من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
من يعتمد في الحاجة ويستسعى فيها
روى هشيم عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مصعب قال: قال رسول الله ﷺ: اطلبوا الحوائح إلى حسان الوجوه».
وفي حديث آخر: «اعتمد لحوائجك الصّباح الوجوه، فإنّ حسن الصورة أوّل نعمة تتلقّاك من الرجل».
قالت امرأة من ولد حسّان بن ثابت:
سل الخير أهل الخير قدما ولا تسلفتى ذاق طعم العيش منذ قريب
ومن المشهور قول بعض المحدثني:
حسن ظنّ إليك أكرمك اللهـ دعاني فلا عدمت الصّلاحا
ودعاني إليك قول رسول اللهـ إذا قال مفصحا إفصاحا
إن أردتم حوائجا عند قومفتنقّوا لها الوجوه الصّباحا
وقال آخر:
إنّا سألنا قومنا فخيارهممن كان أفضلهم أبوه الأوّل
أعطى الذي أعطى أبوه قبلهوتبخّلت أبناء من يتبخّل
وقال خالد بن صفوان: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشدّ من المصيبة سوء الخلف منها.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: مسلم بن قتيبة: لا تطلبنّ حاجتك إلى كذّاب فإنه يقرّبها وهي بعيد ويبعّدها وهي قريب»
، ولا إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك، ولا إلى رجل له عند من تسأله الحاجة مأكلة، فإنه لا يؤثرك على نفسه.
أنشدنا الرّياشيّ لأبي عون:
ولست بسائل الأعراب شيئاحمدت الله إذ لم يأكلوني
وقال ميمون بن ميمون: لا تطلبنّ إلى لئيم حاجة، فإن طلبت فأجّله حتى يروض نفسه.
هارون بن معروف عن ضمرة عن عثمان بن عطاء، قال: عطاء الحوائج عند الشباب أسهل منها عند الشيوخ؛ ثم قرأ قول يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
وقول يعقوب: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وقال بشار:
إذا أيقظتك حروب العدافنبّه لها عمرا ثم نم
فتى لا يبيت على دمنةولا يشرب الماء إلا بدم
يلذّ العطاء وسفك الدّماءفيغدو على نعم أو نقم
وقال أبو عبّاد الكاتب: لا تنزل مهمّ حوائجك بالجيّد اللسان، ولا المتسرّع إلى الضمان، فإنّ العجز مقصور على المتسرّع؛ ومن وعد ما يعجز عنه فقد ظلم نفسه وأساء إلى غيره؛ ومن وثق بجودة لسانه ظنّ أنّ في فصل بيانه ما ينوب عن عذره وأن وعده يقوم مقام إنجازه. وقال أيضا: عليك بذي الحصر البكيّ، وبذي الخيم الرضيّ، فإنّ مثقالا من شدّة الحياء والعيّ،
أنفع في الحاجة من قنطار من لسان سليط ذكيّ، وعليك بالشّهم النّدب الذي إن عجز أيأسك، وإن قدر أطعمك.
قال بعض الشعراء:
لا تطلبنّ إلى لئيم حاجةواقعد فإنك قائما كالقاعد
يا خادع البخلاء عن أموالهمهيهات! تضرب في حديد بارد
وقال آخر:
إذا الشافع استقصى لك الجهد كلّهوإن لم تنل نجحا فقد وجب الشّكر
وقال آخر:
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعةمن جاهه فكأنّها من ماله
ذكر أعرابيّ رجلا، فقال: كان والله إذا نزلت به الحوائج قام إليها ثم قام بها، ولم تقعد به علّات النفوس.
قال الشاعر:
ما إن مدحتك إلّا قلت تخدعنيولا استنتك إلا قلت مشغول
ابن عائشة قال: كان شبيب بن شيبة رجلا شريفا يفزع إليه أهل البصرة في حوائجهم، فكان إذا أراد الركوب تناول من الطعام شيئا ثم ركب؛ فقيل له. إنك تباكر الغداء! فقال: أجل! أطفىء به فورة جوعي، وأقطع به
خلوف فمي، وأبلع به قضاء حوائجي، فخذ من الطعام ما يذهب عنك النّهم؛ ويداوي من الخوى.
قال بعض المحدثين:
لعمرك ما أخلقت وجها بذلتهإليك ولا عرّضته للمعاير
فتى وفرت أيدي المحامد عرضهوخلّت لديه ماله غير وافر
وقال آخر:
أتيتك لا أدلي بقربى ولا يدإليك سوى أنّي بجودك واثق
فإن تولني عرفا أكن لك شاكراوإن قلت لي عذرا أقل أنت صادق
وقال رجل لآخر في كلامه: أيدينا ممدودة إليك بالرغبة، وأعناقنا خاضعة لك بالذّلّة، وأبصارنا شاخصة إليك بالشكر؛ فافعل في أمورنا حسب أملنا فيك، والسلامه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع