تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

استنجاح الحوائج

حدّثني أحمد بن الخليل قال حدّثنا محمد بن الخصيب قال حدّثني أوس ابن عبد الله بن بريدة عن أخيه سهل بن عبد الله بن بريدة عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: «استعينوا على الحوائج بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود».

قال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها إلى غير أهلها، ولا تطلبوا ما لستم له بأهل فتكونوا للمنع خلقاء.

قال شبيب بن شيبة: إني لأعرف أمرا لا يتلاقى به اثنان إلّا وجب النّجح بينهما؛ فقال له خالد بن صفوان: ما هو؟ قال: العقل، فإنّ العاقل لا يسأل ما لا يجوز ولا يردّ عما يمكن، فقال له خالد: نعيت إليّ نفسي! إنّا أهل بيت لا يموت منا أحد حتى يرى خلفه.

أبو اليقظان قال: كان بنو ربيعة- وهم من بين عسل بن عمرو بن يربوع- يوصون أولادهم فيقولون: استعينوا على الناس في حوائجكم بالتثقيل عليهم، فذاك أنجح لكم.

قال الشاعر:

هيبة الإخوان مقطعةلأخي الحاجات عن طلبه
فإذا ما هبن ذا أملمات ما أمّلت من سببه

وقال أبو نواس:

وما طالب الحاجات ممّن يرومهامن الناس إلا المصبحون على رجل
تأنّ مواعيد الكرام فربّماأصبت من الإلحاح سمحا على بخل

والبيت المشهور في هذا:

إنّ الأمور إذا انسدّت مسالكهافالصبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، من قصيدة «ماذا يكلفكَ الروحات والدلجا»
أخلق بذي الصبر أن يحظي بحاجتهومدمن القرع للأبواب أن يلجا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
لا تيأسنّ وإن طالت مطالبةإذا استعنن بصبر أن ترى فرجا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

إنّي رأيت، وللأيّام تجربةللصبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جدّ في أمر يطالبهواستصحب الصبر إلّا فاز بالظّفر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إصبر على مضض الإدلاج في السحر»

والعرب تقول: «ربّ عجلة تهب ريثا». يريدون أن الرجل قد يخرق ويعجل في حاجته فتتأخّر أو تبطل بذلك. وتقول: «الرّشف أنقع». يريدون أن الشراب الذي يترشّف رويدا رويدا أقطع للعطش وإن طال على صاحبه.

وقال عامر بن خالد بن جعفر ليزيد بن الصّعق:

إنّك إن كلّفتني ما لم أطقساءك ما سرّك منّي من خلق

وكانوا يستنجحون حوائجهم بركعتين يقولون بعدهما: اللهم إنّي بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمّد نبيك إليك أتوجّه، اللهم ذلّ لي صعوبته،

وسهّل لي حزونته، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عنّي من الشرّ أكثر مما أخاف.

وقال القطاميّ:

قد يدرك المتأنّي بعض جاجتهوقد يكون مع المستعجل الزّلل

عمرو بن بحر عن إبراهيم بن السّنديّ قال: قلت في أيام ولايتي الكوفة لرجل من وجوهها، كان لا يجفّ لبده ولا يستريح قلمه ولا تسكن حركته في طلب حوائج الرجال وإدخال المرافق على الضعفاء وكان رجلا مفوّها، خبّرني عن الشيء الذي هوّن عليك النّصب وقوّاك على التعب ما هو؟

قال: قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار، في أفنان الأشجار؛ وسمعت خفق أوطار العيدان، وترجيع أصوات القيان الحسان؛ ما طربت من صوت قطّ طربى من ثناء حسن بلسان حسن على رجل قد أحسن، ومن شكر حرّ لمنعم حرّ، ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر. قال إبراهيم: فقلت: لله أبوك لقد حشيت كرما فزادك الله كرما، فبأيّ شيء سهلت عليك المعاودة والطلب؟

قال: لأني لا أبلغ المجهود ولا أسأل ما لا يجوز، وليس صدق العذر أكره إليّ من إنجاز الوعد، ولست لإكداء السائل أكره منّي للإجحاف بالمسؤول، ولا أرى الراغب أوجب عليّ حقّا للذي قدمّ من حسن ظنه من المرغوب إليه الذي احتمل من كلّه. قال إبراهيم: ما سمعت كلاما قطّ أشدّ موافقة

لموضعه ولا أليق بمكانه من هذا الكلام.

وقال مصعب:

في القوم معتصم بقوّة أمرهومقصّر أودى به التقصير
لا ترض منزلة الذليل ولا تقمفي دار معجزة وأنت خبير
وإذا هممت فأمض همّك إنماطلب الحوائج كلّه تغرير

وكان يقال: إذا أحببت أن تطاع، فلا تسأل ما لا يستطاع.

ويقال: الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.