من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الإجابة إلى الحاجة والردّ عنها
قال رجل للعبّاس بن محمد: إنّي أتيتك في حاجة صغيرة؛ قال: اطلب لها رجلا صغيرا. وهذا خلاف قول عليّ بن عبد الله بن العبّاس لرجل قال له: إني أتيتك في حاجة صغيرة، فقال له عليّ بن عبد الله: هاتها، إنّ الرجل لا يصغر عن كبير أخيه ولا يكبر عن صغيره.
قال رجل للأحنف: أتيتك في حاجة لا تنكيك ولا ترزؤك، قال:
إذا لا تقضى! أمثلي يؤتى في حاجة لا تنكي ولا ترزأ!.
جاء قوم إلى رجل يكلّمونه في حاجة لهم ومعهم رقبة، فقال لرقبة:
تضمنونها؟ فقال له رقبة: جئناك نطلب منك فضل التوسّع فأدخلت علينا همّ الضّمان.
أتى عمرو بن عبيد حفص بن سالم، فلم يسأله أحد من حشمه شيئا إلا قال: لا؛ فقال عمرو: أقلّ من قول: «لا» فإن لا ليست في الجنة.
كان رسول الله ﷺ إذا سئل ما يجد أعطى، وإذا سئل ما لا يجد قال:
«يصنع الله».
قال عمر بن أبي ربيعة:
إنّ لي حاجة إليك فقالتبين أذني وعاتقي ما تريد
أي قد تضمّنته لك فهو في عنقي.
سأل رجل قوما؛ فقال له رجل منهم: اللهمّ هذا سائلنا ونحن سؤّالك، وأنت بالمغفرة أجود منّا بالعطاء: ثم أعطاه.
سأل رجل رجلا حاجة؛ فقال: اذهب بسلام؛ قال السائل: أنصفنا من ردّنا في حوائجنا إلى الله ﷿.
قال رجل لثمامة: إن لي إليك حاجة؛ قال ثمامة: ولي إليك حاجة؛
قال: وما هي؟ قال: لا أذكرها حتى تتضمّن قضائها؛ قال: قد فعلت؛ قال:
حاجتي ألّا تسألني هذه الحاجة؛ قال: رجعت عما أعطيتك؛ قال ثمامة: لكنّي لا أردّ ما أخذت.
قال الجاحظ: تمشّى قوم إلى الأصمعيّ مع رجل اشترى منه ثمرة نخله، فناله فيها خسران وسألوه حسن النظر له؛ فقال الأصمعيّ: أسمعتم بالقسمة الضّيزى ! هي ما تريدون شيخكم عليه، اشترى منّي على أن يكون الخسران عليّ والربح له! اذهبوا فاشتروا لي طعام السّواد على هذا الوجه والشرط. ثم قال: هاهنا واحدة هي لكن دوني، ولا بدّ من الاحتمال لكن إذا لم تحتملوا لي، هذا ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقّه وتحبّون رفده، ولو كنت أوجب له مثل الذي توجبون لقد كنت أغنيته عنكم، ولكن لا أعرفه ولا يضرّنني بحقّ؛ فهلمّ فلنتوزّع هذا الخسران بيننا بالسوء؛ فقاموا ولم يعدوا، وأيس التاجر فخرج له من حقّه.
قال يزيد بن عمير الأسيّدي لبنيه: يا بنيّ، تعلّموا الردّ فإنه أشدّ من الإعطاء، ولأن يعلم بنو تميم أن عند أحدكم مائة ألف درهم أعظم له في أعينهم من أن يقسمها فيهم، ولأن يقال لأحدكم: بخيل وهو غني خير له من أن يقال: سخيّ وهو فقير.
وقال إسحاق بن إبراهيم:
النصر يقرئك السلام وإنّماأهدى السلام تعرّضا للمطمع
فاقطع لبانته بيأس عاجلوأرح فؤادك من تقاضي الأضلع
ذكر ثمامة محمد بن الجهم فقال: لم يطمع أحدا قطّ في ماله إلا ليشغله بالطمع فيه عن غيره، ولا شفع لصديق ولا تكلّم في حاجة متحرّم به، إلا ليلقّن المسؤول حجّة منع، وليفتح على السائل باب حرمان.
كتب سهل بن هارون إلى موسى بن عمران:
إنّ الضمير إذا سألتك حاجةلأبي الهذيل خلاف ما أبدي
فامنعه روح اليأس ثم امدد لهحبل الرجاء لمخلف الوعد
وألن له كنفا ليحسن ظنهفي غير منفعة ولا رفد
حتى إذا طالت شقاوة جدّهوعناؤه فاجبهه بالردّ
قيل لحبّي المدينيّة: ما الجرج الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يردّه. قيل لها: فما الذلّ؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له. قيل: فما الشرف؟ قالت: اعتقاذ المنن في رقاب الرجال.
قال معن بن زائدة: ما سألني قطّ أحد حاجة فرددته إلا رأيت الغنى
في قفاه.
روى عليّ بن مسهر عن هشام عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: أعلمتم أن الطمع فقر، وأن اليأس غنى، وأن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه.
وقال آخر في كلام له: كلّ ممنوع مستغنى عنه بغيره، وكلّ مانع ما عنده ففي الأرض غنى عنه.
وقد قيل: أرخص ما يكون الشيء عند غلائه.
وقال بشار: والدرّ يترك من غلائه.
قال شريح: من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرقّ، فإن قضاها المسؤول استعبده بها، وإن ردّه عنها رجع حرّا وهما ذليلان: هذا بذلّ البخل، وهذا بذلّ الردّ.
وقال بعضهم: من سألك لم يكرم وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عن ردّه.
وكان رسول الله ﷺ «لا يردّ ذا حاجة إلا بها أو بميسور من القول».
وقال أسماء بن خارجة: ما أحبّ أن أردّ أحدا عن حاجة؛ فإنه لا يخلوا من أن يكون كريما فأصونه، أو لئيما فأصون منه نفسي.
وقال أعرابيّ سأل حاجة فردّ عنها:
ما يمنع الناس شيئا كنت أطلبهإلّا أرى الله يكفي فقد ما منعوا
أتى رجل الحسن بن عليّ ﵄ يسأله؛ فقال الحسن: إن المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح أو فقر مدقع أو حمالة مفظعة؛ فقال الرجل: ما جئت إلا في إحداهنّ، فأمر له بمائة دينار، ثم أتى الرجل الحسين ابن علي ﵄ فسأله، فقال له مثل مقالة أخيه، فردّ عليه كما ردّ على الحسن؛ فقال: كم أعطاك؟ قال مائة دينار، فنقصه دينارا. كره أن يساوي أخاه. ثم أتى الرجل عبد الله بن عمر ﵄ فسأله فأعطاه سبعة دنانير ولم يسأله عن شيء؛ فقال الرجل له: إني أتيت الحسن والحسين، واقتصّ كلامهما عليه وفعلهما به؛ فقال عبد الله: ويحك! وأنّي تجعلني مثلهما! إنهما غرّا العلم غرّا المال.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: جاء شيخ من بني عقيل إلى عمر ابن هبيرة، فمتّ بقرابة وسأله فلم يعطه شيئا؛ فعاد إليه بعد أيام فقال: أنا العقيليّ الذي سألك منذ أيام؛ فقال عمر: وأنا الفزاريّ الذي منعك منذ أيام؛ فقال: معذرة إلى الله! إني سألتك وأنا أظنك يزيد بن هبيرة المحاربيّ؛ فقال:
ذاك الأم لك، وأهون بك عليّ، نشأ في قومك مثلي ولم تعلم به، ومات مثل يزيد ولا تعلم به! يا حرسيّ اسفع بيده.
أتى عبد الله بن الزبير أعرابيّ يسأله، فشكا إليه نقب»
ناقته واستحمله؛ فقال له ابن الزبير: ارقعها بسبت واخصفها بهلب وافعل
وافعل ...؛ فقال الأعرابيّ: إني أتيتك مستوصلا ولم آتك مستوصفا، فلا حملت ناقة حملتني إليك! فقال: إنّ وصاحبها.
والعرب تقول لمن جاء خائبا ولم يظفر بحاجته: «جاء على غيراء الظهر».
وتقول هي والعوامّ: «جاء بخفّى حنين» و «جاء على حاجبه صوفه».
وقال أبو عطاء السّنديّ في عمر بن هبيرة:
ثلاث حكتهنّ لقرم قيسطلبت بها الأخوة والثناء
رجعن على حواجبهن صوففعند الله أحتسب الجزاء
والأصل في قولهم: «جاء بخقّى حنين» أن إسكافا من أهل الحيرة ساومه أعرابيّ بخفّين، فاختلفا حتى أغضبه، فازداد غيظ الأعرابيّ؛ فلما ارتحل أخذ حنين أحد خفّيه فألقاه على طريقه ثم ألقى الآخر في موضع آخر؛ فلما مرّ الأعرابيّ بأحدهما قال: ما أشبه هذا بخفّ حنين! ولو كان معه الآخر لأخذته، ومضى؛ فلما انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأوّل، وأناح راحلته فأخذه ورجع إلى الأوّل، وقد كمن له حنين فعمد إلى راحلته وما عليها فذهب به؛ وأقبل الأعرابيّ ليس معه غير الخفّين؛ فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟
قال: بخفي حنين.
