيه: أقيلوا ذوي الهنات عثراتهم».
اعتذر رجل إلى أبي عبيد الله الكاتب فقال: ما رأيت عذرا أشبه باستئناف ذنب من عذرك.
وكان يقال: أعجل الذنوب عقوبة العذر، واليمين الفاجرة، وردّ التائب وهو يسأل العفو خائبا.
وقال مطرّف: المعاذر مكاذب.
اعتذر رجل إلى إبراهيم فقال له: قد عذرتك غير معتذر، إن المعاذير يشوبها الكذب.
ويقال. ما اعتذر مذنب إلا ازداد ذنبا.
وقال الشاعر:
لا ترج رجعة مذنبخلط احتجاجا باعتذار
اعتذر رجل إلى سلم بن قتيبة، فقبل منه وقال: لا يدعونّك أمر تخلّصت منه إلى أمر لعلك لا تتخلص منه.
وقال الشاعر:
فلا تعذراني في الإساءة إنّهشرار الرجال من يسيء فيعذر
وقال ابن الطّثرية:
هبيني امرأ إمّا بريئا ظلمتهوإما مسيئا تاب بعد وأعتبا
وكنت كذي داء تبغّى لدائهطبيبا فلما لم يجده تطبّبا
كتب بعض الكتّاب معتذرا: توهّمت، أعزك الله، نفرتك عند نظرتك إلى عنوان كتابي هذا باسمي، لما تضمّنته من السّخيمة عليّ، فأخليته منه؛ وانتظرت باستعطافك من طويّتك فيّ عاقبة امتداد العهد، وأمنت اضطغانك لنفي الدّين الحقد، واختصرت من الاحتجاج المنتسب إلى الإصرار، والاعتذار المتعاود بين النّظراء، والإقرار المثبّت للأقدام، الاستسلام لك.
على أنك إن حرمتني رضاك اتّسعت بعفوك، وإن أعدمنيهما توغّر صدرك لم تضق من الرّقة عليّ من مصيبة الحرمان؛ وإن قسوت رجعت بك عواطف من أياديك عندي نازعة بك إلى استتمامها لديّ. ومن حدود فضائل الرؤساء مقابلة سوء من خوّلوا بالإحسان. ولا نعمة على مجرم إليه أجزل من الظفر، ولا عقوبة لمجرم أبلغ من الندم؛ وقد ظفرت وندمت. كتبت وأنا على ما تحبّ بشرا إن تغمّدت زلّتي، وكما تحب ضرّا إن تركت إقالتي، وبخير في كلتا الحالتين ما بقيت.
وكتبت في كتاب اعتذار واستعطاف: وكم عسى أن يكون تماديك في عتبك؛ لولا أني مضطرّ إلى وصلك وأنت مطبوع على هجري. لقد استحييت واستحييت من ذليّ وعزّك، وخفضي جناحي ونأي بجانبك.
وفي كتاب آخر: قد أودعني الله من نعمك ما بسطني في القول مدلّا به
عليك، ووكّد من حرمتي بك ما شفع لي في الذنوب إليك، وأعلقني من أسبابك ما لا أخاف معه نبوات الزمان عليّ فيك، وأمّنتني بحلمك وأناتك بادرة غضبك؛ فأقدمت ثقة بإقالتك إن عثرت، وبتقويمك إن زغت. وبأخذك بالفضل إن زللت.
وفي كتاب اعتذار: أنا عليل منذ فارقتك؛ فإن تجمع عليّ العلّة وعتبك أفدح. على أن ألم الشوق قد بلغ بك في عقوبتي؛ وحضرني هذا البيت على ارتجال فوصلت به قولي:
لك الحقّ إن تعتب عليّ لأنّنيجفوت وإمّا تغتفر فلك الفضل
أنهيت عذري لأنتهي إلى تفضّلك بقبوله وإن قبولك يمح إفراطي في البرّ بك تفريطي فيه، وإلى ذلك ما أسألك تعريفي خيرك لأراح إليه، وأستزيد الله في أجره لك.
وفي فصل آخر:
أنا المقرّ بقصوري عن حقّك، واستحقاقي جفاءك؛ وبفضلك من عذلك أعوذ، فو الله لئن تأخّر كتابي عنك، ما أستزيد نفسي في شكر مودّتك، ولطيف عنايتك. وكيف يسلاك أو ينساك أخ مغرم بك يراك زينة مشهده ومغيبه!:
وكيف أنساك لا أيديك واحدةعندي ولا بالذي أوليت من نعم
وفي آخر الكتاب:
إذا اعتذر الصّديق إليك يومامن التقصير عذر أخ مقرّ
فصنه عن عتابك واعف عنهفإن الصفح شيمة كلّ حرّ
وقال الخليل بن أحمد:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتنيأو كنت أجهل ما تقول عدلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتنيوعلمت أنّك جاهل فعذرتكا
قيل لبزرجمهر: ما بالكم لا تعاتبون الجهلة، قال: لأنا لا نريد من العميان أن يبصروا.
وقال ابن الدّمينة:
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا لهببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزلبه ضعفة حتى يقال مريب
وكتب رجل إلى صديق له يعتذر: أنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك عن جرمه، ولا يلتمس رضاك إلّا من جهته، ولا يستعطفك إلّا بالإقرار بالذنب، ولا يستمليك إلّا بالاعتراف بالزّلّة.
وقرأت في كتاب: لست أدري بأيّ استجزت تصديق ظنّك حتى أنفذت عليّ به حكم قطيعتك، فو الله ما صدق عليّ ولا كاد، ولا استجزت ما توهّمته
فيمن لا يلزمني حقّه. وأعيذك بالله من بدار إلى حكم يوجب الاعتذار، فإنّ الأناة سبيل أهل التّقى والنّهى؛ والظنّ والإسراع إلى ذوي الإخاء ينتجان الجفاء، ويميلان عن الوفاء إلى اللّفاء.
قال إسماعيل بن عبد الله وهو يعتذر إلى رجل في آخر يوم من شعبان:
والله فإنّي في غبّر يوم عظيم، وتلقاء ليلة تفترّ عن أيام عظام، ما كان ما بلغك.
وقرأت في كتاب معتذر: إنك تحسن مجاورتك للنعمة، واستدامتك لها، واجتلابك ما بعد منها بشكر ما قرب، واستعمالك الصفح لما في عاقبته من جميل عادة الله عندك؛ ستقبل العذر على معرفة منك بشناعة الذنب، وتقيل العثرة وإن لم تكن على يقين من صدق النيّة، وتدفع السيئة بالتي هي أحسن.
اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكي، فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر منّا عن الاعتذار، وأغنانا بالمودّة لك عن سوء الظن بك.
وقال بعض الشعراء:
إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائباإليك فلم تغفر له فلك الذنب
كان الحسن بن زيد بن الحسن واليا للمنصور على المدينة، فهجاه ورد
ابن عاصم المبرسم فقال:
له حقّ وليس عليه حقّومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاعليه لأهلها وهو الرسول
فطلبه الحسن فهرب منه، ثم لم يشعر إلا وهو ماثل بين يديه يقول:
سيأتي عذري الحسن بن زيدوتشهد لي بصفّين القبور
قبور لو بأحمد أو عليّيلوذ مجيرها حفظ المجير
هما أبواك من وضعا تضعهوأنت برفع ما رفعا جدير
فاسخفّ الحسن كرمه، فقام إليه فبسط له رداءه وأجلسه عليه.
وفي كتاب لمعتذر: علوّ الرّتبة واتّساع القدرة وانبساط اليد بالسّطوة، ربما أنست ذا الحنق المحفظ من الأحرار فضيلة العفو وعائدة الصّفح وما في إقالة المذنب واستبقائه من حسن السماع وجميل الأحدوثة، فبعثته على شفاء غيظه، وحرّكته، على تبريد غلّته، وأسرعت به إلى مجانبة طباعه وركوب ما ليس من عادته. وهمّتك تجلّ عن دناءة الحقد، وترتفع عن لؤم الظّفر.
وفي فصل: نبت بي عنك غرّة الحداثة فردّتني إليك الحنكة، وباعدتني عنك الثقة بالأيام فأدنتني إليك الضرورة، ثقة بإسراعك إليّ وإن كنت أبطأت منك، وقبولك العذر وإن كانت ذنوبي قد سدّت عليك مسالك الصّفح؛ فأيّ موقف هو أدنى من هذا الموقف لولا أن المخاطبة فيه لك! وأيّ خطّة هي أودى بصاحبها من خطّة أنا راكبها لولا أنها في رضا لك!.
أوقع الحجّاج يوما بخالد بن يزيد يعيبه وينتقصه وعنده عمرو بن عتبة:
فقال عمرو: إن خالدا أدرك من قبله وأتعب من بعده بقديم غلب عليه وحديث لم يسبق إليه؛ فقال الحجّاج معتذرا: يا بن عتبة، إنا لنسترضيكم بأن نغضب عليكم، ونستعطفكم بأن ننال منكم، وقد غلبتم على الحلم، فوثقنا لكم به، وعلمنا أنكم تحبون أن تحلموا، فتعرّضنا للذي تحبّون.
قال المنصور لرجل أتاه نائبا معتذرا من ذنب: عهدي بك خطيبا فما هذا السكوت! فقال: يا أمير المؤمنين؛ لسنا وفد مباهاة وإنما نحن وفد توبة، والتوبة تتلقّى بالاستكانة.
وقع بين أبي مسلم وبين قائد له كلام، فأربى عليه القائد إلى أن قال له: يا لقيط! فأطرق أبو مسلم، فلما سكتت عنه فورة الغضب ندم وعلم أنه قد أخطأ واعتذر وقال: أيها الأمير، والله ما انبسطت حتى بسطتني ولا نطقت حتى أنطقتني فاغفر لي؛ قال: قد فعلت؛ فقال: إني أحبّ أن أستوثق لنفسي؛ فقال أبو مسلم: سبحان الله! كنت تسيء وأحسن، فلما أحسنت أسي!.
قال الطّائي:
وكم ناكث للعهد قد نكثت بهأمانيه واستخذى بحقّك باطله
فحاط له الإقرار بالذنب روحهوجثمانه إذ لم تحطه قبائله
وقال آخر: وقال آخر:
حتى متى لا تزال معتذرامن زلّة منك ما تجانبها
لا تتّقي عيبها عليك ولاينهاك عن مثلها عواقبها
لتركك الذنب لا تقارفهأيسر من توبة تقاربها
قال أعرابيّ لابن عمّ له: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين ومن الآخر على شك؛ ليتمّ المعروف منّي إليك، ولتقوم الحجّة منّي عليك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع