تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

عتب الإخوان والتباغض والعداوة

حدّثني الزّياديّ قال حدّثنا عبد الوارث عن يزيد بن القاسم عن معاذة أنها سمعت هشام بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحلّ لمسلم أن يصارم مسلما فوق ثلاث، وأيّهما فعل فإنهما ناكثان عن الحقّ ما داما على صرمهما وإن ماتا لم يدخلا الجنة».

قال بعض الشعراء:

سنّ الضّغائن آباء لنا سلفوافلن تبيد وللآباء أبناء

هذا مثل قول أبي بكر الصّدّيق ﵁: العداوة تتوارث.

وقرأت في كتاب للهند: إذا كانت الموجدة عن علّة كان الرضا مرجوّا، وإذا كانت عن غير علة كان الرضا معدوما. ومن العجب أن يطلب الرجل رضا أخيه فلا يرضى، وأعجب من ذلك أن يسخطه عليه طلبه رضاه.

قال بعض المحدثين:

فلا تله عن كسب ودّ العدوّولا تجعلنّ صديقا عدوّا
ولا تغترر بهدوّ امرىءإذا هيج فارق ذاك الهدوّا

وقال آخر:

احذر مودّة ما ذقشاب المرارة بالحلاوه
يحصي العيوب عليك أيام الصداقة والعداوه

وقال أبو الأسود الدّؤليّ:

إذا المرء ذو القربى وذو الضّغن أجحفتبه سنة حلّت مصيبته حقدي

وقال محمد بن أبان اللاحقي لأخيه إسماعيل:

تلوم على القطيعة من أتاهاوأنت سننتها في الناس قبلي

وقال آخر:

وروّعت حتى ما أراع من النّوىوإن بان جيرانّ عليّ كرام
فقد جعلت نفسي على اليأس تنطويوعيني على هجر الصديق تنام

قال أحمد بن يوسف الكاتب:

ما على ذا كنّا افترقنا بسندادولا بيننا عقدنا الإخاء
نطعن الناس بالمثقّفة السّمر على غدرهم وننسى الوفاء

قيل لأفلاطون: بماذا ينتقم الإنسان من عدوّه؟ قال: بأن يزداد فضلا في نفسه.

وكان يقال: احذر معاداة الذليل، فربما شرق بالذّباب العزيز.

كتب رجل من الكتّاب إلى صديق له تجنّى عليه:

عتبت عليّ ولا ذنب ليبما الذنب فيه ولا شكّ لك
وحاذرت لومي فبادرتنيإلى اللوم من قبل أن أبدرك
فكنّا كما قيل فيما مضىخذ اللّصّ من قبل أن يأخذك

وقال آخر:

رأيتك لمّا نلت مالا، ومسّنازمان ترى في حدّ أنيابه شغبا
جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلافأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا

وقال آخر:

تريدين أن أرضى وأنت بخيلةومن ذا الذي يرضي الأخلّاء بالبخل
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة
وجدّك لا يرضى إذا كان عاتباخليلك إلّا بالمودّة والبذل
متى تجمعي منّا كثيرا ونائلاقليلا يقطّع ذاك باقية الوصل
للشاعر جرير، من قصيدة «عوجي علينا واربعي ربة البغل»

كتب رجل إلى صديق له:

لئن ساءني أن نلتني بمساءةلقد سرّني أنّي خطرت ببالك
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «قفى يا اميم القلب نقض لبانة»

وقال آخر:

إذا رأيت ازورارا من أخي ثقةضاقت عليّ برحب الأرض أوطاني
فإن صددت بوجهي كي أكافئهفالعين غضبى وقلبي غير غضبان

وقال إبراهيم بن العباس:

وقد غضبت فما باليتم غضبيحتى انصرفت بقلب ساخط راضي

وقال زهير:

وما يك في عدوّ أو صديقتخبّرك العيون عن القلوب

وقال دريد:

وما تخفى الضغينة حيث كانتولا النظر الصحيح من السقيم

وقال ابن أبي خازم:

خذ من الدهر ما كفىومن العيش ما صفا
لا تلحّنّ بالبكاءعلى منزل عفا
خلّ عنك العتاب إنخان ذو الودّ أو هفا
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
عين من لا يحبّ وصلك تبدي لك الحفا

وقال أعرابيّ يذكر أعداء:

يزمّلون جنين الضّغن بينهموالضّغن أشوه أو في وجهه كلف
إن كاتمونا القلى نمّت عيونهموالعين تظهر ما في القلب أو تصف

وقال ابن أبي أميّة:

كم فرحة كانت وكم ترحةتخرّصتها لي فيك الظنون
إذا قلوب أظهرت غير ماتضمره أنبتك عنها العيون

وقال آخر:

أما تبصر في عينيّ عنوان الذي أبدي

وقال آخر:

ومولى كأنّ الشمس بيني وبينهإذا ما التقينا ليس ممّن أعاتبه

يقول: لا أقدر أن أنظر إليه، فكأن الشمس بيني وبينه. ومثله:

إذا أبصرتني أعرضت عنّيكأنّ الشمس من قبلي تدور
للشاعر عنترة الطائي، اقرأ القصيدة

وقال النّمر بن تولب في الإعراض:

فصدّت كأنّ الشمس تحت قناعهابدا حاجب منها وضنّت بحاجب

أخذه أبو نواس فقال:

يا قمرا للنّصف من شهرهأبدى ضياء لثمان بقين

يريد أنه أعرض بوجهه فبدا له نصفه.

وقال آخر في الضغينة:

وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغنكما طرّ أوبار الجراب على النّشر

وقال آخر في نحوه:

وقد ينبت المرعى على دمن الثّرىوتبقى حزازات النفوس كما هيا

وقال الأخطل:

إنّ الضغينة تلقاها وإن قدمتكالعرّ يكمن حينا ثم ينتشر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خف القطين فراحوا منك أو بكروا»
شمس العداوة حتى يستفاد لهموأعظم الناس أحلاما إذا قدروا

وقرأت في كتاب للهند: ليس بين عداوة الجوهريّة صلح إلا ريثما ينتكث، كالماء إن أطيل إسخانه فإنه لا يمتنع من إطفاء النار إذا صبّ عليها.

قال سعد بن أبي وقّاص لعمّار بن ياسر: إن كنا لنعدّك من أكابر أصحاب محمد ﷺ، حتى إذا لم يبق من عمر إلا ظمء الحمار فعلت

وفعلت؛ قال: أيّما أحبّ إليك: مودّة على دخل أو مصارمة جميلة؟ قال:

مصارمة جميلة؛ قال: لله عليّ ألّا أكلّمك أبدا.

وقال بعض الشعراء في صديق له تغيّر:

إحولّ عنّي وكان ينظر منعيني ويرمي بساعدي ويدي
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقال المثتقّب العبدي:

ولا تعدي مواعد كاذباتتمرّ بها رياح الصيف دوني
فإني لو تعاندني شماليعنادك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بينيكذلك أجتوي من يجتويني
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»

وقال الكميت:

ولكنّ صبرا عن أخ عنك صابرعزاء إذا ما النفس حنّ طروبها
رأيت عذاب الماء إن حيل دونهاكفاك لما لا بدّ منه شروبها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ألا لا أرى الأيام يقضى عجيبها»
وإن لم يكن إلا الأسنّة مركبفلا رأي للمجهود إلا ركوبها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ألا لا أرى الأيام يقضى عجيبها»

وقرأت في كتاب للهند: العدوّ إذا أحدث صداقة لعلة ألجأته إليها فمع ذهاب العلة رجوع العداوة، كالماء يسخن فإذا رفع عاد باردا.

وقال محمد بن يزداد الكاتب: إذا لم تستطع أن تقطع يد عدوّك فقبّلها.

قال الشاعر:

لقد زادني حبّا لنفسي أننيبغيضّ إلى كلّ امرىء غير طائل
للشاعر الطرماح، من قصيدة «نبيتُ تميماً تجتدي حربَ طيِّىء ٍ،»
إذا ما رآني قطّع الطرف دونهودوني فعل العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتّى كأنّهامن الضّيق في عينيه كفّة حابل
للشاعر الطرماح، من قصيدة «نبيت تميما تجتدي حرب طيئ»

قال عمر بن الخطاب ﵁: اعتزل عدوّك واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله.

الهيثم عن ابن عيّاش قال: أخبرني رجل من الأزد قال: كنا مع أسد بن عبد الله بخراسان، فبينا نحن نسير معه وقد مدّ نهرفجاء بأمر عظيم لا يوصف، وإذا رجل بضربه الموج وهو ينادي: الغريق الغريق! فوقف أسد وقال: هل من سابح؟ فقلت: نعم، فقال: ويحك! الحق الرجل! فوثبت عن فرسي وألقيت عنّي ثيابي ثم رميت بنفسي في الماء، فما زلت أسبح حتى إذا كنت قريبا منه قلت: ممن الرجل؟ قال: من بني تميم؟ قلت: إمض راشدا، فو الله ما تأخّرت عنه ذراعا حتى غرق: فقال ابن عياش: فقلت له: ويحك! أما اتقيت الله! غرّقت رجلا مسلما! فقال: والله لو كانت معي لبنة لضربت بها رأسه.

طاف رجل من الأزد بالبيت وجعل يدعو لأبيه؛ فقيل له: ألا تدعو لأمّك؟

فقال: إنها تميميّة.

وقرأت في كتاب للهند: جانب الموتور وكن أحذر ما تكون له ألطف ما يكون بك، فإنّ السلامة بين الأعداء توحّش بعضهم من بعض، ومن الأنس والثقة حضور آجالهم.

أراد الملك قتل بزرجمهر وأن يتزوّج ابنته بعد قتله؛ فقال: لو كان ملككم حازما ما جعل بينه وبين شعاره موتورة.

قال أبو حازم: لا تناصبنّ رجلا حتى تنظر إلى سريرته؛ فإن تكن له سريرة حسنة فإن الله لم يكن يخذله بعداوتك إياه، وإن كانت سريرته رديئة فقد كفاك مساويه، لو أردت أن تعمل بأكثر من معاصي الله لم تقدر.

قال رجل: إني لأغتنم في عدوّي أن ألقي عليه النملة وهو لا يشعر لتؤذيه.

وقال الأفوه الأوديّ:

بلوت الناس قرنا بعد قرنفلم أر غير خلّاب وقالي
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «بلوت الناس قرناً بعد قرنٍ»
وذقت مرارة الأشياء جمعافما طعم أمرّ من السؤال
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «بلوت الناس قرناً بعد قرنٍ»
ولم أر في الخطوب أشدّ هولاوأصعب من معاداة الرجال
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «بلوت الناس قرناً بعد قرنٍ»

وقال آخر:

بلاء ليس يشبهه بلاءعداوة غير ذي حسب ودين
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة
يبيحك منه عرضا لم يصنهويرتع منك في عرض مصون
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.