قالوا: فإن جاء وقد قضيت حاجته قيل: «جاء ثانيا من عنانه». فإن جاء
ولمّا تقض حاجته وقد أصيب ببعض ما معه، قالوا: «ذهب يبتغى قرنا فلم يرجع بأذنين». يقول بشار:
فكنت كالعير غدا يبتغيقرنا فلم يرجع بأذنين
سأل أعرابيّ قوما، فقيل له: بورك فيك! فقال: وكلكم الله إلى دعوة لا تحضرها نيّة.
أرسل الوليد خيلا في حلبة، فأرسل أعرابيّ فرسا له فسبقت الخيل؛ فقال له الوليد: احملني عليها؛ فقال: إنّ لها حرمة، ولكني أحمل على مهر لها سبق الخيل عام أوّل وهو ريّض.
وتقول العرب فيمن يشغله شأنه عن الحاجة يسألها: «شغل الحلى أهله أن يعارا» بنحصب الحلى، ويعار: من العارية. فأمّا قولهم: «أحقّ الخيل بالركض المعار». فإنّ المعار: المنتوف الذّنب وهو المهلوب؛ يريدون أنه أخفّ من الذيّال الذنب، يقال: أعرت الفرس إذا نتفته.
وتقول العرب لمن سئل وهو لا يقدر فردّ: «بيتي يبخل لا أنا»؛ يريدون أنه ليس عنده ما يعطي.
ووعد رجل رجلا فلم يقدر على الوفاء بما وعده؛ فقال له: كذبتني؛ قال: لا، ولكن كذبك مالي.
وتقول العرب فيمن اعتذر بالمنع بالعدم وعنده ما سئل: «أبى الحقين
العذرة». قال أبو زيد: وأصله أن رجلا ضاف قوما فاستسقاهم لبنا، وعندهم لبن قد حقنوه في وطب، فاعتذروا أنه لا لبن عندهم؛ فقال: أبى الحقين العذرة. ويقال: العذرة طرف البخل».
وقال الطائي يذكر المطل:
وكان المطل في بدء وعوددخانا للصنيعة وهي نار
نسيب البخل مذ كانا وإن لميكن نسب فبينهما جوار
لذلك قيل بعض المنع أدنىإلى جود وبعض الجود عار
قال إسماعيل القراطيسيّ في الفضل بن الربيع:
لئن أخطأت في مدحك ما أخطأت في منعي
لقد أحللت حاجاتيبواد غير ذي زرع
غزا المنذر بن الزّبير في البحر ومعه ثلاثون رجلا من بني أسد بن عبد العزّى؛ فقال له حكيم بن حزام: يا بن أخي، إني قد جعلت طائفة من مالي لله ﷿، وإني قد صنعت أمرا ودعوتكم له، فأقسمت عليك لا يردّه عليّ أحد منكم؛ فقال المنذر: لاها الله إذا، بل نأخذ ما تعطي، فإن نحتج إليه
نستعن به ولا نكره أن يأجرك الله، وإن نستغن عنه نعطه من يأجرنا الله فيه كما أجرك.
سأل أعرابيّ رجلا يقال له: الغمر فأعطاه درهمين، فردّهما وقال:
جعلت لغمر درهميه ولم يكنليغني عنّي فاقتي درهما غمر
وقلت لغمر خذهما فاصطرفهماسريعين في نقض المروءة والأجر
أتمنع سؤّال العشيرة بعد ماتسمّيت غمرا واكتنيت أبا بحر
اختلف أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع في حاجة له زمانا فلم يقضها له، فكتب:
أكلّ طول الزّمان أنت إذاجئتك في حاجة تقول غدا!
لا جعل الله لي إليك ولاعندك ما عشت حاجة أبدا!
وقال آخر:
إن كنت لم تنو فيما قلت لي صلةفما انتفاعك من حبسي وترديدي
فالمنع أجمله ما كان أعجلهوالمطل من غير عسر آفة الجود
وقال آخر:
بسطت لساني ثم أوثقت نصفهفنصف لساني في امتداحك مطلق
فإن أنت لم تنجز عداتي تركتنيوباقي لسان الشكر باليأس موثق
وقال آخر:
يا جواد اللسان من غير فعلليت جود اللسان في راحتيكا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع